fbpx
مقالات الرأي

“سير … سير … سير”

تقبلوا مروري فالفرح جلل. بعد إسدال ستار مشاركة المنتخب الوطني المغربي في منافسات كأس العالم في قطر 2022، وبعد كل المد والجزر العاطفي الذي عشناه مع منتخبنا، وبعد استقرار الأدرينالين ورجوع ضغط الدم إلى مستواه الطبيعي، أملى علي الضمير المشبع بالوطنية وروح المغرب، كتابة بعض السطور، في تباين تام لمشاعري. لا أدري! هل أعتبرها مواساة لنفسي لعدم التمكن من المرور للمباراة النهائية؟ أم هي تكريم للمنتخب العزة، ل”ولاد العيالات المغربيات الولاَّدات”. 

“سير … سير…  سير…”، أصبحت تراثا شفهيا مغربيا لا ماديا، لا نطالب منظمة “يونسكو” بإدراجه في خارطة اعترافاتها، بقدر ما نطالب ونود ونرغب أن تصبح “ميثودولوجيا” عيش شعب بأكمله. الحكاية بدأت من لقاء صحافي ل”مرضي الوالدين”، أو “راس لاڤوكا”، وهو لا زال مدربا لفريق الفتح الرباطي، أخونا وليد، صرح أمام حشد صحفي أنه “ملي كيلعب فكازا وكيسمع غير ديك سير سير سير، كتهيج المشاعر ديالو وكتخليه باغي يلبس السباط ويدخل يلعب”…  من لقاء صحافي روتيني على هامش مباراة البطولة الوطنية إلى ردهات ملاعب الثمامة والبيت والمدينة التعليمية و”ستاد خليفة” الدولي بقطر، أصبحت العبارة على أفواه “العادي والبادي”، تغنى بالمدرجات وعقب كل فوز، وتسمع كذلك بالقنوات التلفزيونية العالمية، بل تعدتها إلى أن أصبحت إستراتيجية “ماركوتينغ” للعديد من المؤسسات.

“سير… سير… سير…”، احتضنت المتمرد زياش والوديع حكيمي والحكيم بونو وكل من له صلة من قريب أو بعيد بمحيط المنتخب الوطني. أما “منبت الأحرار… مشرق الأنوار”، فتلك حكاية أخرى وهي تصدح بجنبات ملاعب قطر وتزعزع ما ثبت في الأرض وما حلق في السماء. هي أصوات كهزيم الرعد خلتها آتية من مرتفعات تيشكا أو مداشر أكلموس خنيفرة وأوسلوان الناظور ومعبر الكركرات.  كم كنا كذلك فخورين ونافخين لريشنا كمغاربة عندما تعزف الأغنية الرسمية ل”المونديال”، وهي من إبداع ابن هذا البلد “دو وان أند أونلي” ريدوان، سليل بيت الخياط.

كنت ممن حالفهم الحظ لحضور مباريات المنتخب بقطر. وكنت كذلك ممن حجز تذكرة العودة ليوم الثاني من دجنبر وفي مخيلتي أننا سنلعب  ثلاث مباريات وسنظهر بوجه مشرف وسنربح منتخبا للمستقبل. العذر كل العذر للركراكي الذي أخد بزمام الأمور شهرين فقط قبل الكأس وزرع فينا حبة خردل من الأمل بثلاثة مباريات إعدادية في ظرف وجيز ضد الشيلي والباراغواي وجورجيا. مقابلات لم نر فيها فقط نضجا تكتيكيا، بل لحمة وروح فريق جعلتنا ونحن في طريقنا إلى الملعب قبل كل مقابلة، نطمع ونأمل المرور إلى الدور الثاني، خصوصا بعد النتيجة المفرحة ضد أصدقاء المهندس البلقاني مودريتش في أول مقابلة، بعدها لعبنا ضد بلجيكا ثم كندا لنجد  أنفسنا في الشوارع، فرحين، مهللين ومطبلين، نرفع الراية في كل أرجاء العالم وفي كل بقاع المعمور، فرحين جنبا الى جنب مع ملكنا في شوارع الرباط جنب مقهى باليما ومحطة القطار، في درب السلطان، في كليز، في الدشيرة، في عين خباز، في لافيل هوط، في عين قادوس، في مالاباطا، في لازاري، وفي حي الوفاق بعيون الصحراء المغربية، بل حتى بستالينغراد ومولنبيك معقل مغاربة بروكسيل، وبمونط لاجولي، بضاحية باريس، ولاڤال ومونريال وتايم سكوير ومانهاتن بقلب نيويورك، ويا ليل يا عين على فرحة سوق واقف بالدوحة، منتشين بمركز أول في المجموعة، رتبة أعطتنا الحق في نزال سطاد المدينة التعليمية ضد “الهيرمانوس” إسبانيا البارصا ومدريد، في دور الثمن. توكلنا على الله و”درنا النية”، وربحنا، ليس  النتيجة فقط، بل ربحنا “وليدات” أذهلوا العالم. فكما كان آخر عنقود سلالة المَرَابِطة سفيان أمرابط محط إعجاب خبراء الكرة، كيف لا وقد أبطل مفعول فطاحلة “الشامبيونز ليغ” من هزارٍ ودبروينٍ وكوڤاسيتش وگاڤي، بيدري وطوريس على سبيل المثال لا الحصر، فقد أذهل أوناحي لويس إنريكي “الخاتر” و”الشبعان كورة”. لن أسميه بوسكيتس المغرب ولا مودريتش العرب ولا حتى كاكا إفريقيا، بل هو عزالدين “ولد الزيرو كاط” ونفتخر.

لن أحدثكم عن بونو… واااااا بونو … إبن “رونبوان” مرس السلطان الذي “حلقم” بتعبير الكرة، أحفاد فرانكو وجعلهم كعصف مأكول وسرع استعداداتهم للرجوع إلى منافسات لاليغا”. هذه المرة، “طيارتنا ما دارتش أمارش”، بل طال مقام الطائرة الملكية بمطار الأمير حمد الدولي، دور الربع كان “بريكول” لأصدقاء ابن فاس، الهيليكوبتر يوسف النصيري الذي حلق فوق “صلعة” بيبي العنيد وأمام عظيم “المان يونايتد”، برونو فرنانديز، الذي سيحكي الواقعة بدون شك في مذكرات لاعب كرة قدم، أما أنت يا دون كريستيانو، فعذرا لم يشفع لك حبك لمراكش، فاسم المغرب منقوش في القلب والفؤاد، ليكون نصف النهائي من نصيبنا أمام منتخب فرنسي خسرنا رهان مباراة أمامه ولن أخوض في تفاصيل انتصارهم غير البريء، وأتذكر مقولة الأخ الأكبر نورالدين أمرابط “ڤار إيز بولشيت”. لقد كسبنا رهانا أكبر من مقابلة في كرة القدم، لقد كسبنا رهان مزاج شعب بأكمله. في ظرف أقل من شهر، استظهر الأطفال النشيد الوطني عن ظهر قلب، وتعلقت أكباد أمهاتنا بأفئدة زياش المحارب والجنتلمان الكابيتانو غانم سايس ومثقف شارع “لبوا لور ” poid lourd القنيطري نايف أكرد، وإبن أحياء كاوكي وعزيب الدرعي عطية الله.لا عليك يا بنون فالحي الحسني أهدانا إياك يا قلب الاسد، أما أنت يا جواد يا ياميق، لن يطال مقامك يا إبن شرقاوة  ببلد الوليد، فمصيرك محتوم بفريق من الدرجة الأرقى… كنتم خير من مثلنا ونباهي بكم الأمم. ستة وعشرون أسدا والعهدة بمن حضر. 

من محاسن الصدف أن من الله علينا بأمطار الخير. وعلى رأي السلف الصالح، “ملي كيجي الخير كيجي فمرة”… السلف الصالح الذي زرع في قلوبنا مبادىء النية و البركة وأحياها في عقولنا وليد.

شكرا لكم يا أبطال، شكرا الرئيس لقجع، شكرا للطاقم… للإداريين…  شكرا غريب أمزين… شكرا بنمحمود … شكرا نزهة، القائمة على كل صغيرة وكبيرة في “لوجيستيك” المنتخب… شكرا موسى الحبشي، العين التحليلية التي لا تنام، شكرا عمر حراك، مدرب الحراس، شكرا خوان صولا المعد البدني، شكرا نبيل العياشي…. أراك من هنا. لقد أتى “الشوفان” أكله…  شكرا دكتور الهيفتي… شكرا شكرا شكرا… لن يكفيني الشكر للاعب رقم 12 المساند و الداعم. تعبت الأفواه ولم تتعب حناجركم من “سير سير سير “…

بكل تناقضاتنا وبكل عيوبنا كنا ألفة في تلك الدوحة المباركة. ومثلما نقول بالدارجة “حتى مغربي ما بقى بلاش”. أحياء مشيرب و سوق واقف و لوسيل واللؤلؤة و سيتي سانتر و كاتارا شاهدة على سخاء المغاربة، والله لا زالت ذاكرتي تشهد كيف تآزرنا “اللي عندو كيعطي لي ما عندوش واللي بصحة مزيانة كيعاون الكهل والشيخ والطفل، بين كل مباراتين لم يكن الحديث سوى عن مدى وفرة التذاكر، ولكن قبل كل مقابلة، “ما كانش شي مغربي كيبقى بلاش”. في المدرجات، شاهدنا  الدموع تنهمر فوق الخدود وما أحلاها دموع النشوة، ولن نتزايد على من أكثر وطنية من الآخر. كلنا مغاربة وكلنا بنات وأبناء هذه الأرض التي اسمها المغرب، والتي نعشقها إلى درجة الثمالة. كم أتذكر “أوديوهات” منبع الحنان وهي تسألني عن حال اللاعبين وكأني ألازمهم الفندق، “واش بصح أوليدي المزراوي ما غيلعبش غدا!”… كم أتذكر مكالمات “الفيديو” من كل أفراد العائلة يشجعونني، أنا ممثل العائلة بقطر، وكأني أنا من سينزل الملعب. مع الأسف كانت بطني مثقلة ب”الكبسة” و شاي “الكرك”… كم أتذكر مكالمات الخالة من عمق مدينة تطوان وهي تقول “شوف أوليدي ما دير والو بقى غير كتشجع الله ينصرهم الله يعاونهم”. رأينا عائلات اللاعبين وأمهاتهم وآبائهم معلقة أديهم الى رب السماء. رأينا البنت تواسي أباها المثقل بخيبة الأمل بعد الإقصاء… شاهدنا الدبلوماسية المغربية والأعضاء الرسميين يساندون في تلقائية تامة غير آبهين بالرسميات، إسألوا بوريطة وياسين المنصوري وعمر هلال والحموشي، فلهم ما يقال في هذا الشأن. هل رأيتم المساندة من غزة وتل أبيب وحيفا والقاهرة ووهران ودبي والمنامة والرياض وتونس وطرابلس ودكار وأبيدجان وليبروفيل ؟ هل رأيتم صاحبة “آه و نص” عجرم البيروتية وهي تشيد بالمنتخب المغربي؟! وإلون ماسك أب “التيسلا” و”تويتر”، وهو يغرد للمغرب؟ اسألوا العم “غوغل” عن تصريح ميسي وإشادته بالمنتخب المغربي. “ويلا هضر ليونيل خاص كلشي يسكت”. اسألوا حمودة التيمومي عن أول بلد عربي إفريقي يتأهل لدور الثمن في منافسات كأس العالم. بدوري سأطلب من فلذات كبدي أن يسألوا منير المحمدي عن البلد العربي والإفريقي الذي تأهل لأول مرة لدور النصف بمنافسات المونديال، أنا بدوري سأخبرهم عن رضى الوالدين وعن رقصة النصر لأم الرسام بوفال وعن دعوات أب يوسف النصيري وعن بركة الأبوين الصابيري وعن دعوات أم الركراكي من بين الجماهير، وعن الحاج التاكناوتي الأب وهو يلبي نداء الوطن من المدرجات ويرفع أكف الضراعة أن يثبت ياسين أمام ركلات الجزاء الإسبانية واستجاب له رب الأرض والسماء من فوق سابع سماء. 

يحق لنا أن نفتخر ب”ولاد لبلاد” “الجمهور الواعر”. ويحق لنا أن نصرخ بصوت عال نحن المغاربة كان لنا فضل كبير في إنجاح مونديال قطر.  أما الآن، وقد استقر مصيرنا في المركز الرابع، مركز لم يكن أكبر المتفائلين يمني النفس به قبل بداية منافسات كأس العالم، وبغض النظر عن النتيجة، نعتبر أنفسنا أكبر فائز في دورة قطر.

بكل لغات العالم ارفعوا رؤوسكم “يا لولاد”. لقد خرجتم من المنافسة برأس مرفوعة فوق قمة القمم وكلكم سواسية في عشقنا لكم .

“ديرو النية”… وسنلتقي ب”الكوت ديفوار” في 2024 إن  شاء الله. فمازال في جعبتنا تيسودالي وأمين حارث والرحيمي و شاعر إسمه إلياس وزلزولي وما هو إلا غيض من فيض… 

أذيل مقالي ب”اللي ما بوجا ماشي مغربي”. 

 

رضا البرادي* 

منتج ومدير أعمال مجموعة من الفنانين المغاربة*

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى