حوار

موراتينوس: إسبانيا تقتدي بالمغرب

رئيس الدبلوماسية الإسباني السابق قال إن المغرب رقم أساسي في المعادلة الإفريقية الأوربية

اعتبر ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير خارجية إسبانيا السابق، في حوار خص به “الصباح”، أن المغرب يلعب دورا أساسيا في تدعيم الاندماج بين القارة الإفريقية، رغم العراقيل التي ما تزال تعيق تطور العلاقات الإفريقية البينية، مشيرا، في هذا الصدد، إلى ملف الصحراء، الذي يمثل عائقا أمام الاندماج المغاربي وتفعيل الوحدة الإفريقية. وأكد أن الأمين العام الحالي المعين أخيرا، البرتغالي أنطونيو غوتيرس بإمكانه، بفعل خبرته وحكمته، إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الذي عمر طويلا، مضيفا أن التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، حاليا، ستساعد على التوصل إلى اتفاق بشأن هذا الملف. وثمن الدبلوماسي الإسباني الدور الهام الذي يقوم به المغرب في مجال محاربة الإرهاب وأثنى على المساعدات التي قدمها المغرب لإسبانيا لفك لغز الاعتداءات الإرهابية التي كانت إسبانيا مسرحا لها في مارس 2004. كما تطرق موراتينوس في الحوار التالي إلى مجموعة من القضايا الأخرى المشتركة بين المغرب وإسبانيا.

أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي

< ما الدور الذي يمكن أن تلعبه أوربا في التنمية والاندماج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلدان الإفريقية؟

< بداية لا بد من الإشارة إلى أن تنمية القارة الإفريقية أصبحت حاجة ملحة، علما أن العلاقات الأوربية الإفريقية عرفت عبر التاريخ فترات مد وجزر ومعاناة في بعض المراحل، والتي يتعين تجاوزها، من خلال البحث عن سبل التعايش والتعاون المستدامة، خاصة أن الجغرافيا قد قربت بين القارتين، لذا أصبح لزاما العمل على التقارب بين بلدان القارتين، اللتين يجب أن تتكاملا في ما بينهما، وذلك باعتماد مقاربة جديدة ترتكز على تقاسم الفرص والإمكانات والاحترام المتبادل دون أن يفرض طرف تصوره على الآخر وإقرار نماذج تعاون جاهزة، كما فعلت أوربا، للأسف، في السابق.

لقد حان الوقت لوضع كل ما حدث على الطاولة والعمل على حل كل النقط العالقة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الأوربية الإفريقية. وإذا لا حظنا كيف يتشكل العالم، حاليا، سنجد أنه يشبه إلى حد كبير حبات البرتقالة، ففي الشرق نجد الصين والبلدان الواقعة جنوبها، وفي القارة الأمريكية هناك كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وتمثل أوربا وإفريقيا الحبة الوسطى للبرتقالة، ويشكل المغرب وإسبانيا حلقتي الوصل بين القارتين. لذا، فإن دور هذين البلدين ضروري لأن نقطة الارتكاز ستنتقل من شمال ووسط أوربا إلى المنطقة بين إسبانيا والمغرب، بالنظر إلى أن إفريقيا ستشكل أو أصبحت تشكل منذ الآن قارة المستقبل، سواء من ناحية السكان أو الديناميكية الاجتماعية، التي تعرفها البلدان الإفريقية أو من جانب الإمكانات الاقتصادية والتنمية المالية، وكل هذه التحولات ستتطلب إجراءات ومبادرات جديدة، ويمكن لأوربا أن تنقل خبرتها وتجربتها وتكنولوجيتها ورغبتها في إقامة علاقات جديدة إلى القارة الإفريقية، بالمقابل يمكن لإفريقيا أن تقدم كل ما ينقص في أوربا.

< ما هي المسؤولية التي تقع على المغرب وإسبانيا في تدعيم هذا التوجه، باعتبارهما حلقة الوصل بين إفريقيا وأوربا،كما ذكرتم ؟

< هناك وعي تام بهذه المسؤولية، تعكسها تحركات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي استوعب الدور الذي يضطلع به المغرب في هذا الجانب، فبادر إلى اعتماد دبلوماسية فاعلة تروم نسج علاقات شراكة ملتزمة تجاه البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، ما يعكس النظرة الإستراتيجية للمملكة المغربية. وقد أصبح المغرب رقما أساسيا في المعادلة الأوربية الإفريقية، إذ يمكن أن يلعب دورا حيويا في تسريع وتيرة الاندماج بين بلدان القارة الإفريقية، من خلال تدعيم الشراكة جنوب –جنوب، كما يمكنه أن يشكل حلقة وصل بين إفريقيا وأوربا.

وتسلك إسبانيا التوجه ذاته، إذ خلال حكومة ثباطيرو، أصدرنا مخططين خاصين بإفريقيا أعددتهما مع فريقي حينها، ويتعلق الأمر بمخططي إفريقيا الأول والثاني، ويتعين، حاليا، إعداد مخطط ثالث بمسؤولية مشتركة مع المغرب. وسيشكل لقاء بين مسؤولي البلدين في المستقبل فرصة من أجل  البحث عن سبل العمل المشترك للتقريب بين القارتين وإعداد خارطة الطريق ومخطط عمل مشترك من أجل تدعيم التعاون والشراكة بين القارتين.

حل نهائي لملف الصحراء

< بالرجوع إلى المشاكل التي تعيق الوحدة الإفريقية، يعتبر ملف الصحراء، كما أشرتم، أحد المعيقات، هل، في نظركم، سيكون هناك مخرج لهذا النزاع الذي عمر عقودا؟

< أظل متفائلا بشأن هذا الملف، لأنني أعرف جيدا الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، وهو شخص يتوفر على خبرة وتجربة سياسيتين وقدرة كبيرة على التفاوض وإدارة الحوار وإيجاد التوافقات، وأظن أن التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة تتطلب إيجاد حل نهائي لهذه الأزمة. ورغم استمرار الصعوبات، فإن الأمين العام الجديد سيتمكن بحنكته وحكمته من معالجة الملف بمقاربة جديدة لإيجاد حل نهائي لهذا الملف.

روح جديدة تنطلق من إفريقيا

< باعتباركم دبلوماسيا سابقا وخبيرا في العلاقات الدولية، ما هي العراقيل التي تعيق مسلسل الاندماج داخل القارة الإفريقية؟

<  هناك نزاعات قديمة ما تزال قائمة، لكن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم ستمكن من تجاوزها، كما أن قضية الصحراء تعيق الاندماج بين البلدان المغاربية، الذي يتعين أن يتم. كما أن هناك خلافات بين بلدان إفريقيا الغربية والشرقية، ويوجد تباعد بين المستعمرات السابقة الناطقة بالإنجليزية والفرنسية. ويعترض تفعيل الاتحاد الإفريقي عدد من الصعوبات ، إضافة إلى حقيقة التحديات الكبرى التي تواجه القارة المتمثلة في المجاعة والفقر والخصاص في مجال التعليم والعديد من القضايا المرتبطة بالاستدامة.

لذا يتعين أن تكون إفريقيا محورا أساسيا في أجندة الأمم المتحدة، التي يجب أن تعتمد مجموعة من الإجراءات والمبادرات لفائدة القارة الإفريقية، علما أن أنطونيو غوتيريس، الأمين العام الجديد للأمم المتحدة تعهد بجعل إفريقيا ضمن أولويات الأمم المتحدة.

< ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المشروع الكبير لأنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا للتقريب بين القارتين الأوربية والإفريقية؟

<  إنه مشروع مهيكل في بعده الطاقي، إذ ستستفيد منه العديد من البلدان التي سيمر عبرها، ويمثل خبرا سارا، أيضا، وأتذكر، في هذا الصدد، عندما كنت أشغل منصب مدير شؤون الشرق الأوسط وإفريقيا بالخارجية الإسبانية، النقاشات التي أثارها مشروع أنبوب الغاز بين الجزائر وإسبانيا مرورا بالمغرب، وكانت النقاشات تتمحور حول مدى مردودية المشروع، وأكدت، حينها، في مذكرة حول الموضوع، أن المشروع سيكون مهيكلا، لأنه سيخلق التعاضد بين البلدان التي يمر منها انطلاقا من الجزائر ومرورا بالمغرب وإسبانيا وبعد ذلك البرتغال وأوربا.

ويعتبر المشروع الحالي أكثر أهمية لأنه يدخل في إطار تنويع الموارد الطاقية لأوربا بأكملها، إذ سيكون هناك عدد من نقط الربط بمصادر الطاقة، كما أنه سيساهم في تدعيم وتقوية الروابط بين القارة الإفريقية والبحر المتوسط وأوربا، علما أننا اشتغلنا كثيرا على منح المنطقة روحا توحد بين إفريقيا والمتوسط وأوربا، فقد كنا نتحدث حتى الآن وفق مقاربة عمودية من أوربا مرورا بالمنطقة المتوسطية ووصولا إلى إفريقيا، وسيساهم مشروع مد أنبوب الغاز من نيجيريا مرورا بالمغرب ووصولا إلى أوربا في قلب هذه المعادلة ومنح روح جديدة تنطلق من إفريقيا لتشمل المتوسط وأوربا.

تكامل بين المنتوجات الفلاحية للبلدين

< هناك، أيضا، خلافات تنشب بين إسبانيا والمغرب بشأن بعض الصادرات المغربية؟

< لقد تم تجاوز هذه القضايا، وأنا فخور أنني عملت جاهدا من أجل أن تكون العلاقة بين البلدين متميزة وبناءة. لقد قدمت إلى المغرب لأول مرة في 1984، أي 32 سنة قبل الآن، عندما عينت دبلوماسيا شابا بالرباط، وبعد ذلك أصبحت نائب مدير، ثم مديرا لإفريقيا والشرق الأوسط، قبل أن أشغل مهمة وزير الخارجية، فقد مررت من مختلف المراحل، وعملت خلالها على تذليل كل العقبات التي تعترض العلاقات المغربية الإسبانية، إذ أن مشكل الصيد كان، حينها، مثار خلافات بين البلدين، وحاولت أن أعمل على نزع فتيل هذا المشكل من العلاقات المغربية الإسبانية، علما أن الكاتب الصحافي والسياسي العربي المساري كان يقول دائما يجب تجاوز مشكل السردين والأسماك في العلاقات بين البلدين ( ” Déssardiniser ” les relations entre le Maroc et l’Espagne).

وبالرجوع إلى سؤالكم حول الصادرات المغربية، خاصة الخضر والفواكه، فإنه مما لاشك فيه أن الأمر يتعلق بملف يكتسي أهمية، لكن تمكنا من تجاوزه. وأظن أنه في إطار العلاقات الجديدة بين الشمال والجنوب هناك مكان للجميع، يجب، فقط، التوفر على الآلية للتفاوض جيدا من أجل إيجاد المعادلة الأمثل التي تضمن التوازن بين مختلف الأطراف.

وأصبح أداء الفلاحة المغربية جيدا، بفضل المخطط الأخضر، الذي يمثل نجاحا، ويعود ذلك إلى المجهودات التي بذلها وزير الفلاحة المغربي الحالي، الذي تمكن من خلال لقاءاته مع نظيره الإسباني، خاصة على هامش أشغال المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، من تذليل العقبات، ما يفتح الباب أمام تكثيف التعاون بين البلدين في هذا المجال. وفي الحقيقة يجب أن يستمر التنسيق بين المغرب وإسبانيا، إذ كلما كان هناك حوار وآلية دائمة للتفاوض يمكننا أن ندافع عن منتوجاتنا المتشابهة، فهناك سوق كبير يسع الجميع، فالمستهلك للبرتقال يهمه المنتوج فقط بغض النظر عن بلد المنشأ. لذا يتعين العمل بتنسيق بين الفاعلين في البلدين في ما يتعلق بالإنتاج والتصدير، من أجل إيجاد المعادلة التي تضمن التوازن في الأسواق، وضمان تكامل بين المنتوجات الفلاحية المغربية والإسبانية.

مساعدة أمنية

< كيف تقيمون التعاون الأمني بين البلدين؟

< يعتبر دور المغرب محوريا في ما يتعلق بالتحديات الأمنية التي تواجهنا حاليا، وكانت مساهمة المغرب كبيرة في الكشف عن الإرهابيين الذين كانوا وراء التفجيرات التي كانت إسبانيا مسرحا لها في 11 مارس 2004. لقد ساعدنا المغرب كثيرا، إذ بفضل تعاون ومساهمة الأجهزة الأمنية المغربية تمكنت إسبانيا من إنشاء الآليات الضرورية من أجل مواجهة التهديدات الإرهابية. وتعمل إسبانيا و المغرب معا، في تنسيق تام، من أجل الرصد والتصدي لكل المحاولات الإرهابية، وهناك توافق تام بين الطرفين في هذا المجال ويسير التعاون المغربي الإسباني بشكل جيد. لقد تمكنت الأجهزة المغربية من تطوير آليات ومقاربات ذكية تجعلها تتفوق على التنظيمات الإرهابية وأصبح المغرب نموذجا تقتدي به ليس إسبانيا فحسب، بل عدد من البلدان الأخرى.

في سطور

– من مواليد 8 يونيو 1951 بمدريد

–  التحق بوزارة الشؤون الخارجية الإسبانية منذ 1974

– عين مديرا لقسم أوربا الشرقية في 1979

– التحق بالمغرب خلال 1984 ليشغل منصب مستشار سفير إسبانيا بالمغرب

– وعين مبعوثا خاصا للاتحاد الأوربي خلال 1996 بالشرق الأوسط

– عين في 14 مارس 2004 وزيرا للشؤون الخارجية

– وأعيد تعيينه في المنصب ذاته في 14 أبريل 2008 في حكومة ثباطيرو الثانية قبل أن يخلفه ترينداد خيمينيس في 20 أكتوبر 2010

– يتحدث، إضافة إلى الإسبانية، الفرنسية والإنجليزية والروسية واللغة الصربية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق