حوار

وزير إعداد التراب الوطني: المباني الآيلة للسقوط ورطة

عبد الأحد الفاسي وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان قال إن الخصاص في السكن يزداد سنة بعد أخرى

قال عبد الأحد الفاسي الفهري، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، إن العديد من البرامج لمواجهة ظاهرة المباني الآيلة للسقوط أظهرت محدوديتها، ما فرض مراجعة الإستراتيجية المتبعة، واعتماد مقاربة جديدة أكثر نجاعة للتدخل.
وأوضح الوزير المنتمي إلى حزب التقدم والاشتراكية أن السكن الموجه للطبقة المتوسطة، الذي أعطت الوزارة انطلاقته في 2013، يعرف، عكس البرامج الاجتماعية، تعثرا في انخراط المنعشين. في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار : برحو بوزياني
< فشلت الحكومات المتعاقبة في حل مشكل المنازل المهددة بالانهيار. ما هو تشخيص الوزارة للظاهرة وكيفية مواجهتها؟
< معالجة إشكالية الدور المهددة بالانهيار من بين أهم أولويات البرامج الحكومية المتعاقبة، نظرا لما تشكله هذه البنايات من مخاطر سواء على ساكنيها أو الدور المجاورة أو المارة، كما أن هذه البنايات لا تشكل حالات معزولة، وإنما تهم أحياء ومدارات كاملة من السكن غير اللائق. وحدد الإحصاء الوطني الشامل للدور المهددة بالانهيار، الذي قامت به وزارة الداخلية في 2012 عدد المباني التي تستدعي التدخل في 43697 بناية على الصعيد الوطني.
ولمعالجة هذه الوضعية المعقدة، عمدت الحكومات المتعاقبة إلى إطلاق العديد من البرامج، غير أنها أظهرت محدوديتها ولم تعد كافية لمواجهة مخاطر الظاهرة، الشيء الذي فرض مراجعة الإستراتيجية المتبعة، واعتماد مقاربة جديدة أكثر نجاعة للتدخل ترتكز على أسس ذات طابع قانوني ومؤسساتي ومالي ووقائي، وفق مقاربة تشاركية وتعاقدية، من أجل تدخل ناجع لضمان استقرار وسلامة السكان وتحسين ظروف عيشهم.

< ما هي مرتكزات المقاربة الجديدة التي تتحدثون عنها؟
< ترتكز مقاربة الوزارة على وضع إطار قانوني ينظم التدخل في الدور السكنية، من خلال المصادقة على مشروع قانون 12-94 يتعلق بالمباني الآيلة للسقوط، وتنظيم عمليات التجديد الحضري في 2015. وجاء هذا القانون بعدد من المستجدات تتجلى في تنظيم أدوار جميع المتدخلين، وتحديد المسؤوليات بما فيها مسؤولية مالكي المباني الآيلة للسقوط. كما ترتكز على إحداث مؤسسة عمومية وطنية سيعهد إليها الإشراف على تنفيذ البرامج العمرانية والمشاريع المتعلقة بالتجديد الحضري وتأهيل الأنسجة والمباني الآيلة للسقوط.
وترى الوزارة أن النجاح في هذا الورش رهين باعتماد مقاربة شمولية وتشاركية وتعاقدية من أجل التدخل في هذا النوع من السكن، عبر توقيع عدد من اتفاقيات التمويل لمعالجة وضعية سكان هذه الدور، لضمان استقرارهم وتحسين ظروف عيشهم.

< تظل المدن الكبرى الأكثر عرضة لكوارث الانهيار. ما هي أسس برامج التدخل المنتهجة في هذا الصدد؟
< رغم كل العراقيل التي تعترض المباني الآيلة للسقوط ، خاصة قلة الخبرة التقنية، وصعوبة تدخل المنعشين العموميين، ومحدودية دخل الأسر المعنية، والفراغات القانونية المسجلة، فقد عملت الوزارة على إطلاق برامج تهدف إلى معالجة وضعية قاطني هذه الدور، وتضاعفت المجهودات بعد 2012، التي تم خلالها القيام بإحصاء شامل للبنايات المهددة بالانهيار من قبل وزارة الداخلية، والذي حدد عددها في 43697 بناية تتمركز نسبة كبيرة منها داخل المدن العتيقة.
وتختلف برامج التدخل المعتمدة، حسب طبيعة الضرر الذي لحق بالبناية، من خلال تصنيفها، حسب درجة خطورتها، والتدخل إما بالهدم وإعادة إسكان قاطنيها، أو من خلال تدعيم هياكل البنايات وترميمها.

< ما هي الإكراهات التي تواجه إستراتيجية الحكومة في مواجهة السكن غير اللائق؟
< حققت البرامج والمبادرات التي أطلقتها الحكومة، خصوصا في إطار القضاء على السكن غير اللائق، وتوفير سكن لائق نتائج إيجابية، من أهمها البرنامج الوطني مدن بدون صفيح، وبرامج التدخل بالمباني الآيلة للسقوط، والتدخل بالأحياء غير القانونية.
كما اعتمدت تدابير مصاحبة تهم تعبئة العقار العمومي والتحفيزات الضريبية، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإحداث صناديق الضمان، لتمويل اقتناء أو بناء سكن اجتماعي لفائدة ذوي الدخـل المحـدود أو غيـر القار.
أما الإكراهات التي تواجه الإستراتيجية الحكومية، فتختلف باختلاف أشكال السكن غير اللائق، ويمكن إجمالها في النمو الديمغرافي السريع، والتزايد المستمر لعدد الأسر القاطنة بهذا النوع من السكن، وندرة العقار القابل للتعبئة لفائدة البرامج التي تروم معالجة وضعية المعنيين، وضعف انخراط الأسر في البرامج المنجزة لفائدتهم، ورفضهم في كثير من الأحيان عمليات الترحيل للوحدات السكنية المخصصة لهم.

< يطرح ملف السكن تداخل المسؤوليات بين أكثر من جهة. كيف تفكرون في معالجة هذا الأمر؟
< نظرا لتداخل وصعوبة تحديد المسؤوليات عند وقوع الانهيارات، أصبح من الضروري إقرار تفعيل الإجراءات الجديدة لملء الفراغ القانوني في هذا الإطار. وفي هذا الصدد، تمت المصادقة على القانون رقم 94.12 المتعلق بالمباني الآيلة للسقوط، وتنظيم عمليات التجديد الحضري المعد في إطار مقاربة تشاركية بمعية مختلف الفاعلين.
< ما هو دور العمال والولاة في محاربة المنازل المهددة بالانهيار؟
< تم إحداث لجنة إقليمية تحت رئاسة العمال وبتمثيلية مختلف مكونات المنظومة المحلية، تتولى كتابتها الدائمة مصالح الوزارة، يعهد إليها أساسا، الإشراف على معاينة المباني الآيلة للسقوط، وتصنيف حالات ودرجة المخاطر التي تعانيها، ومواكبة الهيآت المنتخبة في تنفيذ التدابير والإجراءات التي يتعين على الملاك أن يقوموا بتنفيذها، امتثالا لقرارات رئيس المجلس الجماعي، سواء فيما يتعلق بالتدابير الاحترازية أو الإجراءات العلاجية.
كما تم سن تدابير زجرية في حق كل من امتنع عن تنفيذ الإجراءات أو تحايل على القانون بغرض الحصول على مساعدة عمومية، أو احتال على مكتر لإفراغه بغير وجه حق، أو حال دون قيام المسؤولين بمسؤوليتهم في معالجة هذه المباني.

إستراتيجية عقارية
< يشتكي المنعشون من عدم وضع إطار تحفيزي لإنجاز سكن للفئات الوسطى. أين وصلتم في مناقشة خارطة الطريق التي قدمت إليكم أخيرا؟
< بذلت الوزارة مجهودات كبيرة من أجل تطويع الأنظمة العقارية، وتجاوز الإشكالات المرتبطة بتعبئتها من أجل الاستثمارات في كافة القطاعات، خصوصا في قطاع السكنى، وذلك بتفعيل مبدأ الالتقائية على مستوى التدبير العقاري، عبر وضع سياسة حضرية وطنية شاملة من خلال برمجة المصادقة على 211 وثيقة تعميرية، وإعداد 31 خريطة للمناطق القابلة للتعمير خلال البرنامج الحكومي الحالي 2016 – 2021، والارتقاء بدور الوكالات الحضرية من خلال إعادة تموقعها على المستوى الجهوي، وتمكينها من وضع تصور مندمج للتخطيط الترابي بمختلف مستوياته ودعم سياسة القرب.
ولا شك أن الطابع التشاركي لإنجاز وثائق التعمير، سيساهم لا محالة في توفير القاعدة العقارية اللازمة لإنتاج السكن بمختلف أصنافه، وفق الحاجيات المعبر عنها، خاصة أن هذه الوثائق تنجز عبر مسطرة يشارك فيها مختلف الفاعلين من القطاع العام والخاص والمجتمع المدني.
وتعد اليوم رئاسة الحكومة المقاربة التي ستعتمد من أجل بلورة إستراتيجية وطنية عقارية ومخطط عمل تنفيذها، تحت إشراف لجنة وزارية دائمة للسياسة العقارية.

إقبال على السكن الاقتصادي
< لماذا يتواصل التركيز على السكن الاجتماعي، في الوقت الذي تتعمق الحاجة إلى سكن الفئات الوسطى؟
< يعرف الطلب على السكن بمختلف أصنافه إقبالا من قبل الفئات الاجتماعية، خصوصا الصغرى منها والمتوسطة، متفاوتا من مدينة إلى أخرى، بل من مجال إلى آخر في المدينة ذاتها، وحسب المميزات العمرانية للمحيط الذي توجد به المشاريع السكنية.
وتعتبر التحفيزات الضريبية الممنوحة أحد الركائز الأساسية لإنجاح البرامج السكنية، إضافة إلى عامل توفر العقار المناسب الذي يلعب دورا محوريا في إخراج المشاريع السكنية إلى حيز الوجود، مع ما يعتري ذلك من إكراهات مالية وعمرانية وتقنية.
ولتوضيح وضعية السوق بين العرض والطلب، أعدت الوزارة دراسة إستراتيجية مكنت من تحديد الحاجيات السكنية، وبادرت إلى إشراك المنعشين العقاريين والفاعلين في تقاسم خلاصاتها، ما يمكنهم من توجيه مشاريعهم نحو الجهات والفئات التي تعرف خصاصا في السكن.

تشجيع القطاع الخاص
< ما هي أهم خلاصات إستراتيجية الوزارة في مجال السكن؟
< من بين أهم الخلاصات هيمنة الطلب على السكن الاجتماعي بصنفيه 250 ألف درهم و 140 ألف درهم بنسبة 40 %. وتعمل الدولة مقابل الامتيازات الممنوحة للمنعشين العقاريين على ضمان احترام شروط البناء وأثمنة البيع، أي 250 ألف درهم للشقة بالسكن الاجتماعي، و140 ألف درهم للسكن المنخفض التكلفة، و7200 درهم للمتر المربع بالنسبة للسكن الموجه للطبقة المتوسطة. وتصل مساهمة القطاع الخاص في برنامج السكن الاجتماعي إلى %96 من مجموع الوحدات المبرمجة، من خلال 1086 اتفاقية، مقابل 46 اتفاقية من قبل القطاع العام. وهذا المؤشر يفسر أساسا نجاعة الإجراءات الجبائية والتحفيزات التي منحتها الدولة للقطاع الخاص. أما السكن الموجه للطبقة المتوسطة، الذي أعطت الوزارة انطلاقته في 2013، فيعرف، عكس البرامج الاجتماعية، تعثرا في انخراط المنعشين، رغم أنه يعفي المستفيدين من واجبات التسجيل والتحفيظ.

أزمة في العقار
< تهدف الوزارة إلى إنتاج 800 ألف وحدة سكنية في أفق 2021. أين وصلتم في تحقيق هذا الهدف؟
< رغم النتائج المحققة، فإن حجم الخصاص السكني يزداد سنة بعد أخرى، بسبب النمو الديمغرافي السريع والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.ولمواجهة هذه الوضعية، وضعت الوزارة مجموعة من الإصلاحات الهيكلية من خلال التصريحات الحكومية والتعديلات التي أدخلت على قوانين المالية، همت تأسيس مجموعة العمران في 2007 لبلورة السياسة الحكومية في مجال الإسكان والتهيئة. كما عززت الترسانة القانونية المؤطرة لقطاع السكن والبناء، من خلال إصدار القانون رقم 67-12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني، والقانـون رقـم 107-12 المعدل والمتمم للقانون رقم 44.00 المتعلق ببيـع العقـارات فـي طـور الإنجاز، والقانون رقم 94-12 المتعلق بـالمباني الآيلة للسقوط، وتنظيم عمليات التجديد الحضري، والقانون رقم 106-12 المعدل والمتمم للقانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، واعتماد آليات مرجعية خاصة بالبناء المضاد للزلازل.
ويشكل توفير العقار وتعبئة الأراضي أهم العوائق التي تواجه عملية إنتاج السكن، خصوصا الموجه للفئات المعوزة، إذ يسجل ندرة العقار الصالح للبناء وكلفته الباهظة، بالإضافة إلى خصوصية ومكونات النظام العقاري الذي يتميز بالازدواجية (محفظ وغير محفظ)، وتعدد أنظمته العقارية.

تحفيز المنعشين جبائيا
< يزداد الرهان على دور القطاع الخاص لتقليص العجز في السكن. كيف تقيمون الشراكة مع المنعشين العقاريين ؟
< لتطوير الشراكة مع القطاع الخاص، يتم نهج رؤية متجددة في التعامل مع العقار، وتطويعه لخدمة الأهداف المسطرة، من خلال تعبئة العقارات العمومية لبلورة البرامج السكنية، لإعطاء دفعة كبيرة لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، من خلال تعبئة ما يناهز 8759 هكتارا من العقار العمومي التابع للملك الخاص للدولة ما بين 2003 و2009، وتوظيفه في دعم السكن الاجتماعي ومحاربة السكن غير اللائق، وإحداث مدن وأقطاب حضرية جديدة، وفتح مناطق جديدة للتعمير (تامسنا، تامنصورت، تاكاديرت، الساحل الخيايطة، العروي، الشرافات…) باعتماد مقاربة تشاركية مع القطاع الخاص.
كما تحرص الوزارة على تشجيع المنعشين لاستثمار رصيدهم العقاري، من خلال التحفيزات الجبائية في القوانين المالية المتعاقبة لتطوير القطاع الخاص، ورفع وتيرة الإنتاج، وإعمال مقاربة جديدة للشراكة معه، تعتمد على قواعد جديدة تروم ضمان مستويات أعلى من الانخراط والتعبئة، في احترام لمبادئ الشفافية والتقاسم المتوازن للمسؤوليات والمحافظة على مصالح المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق