fbpx
حوار

الإسلاميون أبناء الديكتاتوريات

المفكر الجزائري كمال داود دعا إلى الكف عن عبادة الذين حررونا من الاستعمار والتفكير في المستقبل
كمال داود، روائي وصحافي جزائري، استطاع الانعتاق من العقائد الدينية والتقاليد الماضوية والضغوط السياسية، التي تسحق بلده، ففرض تعطشه إلى الوجود، وشغفه للكتابة، ونظرته غير الممتثلة للضوابط المألوفة. وخلال 15 سنة، وعبر أعمدته في جريدة لوكوتيديان دو وهران، رسم الجزائر والعالم العربي الإسلامي بأسلوب متفرد ولا هوادة فيه. وباعتبار الشكل الذي ينسج به الشعر، والفلسفة، والسياسة، استحق اعترافا عالميا. لقد تم تجميع عدد من نصوصه الخاصة بالفترة من 2010 إلى 2016 في كتاب استقلالاتي (mes indépendances) صدر قبل أسابيع عن دار النشر آكت سود، وتشكل درسا في التاريخ ولكن أيضا تفكيرا كونيا في حرية الفرد. وفي هذه المقتطفات المترجمة من قبل “الصباح” عن مقابلة أجرتها معه صحيفة لوفيغارو الفرنسية، الأسبوع الماضي، يقدم رؤية مغايرة عما يقع في الجزائر، والبلدان المغاربية عامة، عقب الاستقلال والانعتاق من الاستعمار، وصولا إلى أحداث الربيع العربي وتنامي الإسلام السياسي.

امحمد خيي (عن لوفيغارو بتصرف)
< لماذا اخترت عنوان استقلالاتي للكتاب الذي جمعت فيه نصوص أعمدتك الصحافية وصدر حديثا؟
< في الجزائر كلمة استقلال زائدة المعاني، وبالطبع هي تحيل على حرب الجزائر وتحرير البلد، وهي مرحلة ضرورية من وجهة نظر تاريخية، ولكن اليوم، صارت مرجعية تستعاد على أكثر من صعيد حتى باتت مغالطة تحول دون المعركة الضرورية من أجل عملية تحرير الفرد. لقد أردت التلميح إلى هذا التناقض بين استقلال شعب وحرية كل فرد منه.
إن الرهان الأساسي بالنسبة إلى المثقف في الجنوب هي تحرره، والوقوف بحزم أمام صعود المحافظة الدينية والتقاليد الجمعية. في الشمال هناك إفراط لـأنا مقارنة بـنحن، عكس ما يجري في الجنوب، حيث يوجد بطل وحيد هو: الشعب، أي أن الفرد مسحوق من قبل الجماعة ومعدوم الوجود، وحينما يحاول استعادة وجوده، يجد نفسه قي موقع الخائن والمنشق، في حين أن التحرر ليس خيانة.
أمام منطق الجماعة، والعادات الاجتماعية الماضوية، وعولمة الإسلام، والقمع من قبل الديكتاتوريات، يجب الدفاع عن الحرية، وإعادة إرسائها، وتعريفها من جديد. من المهم أيضا الانعتاق من عائلاتنا الإيديولوجية.

< ماذا تقصد؟
< في الجزائر، من عادة المثقفين إرجاع كل شيء إلى التاريخ وبأن الاستعمار هو سبب كافة المشكلات، وإذ أقر بدوري، أن الاستعمار هو فعلا جريمة، إلا أننا المسؤولون عن الحاضر، وإذا كان في الجزائر من استهتار إجرامي تجاه المستقبل، ومن استغلال مجحف للموارد، ولا مبالاة بتعليم الفئات الأكثر شبابا، فهو ليس خطأ فرنسا، إنما ذنبنا نحن.
ولأنني كتبت وصرحت أننا لا يجب أن نعتبر أنفسنا ضحية أبدية، تعرضت لمحاولة إعدام بدون محاكمة، ووصفت بـعميل فرنسا، لأن الحزب الوحيد يبني شرعيته أساسا على الذاكرة والتاريخ، وجعلها سجلا تجاريا. من الواضح أنه يجب القبول بالماضي بغرض تجاوزه، ولكن لا يجب أن يتحول إلى عبادة للأصنام تحول دون التفكير في الحاضر والمستقبل. إن جدل الاستعمار والمستعمر لا يسمح بفهم الواقع الحالي، لذلك يجب التركيز أيضا على دور الذي حررنا من الاستعمار.
إن الأخير أنهى الكولونيالي وحل مكانه ليستأثر بالبلاد. إن النظام بعد الاستعمار يعيد إنتاج خطاب المستعمر: لقد بنينا مدارس، وأنشأنا لكم طرقا، كأنه وهبنا شيئا. لقد مررنا من استعمار خارجي إلى استعمار من قبل طبقة التحرير الوطني.
< لقد أثار إمانويل ماكرون (مرشح للرئاسة الفرنسية في انتخابات 2017) ما اعتبره جريمة ضد الإنسانية ممثلة في الاستعمار…
< إن تصريحات المرشح الرئاسي خدمت النظام القائم. في العمق، من السليم القول إن النظام الاستعماري لم يكن مقبولا، إلا أنه من غير المقبول القول إن الأوضاع كلها من خطأ النظام الاستعماري. وأنا الجزائري، لست بحاجة إلى اعتذار ولا إلى اعتراف الفرنسيين بأن الماضي الاستعماري كان جريمة ضد الإنسانية.
في اعتقادي، قام التاريخ بحسم المسألة، وكانت حرب الجزائر، معركة مشروعة من الاستقلال والتحرر، ومات فيها أشخاص حتى أكون أنا حرا، والمهم اليوم بالنسبة إلى الجزائريين هو الاستمتاع بحريتهم وببلدهم، لكن للأسف نفكر في الماضي على حساب المستقبل، ونفضل الجذور على الثمار. إن عبادة الأجداد والأموات انتهت بالإصابة بيرقان، لم يستثن حتى الأطفال.
إننا لا نفكر في أي مغرب/مغارب، وأي بلدان، وأي آبار وموارد، وأي مدن، سنورثها لأطفالنا. لقد تم إعدام المستقبل بتمجيد باطل لماض استحوذ علينا. إنني أشكل جزءا من هذا الجيل الذي ضاق ذرعا بالماضي، ويريد طي الصفحة، وتجاوز حالة الخوف من الشفاء التي عممت موقفا إيديولوجيا، في حين أن ذلك، لا يخفي إلا عجزا عن تحمل مسؤولية حاضرنا. إنني أريد أن أحب فرنسا دون أن أتبنى إيديولوجية كرهها، ودون أن أكون مسحورا بها درجة الخنوع.
الاستعمار؟ نعم إنه جريمة، ولكم فرنسا، بلد جميل أكن له حبا جما. اللغة الفرنسية؟ أنا أكتب بها. الثقافة الفرنسية؟ أنا أهيم غراما بها على غرار كل الثقافات الكونية، فهل أنا عميل لفرنسا؟، لا، لأنه يوجد فرنسيون أكرههم، وآخرون أحبهم، وبالتالي لدي رابطة سليمة وصحية مع هذا البلد ومع بلدي (الجزائر).

< أين اختفى التقدميون في العالم العربي؟
< يوجد تيار عميق ولو أنه يشكل أقلية وغير ظاهر في أوربا بسبب تأثير عدسات الإعلام، فتفجير إرهابي يحظى باهتمام العالم أكثر من كتاب إصلاحي، في حين أنه يوجد عمل ثقافي حقيقي تحت الأنقاض، كما أن الأنترنت يمنح فضاء جديدا للحرية، ولكن، يجب عدم الاقتصار بنظرة ذات مدى متوسط. لقد اخترع غوتنبيرغ المطبعة في منتصف القرن 15، لكن لم تقع الرجة الثقافية الكبرى في المسيحية الغربية إلا بعد مرور نصف قرن، مع إصلاحات مارتن لوثر (…).

< بماذا تفسرون الإغراء الذي تتمتع به إيديولوجية الإسلامويين؟
< على غرار كل الإيديولوجيات الشمولية، الإسلاموية هي نظام شمولي يمنح الأجوبة المريحة لكل الأسئلة الوجودية، فالإسلاموية تفسر في الوقت ذاته الجنس والجسد والسياسة. إن الجهادية كنوع من ألعاب الفيديو اللاهوتية التي تنزع فتيل إحساس بالذنب وقلق من الموت، فإذا قتلتم شخصا فهذا أمر مشروع، وإذا تفجرتم بحزام ناسف فأنتم تذهبون إلى الجنة.
وفي الجهة المقابلة لا وجود لبديل لهذه الإيديولوجية بقوة التأثير نفسها. وكل ما هناك هو الماكدو والثقافة الاستهلاكية، وبصورة كاريكاتورية أوضح، يا لديكم مال يا أنتم معدومون. إن الإسلاموية قبل أن تترجم إلى فعل سياسي، تعطي أولا وهما روحيا، وعندما ينضاف إلى ذلك الرفض من قبل المجتمع، والفشل الشخصي والملل/الفراغ، يتحول الفرد إلى زومبي (أي جثة متحركة أو شخص منوم مجرد من الوعي).
سطو الإسلاميين على الثورات

< أنت تعارض النظام. أليس في الواقع أفضل حاجز صد أمام الإسلاميين؟
< لا. إن النظام والإسلاميين حلفاء، لأنه من السهل حكم المؤمنين مقارنة بالمواطنين. في الجزائر يوجد نوع من الاتفاق بالطريقة الباكستانية، يقضي بانفراد طبقة بالحكم مع تفويض تدبير الفضاء العمومي إلى الإسلاميين، لأن ذلك يسمح بشل حركة المجتمع. إن النظام والإسلاميين يتبادلان الأدوار وبينهما تبادل للمنافع. إن الإسلاميين يقدمون أنفسهم حلا بديلا عن نظام فاسد، في حين يلعب النظام دور الحاجز أمام مدهم بتخيير الناس بين الأمن والديمقراطية.
إن الثورات لم تنتج الإرهابيين والجهاديين، لأنها جائت تعبيرا عن حاجة مشروعة إلى الحرية والديمقراطية، أما الإسلاميون فهم أبناء الديكتاتوريات، فهي التي صنعتهم وشجعتهم قبل إخضاعهم، وفي نظري، لا يمكن اللعب مع الشيطان لأنه دائما ينتصر في النهاية.
ومع ذلك، لقد تلا الربيع العربي خريف إسلامي..
(…) لا يكفي إسقاط الأنظمة، بل يتوجب قيادة ثورة/نهضة ثقافية في العقول والقلوب، وهذا يتطلب وقتا. إن الإسلاميين لم يقوموا بالثورات العربية، إنما استغلوها وانتهزوها، لأن لديهم الأموال، ويسيطرون على الوظائف، وشبكات المساجد، والقنوات التلفزيونية، على خلاف العلماني والديمقراطي، الذي عندما يكتسب شهرة، يحتاج إلى حقوق التأليف. أما الإسلاميين فوراءهم مملكة برمتها، ويتعلق الأمر بالسعودية وملايين البيترو-دولار.
في تونس فازت النهضة بالانتخابات لأن الحزب يتوفر على قوة ضاربة من الأموال الضخمة التي استحال على الديمقراطيين منافستها. إن سطو الإسلاميين على الثورات أمر مؤسف، ولكن يوجد، مع ذلك، شيء إيجابي له وقع المواساة عقب هذه الأحداث، ويتمثل في أن التاريخ، أخيرا، يتحرك. إنه يمشي على الأجساد، لكنه لن يتوقف مجددا، لقد تجاوزت الأربعين وتخوفت ألا أرى بتاتا مثل ما حدث، فمنذ الاستقلال، كانت استقالة الشعوب محبطة وخانقة، فكانت رياح الربيع العربي نفحة من الأوكسيجين.

في سطور

– من مواليد 17 يونيو 1970 بالجزائر
– صحافي وكاتب روائي
– فائز بجائزة «الغونكور» للعمل الروائي الأول في 2015
– فائز بجائزة «جون لوك لاكارديير» لصحافي السنة في 2016
– تم هدر دمه من قبل زعيم الجماعة الإرهابية «الصحوة الحرة الإسلامية السلفية» المحظورة في الجزائر
– من أعماله « ميرسو، التحقيق المضاد" (2015) المترجم إلى العربية بعنوان "معارضة الغريب" (2015)، و"أحلم أن أكون تونسيا: أعمدة 2010-2016".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى