fbpx
تحقيق

“شـنـاقـة” بـوزرات بـيـضـاء

حكايات وقرائن تفضح “بروفيسورات” حولوا قطاع الصحة إلى “رحبة” للسمسرة والعمولات والتحايل على القانون

لم نكن نتوقع أن مجرد مقال افتتاحي في بضعة أسطر، نشر قبل شهر، حول أساليب السمسرة في القطاع الطبي، يمكن أن يتحول إلى “مانيفست” احتجاج أشهره عدد من المرضى وأسرهم في وجه أساتذة أطباء اختلط لديهم قسم أبقراط بعمليات “القسمة”، وجدول هيأة الأطباء بجداول الضرب والطرح والجمع، جمعُ الأموال بطرق غير قانونية في قطاع إنساني بامتياز رأسماله الأساسي تخفيف آلام الناس وأوجاعهم، وعلاج أمراضهم ومواساتهم حين تشتد بهم
نائبات الحزن. في الورقة التالية، عودة مفصلة إلى الموضوع، استنادا إلى شهادات حية تحكيها “الصباح” على لسان ضحايا ابتزاز طبي، وتصريحات لشهود عيان من داخل القطاع، وتدقيق في طرق الاستغلال
اعتمادا على استراتيجية التأزيم بالقطاع العمومي لتهريب المرضى إلى القطاع الخاص، وتفصيل قانوني في رخصة “تي.بي.أَ” التي انتهى العمل بها منذ تسع سنوات.

الساعة السابعة والنصف صباحا، يصل الرجل الكهل، باكرا، إلى مختبر التحليلات الطبية بالزقاق الخلفي للمركز الاستشفائي الجامعي، وهو العنوان ذاته الذي وضعه الطبيب المعالج، بقلم رصاص، في صدر ورقة بيضاء ممهورة باسمه وطابعه الشخصي ألصقها بورقة التحليلات بواسطة “ترومبون”.
فوق كرسي خشبي بقاعة الانتظار الفسيحة، يقلب الرجل الورقة البيضاء ذات اليمين وذات اليسار، دون أن يخفي توترا واضحا تفضحه ملامح منكسرة، وسؤالا مؤرقا عن وجوده، من جديد، في مختبر لإجراء تحليلات حول وضعية كريات دمه الحمراء كان أجراها، قبل يومين، بسعر رمزي، في مختبر الحي الذي يشتغل به زوج ابنته، ثم سؤال أكبر عن لوثة الغضب التي انتابت الطبيب، فجأة، حين سلمه نتائج التحليلات، قبل أن يمزقها ويطلب منه إجراءها “بشكل صحيح”، في مختبر “يثق في شغله”.
يمسح الرجل آثار النوم عن عينيه، وقبل أن يغلق فمه متثائبا، يسمع اسمه العائلي، فيهرول مسرعا في اتجاه مكتب نصف دائري تجلس خلفه سكرتيرة شابة، يمد إليها الورقة البيضاء الممهورة باسم الطبيب المعالج. تتأكد السكرتيرة من التوقيع، فتضع عليها رمزا خاصا وتصنفها جانبا مع أوراق أخرى تشبهها، ثم تطلب من الزبون التوجه إلى مكتب مجاور للكشف عن كرياته الحمراء، وقبل أن يغادر تطلب منه السكرتيرة الشابة، بلطف زائد، أداء ما بذمته والعودة بعد ثلاث ساعات لتسلم نتائج تحليلات، يعرف الرجل مسبقا أنها لن تختلف عن النتائج السابقة، لكن يعرف، أيضا، أنها الطريق الوحيد للعبور إلى الأشواط اللاحقة من العلاج لدى الطبيب نفسه.

في شراك مختبر

هذه حكاية من حكايات كثيرة يرويها لـ”الصباح” شاهد عيان يشتغل تقنيا بأحد مختبرات التحليلات الطبية في محيط أحد المراكز الاستشفائية الكبرى، يرتبط صاحبه بعلاقات صداقة “خاصة جدا” مع عدد غير قليل من أساتذة باحثين وأطباء في تخصصات مختلفة، يردون جميلها في شكل توجيه بسيط للمرضى وعائلاتهم إلى عنوان المختبر عينه، ولا بأس من التنويه، في بعض الأحيان، بمزاياه وأجهزته الحديثة وجودة خدماته ودقة نتائجه.
في أحد أيام الصيف الماضي، يسترسل مصدر “الصباح”، حل بالمختبر ثلاثة أفراد من أسرة واحدة، أحدهم يضع ضمادا على رأسه ولصاقا طبيا على عينه اليسرى، فيما يحمل الثاني مغلفا كبيرا محشوا بالوثائق والكشوفات الطبية، “اعتقدنا أول وهلة أن الأمر يتعلق بزبناء عاديين جاؤوا لطلب تحاليل طبية”، يقول المصدر نفسه، “قبل أن تتكشف ملامح عملية إنزال عنيف لعائلة بأكملها أحست أنها كانت ضحية ابتزاز مزدوج من طرف المختبر والطبيب المعالج”.
ويوضح شاهد العيان كيف شعرت الأسرة بالغبن، ليس فقط باعتداء مبيت على أحد أفرادها كان يودي بحياته قبل يومين، بل باستغلالها ماديا من طرف مختبر التحاليل والطبيب المعالج الذي طلب من الأسرة عددا من الكشوفات الراديوغرافية على مناطق محددة من جسم المريض، وأخرى دقيقة في مناطق أخرى من الرأس، مرفقة بتحاليل أخرى حول الأمراض الصدرية واللوزتين والمعدة وفحوصات أخرى لا علاقة لها بالحادثة، فقط لتضخيم الفاتورة فقط.

فيلق ابتزاز

يتحدث تقني المختبر، في خضم قصصه التي لا تنتهي، عن أسماء أساتذة أطباء يعرفهم بالاسم، وأسماء السماسرة من النساء والرجال وبعض سائقي وأصحاب  سيارات الإسعاف الذين يترصدون المرضى وعائلاتهم ومرافقيهم أمام مداخل المراكز الاستشفائية، وقرب بعض المختبرات ومحلات بيع المعدات والأجهزة الطبية وبعض الصيدليات، لعرض “خدماتهم” واستشاراتهم التي تنتهي، عادة، بتوجيههم إلى المكان المحدد الذي يتم فيه “حلبهم” كما يجب، مقابل عمولات يتسلمها هؤلاء نهاية كل يوم، أو أسبوع، أو شهر، حسب “نص الاتفاق”.
ويقول التقني نفسه إن هذه العينة من الأساتذة الأطباء تستغل ثقة المرضى وحالات الارتباك الذي يفرضها تفاقم المرض لفرض نوع من التوجيه من أجل إجراء تحاليل أو أشعة، أو جلب أدوية ومعدات طبية من محلات بعينها، وإذا اقترح المريض أو عائلته محلا، أو مصحة أخرى يكون مصيره التهميش، وأحيانا رمي التحليلات أو الفحوصات غير المرغوب فيها في سلة المهلات، وطلب أخرى من عنوان محدد سلفا.
ووجد بعض هؤلاء الأطباء وسيلة ناجعة، حسب المصدر نفسه، لتهريب مرضى المستشفيات العمومية إلى المصحات الخاصة، إذ بعد أن يزجوا بعائلات المرضى في دائرة اليأس والإحباط، يتركون بصيصا صغيرا من الأمل، ويدعون الشفقة والرأفة، فيؤكدون لضحاياهم أن بإمكانهم مساعدتهم على تكلفة العلاج المرتفعة في المصحات الخاصة، وذلك بإعفائهم من تكاليف ومصاريف العلاجات الموالية للعملية الجراحية، فيؤكدون أنه بعد إجراء العملية سيساعدون عائلة المريض على نقله من جديد إلى المستشفى العمومي من أجل متابعة العلاج بالمجان، وهي صفقة وهمية تجدها حتى عائلات المرضى مربحة جدا.

الفاتورة قبل السرير

وتلهج ألسنة المواطنين والضحايا من المرضى وعائلاتهم، كلما أثير الموضوع على صفحات الجرائد، بعدد من القصص، بعضها أقرب إلى الخيال، آخرها طلع، قبل أيام، بمستشفى شهير بالدار البيضاء أقسم أستاذ طبيب بأحد أقسامه بأغلظ إيمانه بألا يوقع على ورقة الدخول لمريض إلى المستشفى إلا بعد تسليمه فاتورة مشتريات لمعدات طلب جلبها من محل من اقتراحه، وهو ما رضخ له المريض مرغما، قبل أن يلقي جسده المنهك على سرير بمؤسسة عمومية تمول من أموال دافعي الضرائب.
أحد الآباء اتصل هاتفيا بـ”الصباح”، مباشرة بعد نشر مقال إخباري في الموضوع قبل شهر، وحكى كيف استغله أحد أطباء العظام بمركز استشفائي أبشع ما يكون الاستغلال، وقال إن الأستاذ طلب منه جلب معدات طبية باهظة الثمن (بعضها مصنوع من مادة البلاتين) لترميم عظام ابنه الذي تعرض لحادثة سير، وحين حاول أن يفهم الأستاذ المعالج أن عدد المعدات المطلوبة تفوق بكثير الحاجيات الحقيقية بالنسبة إلى قدم مكسورة، انتفض الأخير في وجهه، غاضبا مدافعا عن كرامته، طالبا منه بلهجة صارمة أن يأخذ ابنه ويرحل إذا كان يشك في ذمته، فما كان من الأب إلا أن توجه إلى المحل المعني لجلب “بضاعة” يعرف أن الكثير منها سيتم إرجاعه، مجددا، إلى المكان نفسه ليعاد بيعه، من جديد، إلى ضحية أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
مريض آخر من الصويرة، كان كل حلمه أن يجري عملية بسيطة، كما قيل له، لاستئصال اللوزتين اللتين اشتد بهما الانتفاخ وتحولا إلى كتلتين لحميتين وسط حنجرته تمنعه من التنفس والأكل الطبيعيين، قبل أن يتحول هذا الحلم إلى كابوس بأحد مستشفيات مراكش، بعد عملية جراحية فاشلة نجم عنها تعفن حاد موضع اللوزتين، تطلب نقله إلى مصحة خاصة بالدار البيضاء لاستئصال مكان العفن وتنظيفه، مع ما يتطلبه ذلك من مصاريف إضافية أنهت جيبه المنهك أصـــــــــــلا.
بالمصحة الخاصة، وجد المريض من يخبره، دون حتى أن يطرح السؤال، أن “إفشال” العملية الأولى لم يكن سوى حيلة يتقنها بعض الأطباء والأساتذة لفرض الأمر الواقع على المريض ووضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: أما الانتقال إلى القطاع الخاص لاستكمال العلاج، أو انتظار تفاقم المرض المؤدي حتما إلى الموت.
التحقيق في هذا الموضوع، قاد “الصباح”، أيضا، إلى محل لبيع المعدات الطبية الخاصة بترميم العظام بالدار البيضاء، اشتكى مسيره من أساليب الابتزاز المتعددة التي يلجأ إليها بعض “البروفيسورات” التي يكون ضحيتها في الأول والأخير المريض وعائلته، ومن هول ما رأت عيناه، اتخذ هذا المسير قرارا بقطع أية صلة مع المستشفيات العمومية وحصر تعامله مع المصحات الخاصة، “على الأقل، هناك تعامل إداري ومالي واضح نسبيا، لا يوجد من يطلب منك عمولة على كل فاتورة، أو التكفل بسفرياته ومصاريف مؤتمراته ورحلات استجمامه خارج المغرب”، يقول المسير.وتحدث الأخير عن مناسبات مختلفة اضطر فيها الطبيب المعالج إلا رفض لائحة من المعدات لأسباب واهية، ليس لعطب فيها أو عدم ملاءمتها لحالة المريض، بل لعدم اقتناعه بـ”المجموع” المشار إليه أسفل الفاتورة، وقال إن المعدات نفسها التي يمكن أن يؤشر عليها محل معين بمبلغ 1500 درهم ، يمكن أن تصل في محل آخر إلى 4 آلاف درهم، والفرق بين المبلغين يتم اقتسامه بين صاحب المحل والأستاذ المعالج.

ممارسات في جنح الظلام

ورغم عدد من الحقائق والحكايات التي تقطر ألما، وأصحابها مستعدون للإدلاء بشهادتهم أمام الجهات المسؤولة ، إن اقتضى الأمر، لا نرغب في الدخول في لعبة الأسماء التي يستطيع أصحابها، بحيل مختلفة، الإفلات من أصابع الاتهام التي تشير إلى ممارساتهم المشينة وتحويلهم صحة المواطنين وأرواحهم ومعاناتهم إلى عبث وابتزاز، وأرقام في الحسابات البنكية ومظاهر لترف باذخ وغنى فاحش (اللهم لا حسد) في شكل سيارات فارهة وشقق في المدن الساحلية وفيلات في أحياء راقية وشاليهات ورحلات استجمام و»مؤتمرات» سياحة في أوربا وجزر أمريكا اللاتينية مدفوعة الثمن مسبقا من عرق الفقراء والمحتاجين.إن أصعب امتحان يمكن أن يواجه صحافيا، أو محاميا، أو مطالبا بحقوق مدنية، إيجاد حجج وقرائن دامغة على فعل الرشوة والعمولات السوداء التي تسلم تحت الطاولة، لأنها عمل غير شريف يتم في جنح الظلام، وهذا بالضبط ما يقوم به عدد من الأساتذة الأطباء بتواطؤ مع أرباب صيدليات ومحلات بيع المعدات الطبية والأعضاء الاصطناعية وأجهزتها وقطع غيارها، وبعض أصحاب المختبرات الطبية ومراكز الأشعة الراديوغرافية والمختبرات البيولوجية، وتحويل كل هذه المحلات إلى حدائق خلفية لتوجيه المرضى (الزبناء) إليها دون غيرها، مقابل عمولات ونسب مالية تصل في شكل أغلفة، عبر وسطاء وسماسرة، إلى الطبيب، أو الأستاذ المعني.
في الجزء الثاني من هذا التحقيق، نحدد الخطوط الكبرى لخارطة الطريق التي يعتمدها بعض الأساتذة الأطباء في تقطير دماء المرضى وعائلاتهم وتحويلها إلى أرصدة في البنوك.

إعداد : يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق