fbpx
تحقيق

البيضـاء…تاريـخ صناعـي فـي المـزاد

مفارقة … العاصمة الاقتصادية تصر على إعدام أقدم منشآتها الصناعية وتريد الدخول إلى نادي التراث العالمي

في الوقت الذي تمكنت فيه العاصمة الإدارية الرباط من الحفاظ على مواقعها التاريخية واستثمار ذلك لتصبح على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) للتراث العالمي، تقف البيضاء عاجزة وسط إعصار الجرافات، وهي تسوي مداخنها القديمة مع الأرض.

 

تحاول البيضاء أن تجد لها مكانا في لائحة المدن المصنفة تراثا عالميا، لكنها لم تتمكن من الحفاظ على أهم ركائز ملف ترشحها، معالم النشاط الصناعي الذي كان سببا في منحها لقب مدينة العمال وفي توسعها من السنوات الأولى من القرن الماضي.
«روش نوار» و»بيلفيدير» و»لا فيليت» أحياء ارتبطت بأسماء أشهر المنتوجات الصناعية البيضاوية، أيام كانت الواردات من الصين لا تتعدى صناديق الشاي وأواني الطاووس «الحر»، لكنها دخلت اليوم مزاد المضاربات العقارية، وتتحول بالتدريج من مواقع صناعية إلى تجمعات للعمارات السكنية الجديدة.

«ماركات» بيضاوية في المزاد

في حي «لافيليت» على سبيل المثال، حيث تمكنت بناية المجازر القديمة من الصمود، تتجلى عملية التحول التي تعيشها العاصمة الاقتصادية بين ماضي المشاتل الصناعية المتعددة وحاضر الإقامات، التي بدأت تتصاعد تباعا وسط مستودعات تركها أصحابها إلى الضواحي، حيث الأراضي المنخفضة الثمن، في انتظار بيع المقرات القديمة التي تضاعف ثمنها ليصل إلى أرقام لم تكن في حسبان أربابها، وبذلك تنتهي حياة ماركات  حملت لعقود عديدة صنع في البيضاء.
ويتذكر العربي الذي يعمل حارسا بإحدى العمارات الجديدة كيف كانت أزقة «لافيلات» قبل ثلاثة عقود تعج بالعمال في أوقات الخروج والدخول، وكيف أن «هذه المستودعات الفارغة إلا من بعض العاملين السابقين فيها الذين تحولوا بطلب من أرباب العمل أو المالكين السابقين إلى حراس، شكلت قبلة الآلاف من العمال الذين يحجون إليها كل فجر ولا يودعونها حلول الليل».
«لم يكن الحي بهذا الهدوء»، يقول العربي بحسرة عما حل بالشركة التي قضى بها أغلب سنوات عمره، قبل أن يقرر ورثة مالكها وقف أعمالهم في صناعة البلاستيك والهجرة إلى كندا ، متذكرا «أصوات الآلات التي كانت تعطي للمكان نكهة خاصة.
سقط الرجل في حب المكان، وقرر أن يقضي فيه ما تبقى من سنوات عمره، «لا يهم ما أتقاضاه كحارس لهذه العمارة»، يقول العربي في إشارة إلى أن لديه معاش تقاعد، مشددا على أنه يجد سعادة بالغة وهو يزور بين الحين والآخر موقع عمله السابق.
لكن المشكل المطروح في «لا فيليت» وغيره من المناطق البيضاوية الخارجة من زمن الصناعة والتجارة أن سكان الإقامات الجديدة عادة ما يجدون أنفسهم يستقرون في أزقة داخلية فارغة، محاصرين ببنايات ضخمة شبه مهجورة، في انتظار أن تطلق المضاربات العقارية رصاصات الرحمة في جسد تلك المعالم، التي تختزل تاريخ العاصمة الاقتصادية وتعكس أهم جزء من ذاكرتها الجماعية.
ورغم أهمية البصمات التي يمكن أن ترسمها الذاكرة الصناعية للبيضاء في سجل تراثها، إلا أنه ومن بين 51 بناية مسجلة تراثا بيضاويا مشتركا، لا يوجد إلا مقر شركة التبغ  في لائحة تضم إعدادية القسطلاني، مدرسة الأزهر، ثانوية محمد الخامس، ثانوية الخوارزمي، المجازر البلدية، مستشفى 20 غشت، حديقة مردوخ، مقر عمالة المشور، بريد الحبوس، حي بوسبير، ثانوية خناثة بنت بكار، عمارة نيبتون، عمارة لابرانسيير، فندق ماجستيك، الصيدلية المركزية، عمارة بيو، كولمار، ثانوية ابن تومرت، عمارة « لي استوديو”، عمارة شيل، عمارة بن دحان، عمارة سوني، عمارة ماري، الكلاوي، ماروك سوار، اساياك، فوليبيليوس، فندق اكسلسيور، كومنوار ميتالجيك، الدائرة العسكرية، كنيسة ساكري كور، الخزينة الجهوية للبريد، مقر ولاية الدارالبيضاء، مقر بنك المغرب، السوق المركزي، مقر البنك التجاري المغربي، فيلا سويسا، بونيسي، بناية بيسونو، فندق لينكولن، قصر المعارض، فيلا فيوليتا، فيلا لاتورييل.
وتطالب جمعية ذاكرة البيضاء (كازا ميموار)، بتصنيف 200 بناية أخرى، على اعتبار أن البيضاء تضم أكثر من 700 معلمة تاريخية غير مصنفة ومن بينها العديد من المواقع الصناعية.

شبح “لافارج” يحلق في سماء “روش نوار”

يبدو أن مآل مصنع الإسمنت «لافارج» سيكون هو مصير كل معامل ومنشآت روش نوار التاريخية، وكما أعدم المصنع صاحب الممر الشهير المعروف، سابقا، لدى البيضاويين بـ «الشابو»، تتجه المنطقة نحو تصفية بناياتها الصناعية القديمة، وحدها بناية المحطة الحرارية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء مازالت تجرؤ على إبقاء مداخنها صامدة في وجه أمواج العمارات السكنية، رغم أن العمل توقف بها منذ سنوات، لكن ملكيتها من قبل شركة عمومية جعلتها تتأخر في دخول دورة المضاربة العقارية.
ويحكي عبد الله كيف كانت هذه المحطة، التي شيدتها سلطات الحماية في ثلاثينات القرن الماضي، مفخرة سكان المنطقة. كيف لا ؟ وقد كانت المزود الوحيد للبيضاء بالكهرباء قبل أن يتقرر إغلاقها قبل سنوات. ويتذكر هذا المستخدم المتقاعد من المكتب الوطني للكهرباء، سنوات السبعينات والثمانينات عندما كان يِؤمن نقل العاملين فيها من كل أنحاء المدينة» كانت تضم خيرة أطر الشركة وكلهم الآن في التقاعد» يقول عبد الله موضحا أنه يتألم كثيرا لرؤية البناية خالية موصدة الأبواب».
كل الذين عملوا في معامل المنطقة يستشهدون على تنكر الحي لهويته الأصيلة بحالة معمل «لا فارج» لنصاعة الإسمنت، الذي تقرر هدمه نهاية الثمانينات، وذلك رغم أن الموقع يعتبر تجسيدا لتاريخ الشركة المغربية للإسمنت الصناعي، إذ تدرج أنتاجه، منذ سنة 1928 وعلى امتداد ستين عاما، من فرن واحد سنة 1930 إلى أربعة أفران 1955، قبل أن يتقرر وقف العمل فيه سنة 1986.

“كوزمار” و”سوسيكا”… عمال بلا معامل

ويصطدم  الطامحون إلى المحافظة على هذا الموروث البيضاوي بواقع غياب الرصد الشامل لهذه «المواقع الأثرية» التي تنتشر في وسط المدينة، على اعتبار أن الأنشطة الصناعية كانت سبب امتداد البيضاء خارج أسوار المدينة القديمة (الملاح)، وذلك بعد قيام السلطات الاستعمارية ببناء مينائها، الذي انتشرت حوله المصانع والورشات الأولى، وبعد ذلك جاءت مرحلة الانفجار الديموغرافي مع تزايد جاذبية المدينة، وتزايد الوافدين عليها من كل أنحاْء البلاد.
ويبدو أن المجهود المبذول منذ الحماية من أجل تنظيم الخارطة الصناعية للعاصمة الاقتصادية بخلق مناطق وأحياء صناعية، لم تمنع المساحات المحاذية للميناء  من أن تشكل فضاء مناسبا لتفريخ المصانع، خاصة في الشمال الغربي للمدينة، كما هو الشأن بالنسبة إلى أحياء سيدي البرنوصي، وروش نوار وعين السبع.
لم يقتصر الأمر على المصانع بل ظهرت أحياء سكنية خاصة بعمال الشركات الكبرى، ويبقى المثال أبرز مساكن عمال شركتي «لافارج» و»كوزيمار» التي يعود تاريخ بنائها إلى ثلاثينات القرن الماضي، بالإضافة إلى مساكن العاملين في «لوسيور» و«سوسيكا» بالحي المحمدي.
لكن ومع مطلع الثمانيات دخلت أغلب الشركات البيضاوية في عملية إعادة توزيع أنشطتها الصناعية، وذلك بنقل مصانعها ومقراتها إلى الضواحي، إذ رحلت «لافارج» إلى بوسكورة وكوكا كولا إلى سيدي معروف (أولاد حدو).
وإذا كانت بعض الشركات استمرت في استعمال مقراتها ومنشآتها القديمة في ارتباط مع نشاطها الصناعي، كمستودعات للعرض أو التخزين، فإن أغلبها بقيت مهجورة، مع أن أصحابها مازالوا يحتفظون بملكيتها علهم يخرجون في مستنقع المضاربة العقارية بأكبر ثمن لبيعها. وتكشف الدراسات القليلة المنجزة في هذا الموضوع أن هناك 1500 هكتار من المساحات الصناعية داخل المناطق السكنية الحضرية، موزعة بين المعاريف، وبوسيجور، ولاجيروند، ولافيليت، وروش نوار، وأن كل هكتار من المشآت القديمة، تم تعويضه من قبل الشركات المغادرة إلى الضواحي بثمانية هكتارات.

البيضاء على قائمة “اليونسكو” للتراث العالمي

يتميز التراث الثقافي والتاريخي للدار البيضاء بغناه وتنوعه الكبير، فهو موقع استقرار بشري قديم جدا، عرف إعادة تشييد المدينة العتيقة في القرن الثامن، قبل أن تتجدد المدينة كليا في أقل من مائة سنة.  
كما تزخر البيضاء بتراث معماري استثنائي، يتمثل من خلال مختلف الأنماط الهندسية التي تصنع شهرته لدى الخبراء الوطنيين والدوليين.
وفي نونبر من السنة الماضية، وبعد أن تقدمت البعثة الدائمة للمغرب باليونسكو بطلب إلى المنظمة، سجل مركز التراث العالمي لليونسكو مدينة الدار البيضاء ضمن القائمة المؤقتة للتراث العالمي.
وكان تسجيل المدينة على قائمة المدن المرشحة لتصبح تراثا عالميا تتويجا لمجهودات الترويج لتراثها المعماري والحضري، وإقرارا للبيضاء تراثا ثقافيا ذا قيمة كونية خاصة، قابل لأن يسجل ضمن قائمة التراث العالمي، واعترافا منها بمجهودات جمعية «ذاكرة البيضاء»، التي تعمل في مجال حفظ تراث القرن العشرين، وقعت وزارة الثقافة معها اتفاق شراكة منذ عدة سنوات.
وفي منتصف فبراير الماضي أنشئت لجنة للتتبع والمرافقة من أجل الدعم المؤسساتي لهذا المشروع، مكونة من ممثلين لولاية الدار البيضاء الكبرى، ووزارة الثقافة، ووزارة السكنى وسياسة المدينة، ووزارة التعمير وإعداد التراب الوطني، والوكالة الحضرية للدار البيضاء، والمجتمع المدني.
من جهتها، تعتبر وزارة الثقافة أن مشروع تسجيل الدار البيضاء ضمن قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي يشكل اعترافا لما تتميز به هذه المدينة من تراث ثقافي ومعماري استثنائي، إذ وأوضحت بمناسبة التوقيع على اتفاقية مشتركة للتعاون بين الوزارة وجمعية «ذاكرة البيضاء» لتقديم مشروع تسجيل مدينة الدار البيضاء ضمن لائحة التراث العالمي، أن المدينة شكلت، في بداية القرن العشرين، مختبرا للتصميمات المعمارية ذات التأثيرات الأروبية والأمريكية والمغربية، مبرزة ضرورة تظافر جهود كافة المعنيين من أجل دعم تسجيل هذه المدينة ضمن قائمة التراث العالمي.

إعداد: ياسين قطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى