fbpx
حوار

التغطية الصحية في غرفة الإنعاش

لطفي: معايير متجاوزة أفشلت نظام “راميد” وغياب تصور حكومي فعال لتنفيذ “التغطية الصحية الأساسية”

عرف تعميم تطبيق نظام “راميد” اختلالات ونقائص متنوعة، منها صعوبة الحصول على وثائق بسبب تعقيدات المساطر الادارية لإعداد ملف الاستفادة من خدمات النظام، إضافة إلى أن شروط الاستفادة تعتمد معايير غير موضوعية ومخجلة، كالتوفر على بقرة أو تلفاز أو ثلاجة، وهي معايير تتعارض مع المفهوم العلمي والإنساني للصحة،  فضلا عن صعوبة نظام المسالك الذي ابتدعته وزارة الصحة لخلق عراقيل جديدة أمام المواطنين للولوج الى  المستشفيات، وهو ما يؤدي إلى تضييع الوقت والمال، في التنقل بين

المراكز الصحية والمستشفيات المحلية والجهوية والمراكز الاستشفائية الجامعية، وفي الأخير عند ولوجه المستشفى على المريض أداء ما يقارب 70 في المائة من تكلفة العلاج والدواء.
في الحوار التالي نسلط الضوء أكثر على أهم النقائص والمشاكل التي تعيق تطبيق هذا النظام… في ما يلي نص الحوار:

 

تعذر على العديد من المواطنين الحصول على بطاقة راميد رغم أنهم قدموا الوثائق اللازمة للسلطة المختصة، ما سبب ذلك برأيكم؟
 انطلقت عملية تعميم نظام المساعدة الطبية “راميد” الذي تستفيد منه نحو 8.5 ملايين نسمة من الفئات الاجتماعية المعوزة سنة 2012، وقيل آنذاك إن الحكومة رصدت  للنظام اعتمادات مالية قدرت قيمتها بثلاثة ملايين درهم، ثم ضاعفتها سنة 2013، والكل يعرف أن المستشفيات والمراكز الاستشفائية لم تتوصل ولو بسنتيم واحد مما ذكر، بل حتى الغلاف المالي المخصص لشراء الأدوية لسنة 2012 تم تحويله إلى جهات ومشاريع أخرى، غير الدواء، وحرم  البسطاء من مرضانا  من الاستفادة منه. كما قيل إن الفقراء والفئة الهشة ستستفيد مجانا من الخدمات الصحية والطبية والدواء والتشخيص من خلال  نظام المساعدة الطبية، على أساس أنه يتعين على الفئات الهشة، دفع مبلغ جزافي سنوي حدد بـ 120 درهم للفرد دون أن يتعدى سقف 600 درهم للأسرة الواحدة في السنة. وتبين فيما بعد  أن عددا من الأسر المغربية يصعب عليها دفع هدا المبلغ أمام ارتفاع أسعار المواد الغذائية والحاجيات الأخرى المستعجلة للأبناء والماء والكهرباء والكراء، فتخلت عن المطالبة بالبطاقة.

على هذا الأساس من المستفيد إذن من الرعاية الصحية المجانية؟
لا هذه الفئة ولا تلك تستفيد من المجانية  الكاملة، بفعل الاختلالات التي تعرفها المستشفيات العمومية من نقص حاد في المواد والمستلزمات الطبية والأدوية وتعطيل مستمر لتجهيزات التشخيص والفحصوات المخبرية وبالأشعة والمواعد الطويلة والوظيفية، والخصاص المهول في الموارد البشرية والمتخصصين.
وقد لوحظ استمرار تعقيدات  المساطر الإدارية للحصول على وثيقة واحدة، فما بالك بما يتكبده المواطن من أجل إعداد ملف الترشيح للحصول على بطاقة “راميد”. وهنا لابد أن نتذكر الشخص الذي قام بإحراق نفسه بسبب رفض السلطات المحلية تسليمه وثيقة ليضعها في ملف خاص بزوجته التي خضعت لولادة قيصرية وطولب بأداء تكلفة العلاج. ثم إن المعايير المعتمدة مخجلة جدا كالتوفر على دجاجة أو بقرة، أو الربط بشبكة الماء والكهرباء، أو التوفر على تلفاز أو ثلاجة، أو العمل الموسمي، أو غير المنظم، وهي معايير تتعارض مع المفهوم العلمي الطبي والوقائي والإنساني للصحة.

مازال المواطنون يجدون صعوبة في الولوج إلى المستشفيات، بل أكثر من ذلك، نجد بعض المستشفيات تتعامل مع بطاقة راميد أو وصل الإدارة معاملة مختلفة، كما يتم التسويف على المواطنين، سيما الحاصلين على الوصل فقط، ما يدفعهم إلى الاستغناء عن تقديم ورقة الرعاية أو الوصل؟
بالفعل تعددت العراقيل والصعوبات أمام حاملي بطاقة أو وصل “راميد” لولوج الخدمات الصحية والاستفادة منها، وأصبح الهم الرئيسي لدى إدارات المستشفيات العمومية هو تحصيل أكبر قدر من المداخيل عبر أداء فاتورة الخدمات الصحية المقدمة، إلى درجة أن المستعجلات في بعض المناطق لا تحرك ساكنا تجاه المريض أو المصاب، إلا اذا أدى  ثمن الخدمة الصحية، أو عبر عن رغبته في أداء الفحوصات. وبالتالي أصبحت الثقافة السائدة في تدبير المنظومة الصحية هي الأداء المسبق،  ولا اكتراث بالوضعية الاجتماعية للمواطن فقيرا كان أم معوزا، وحتى إن قدم بطاقة “راميد” فيعامل كمواطن من الدرجة الثالثة عليه دخول ثلاجة الانتظار والمواعد الطويلة والأجهزة المعطلة. فاليوم وخلافا لما يشاع من طرف وزارة الصحة، وخلافا  للفترة التي كنا نتعامل فيهل بشهادة الاحتياج، أصبح واجبا على المرضى المحتاجين حاملي بطاقة “راميد” أو الوصل الذين تم قبولهم بالمستشفيات العمومية تغطية نفقات تشخيص أمراضهم وعلاجهم بنسبة تفوق أحيانا 70 في المائة من جيوبهم وجيوب أسرهم، و76 في المائة بالنسبة للأدوية، وفي أغلب الأحيان يوجهون للقطاع الخاص للقيام بتشخيص وبتحليلات مختبرية، علاوة على شراء الأدوية من الصيدليات، وحتى المستعجلات لم تسلم من هذه القاعدة.   

كيف تنظرون إلى مستقبل الرعاية الطبية بهذه لوثيقة وماذا عن اقتناء الدواء بها؟
لقد حقق المغرب منذ فترة الستينات الى نهاية الثمانينات من القرن الماضي نجاحاً ملموساً في تحسين وتطوير أوضاعه الصحية، من خلال تحسين عدد من المؤشرات والتحولات الوبائية والديمغرافية والمرضية، عبر سياسة صحية اعتمدت بالأساس على الوقاية ومحاربة الأمراض المعدية والفتاكة، عبر برامج الرعاية الصحية الأولية، إذ نجحت في تطعيم الأطفال، والقضاء علي البلهارسيا بشكل كبير وأمراض الإسهال للأطفال، والشلل، وفي برامج تنظيم الأسرة وبشكل أقل في برامج صحة الأم والطفل، والتقليص من الوفيات وسوء التغدية،  كما قامت الدولة ببذل مجهودات كبيرة لتطوير وتأهيل المنظومة الصحية التي كانت حكرا على الأجنبي والمستعمر، وقامت باستثمارات  كبيرة على مستوى البنيات التحتية وتكوين وتوظيف الموارد البشرية والأطر والكفاءات الوطنية في مجال تقديم خدمات الرعاية الصحية، إلا أننا اليوم نسجل تراجعات خطيرة، وما قاله جلالة الملك عن المنظومة التعليمية وما عرفته من اختلالات وتراجعات منبها على “أنه من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد، خلال كل خمس سنوات متجاهلة البرامج السابقة، علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها”، يجب تعميمه وإسقاطه على النظام الصحي الوطني، الذي عرف المنحى نفسه والتوجهات التراجعية ذاتها، ثم إنه من غير المعقول أن تأتي أي حكومة جديدة بمخطط جديد، خلال كل خمس سنوات، متجاهلة البرامج السابقة علما أنها لن تستطيع تنفيذ مخططها بأكمله، نظرا لقصر مدة انتدابها، وهذه هي النقطة السوداء التي عرفها القطاع.
فنحن حسب كل المعطيات المتوفرة لدينا يمكن القول إننا امام فشل تجربة نظام “راميد”  في بدايته بسبب غياب رؤى وإستراتيجية فعالة لمأسسة النظام الصحي الوطني العادل وللجميع. وقد دعا جلالته في رسالة الى مناظرة مراكش بضرورة اعداد وبلورة ميثاق وطني واقعي وقابل للانجاز يضع المواطن في صلب اهتمامات الاصلاح، ويهتم أساسا بالموارد البشرية وتكوين الكفاءات.
إننا نعيش اليوم منحى خصوصة النظام الصحي العمومي وتدميره وتقوية نظام صحي لمن له القدرة على الدفع، ولم نعد أمام سياسة صحية بسرعتين، بل نحن أمام انهيار منظومة بكاملها سواء في القطاع العام أو الخاص، وهو ما يؤدي الى ارتفاع نسبة الوفيات بشكل مخيف لدى الأمهات اثناء الوضع وحتى بسبب لسعات لدغات العقارب فما بالك إذا وقفنا على نسبة الوفيات نتيجة امراض القلب والشرايين والسرطان …. نحن أمام سياسة غير ملائمة ولا تستجيب للحاجيات المعبر عنها من طرف المواطنين ولا تتماشى مع التطورات العلمية والطبية  والتحولات المجتمعية الديمغرافية والوبائية…
أما بخصوص الأدوية، فهذه معضلة أخرى تتطلب تضافر الجهود من أجل مواجهة لوبي صناعة الأدوية بالمغرب، والمناورات الحكومية البئيسة والسياسوية التي توهم المواطنين بالتخفيض من أسعار الأدوية بالمغرب.
فأغلب الأدوية المتوفرة في الصيدليات مرتفعة الأسعار بشكل مبالغ فيه، فبعض الادوية تباع بأضعاف سعرها الحقيقي لو أن المواطن قام بشرائها من الدولة المنتجة، إذ أن أسعار الادوية أصبحت عبئا كبيرا على المواطنين الى درجة بيع أثاثهم وممتلكاتهم، ف 35 في المائة من المغاربة يستدينون أو يبيعون ممتلكاتهم لشراء الأدوية، خاصة المصابون بأمراض مزمنة و47 في المائة يلجؤون جبرا للطب الشعبي  والتداوي بالأعشاب.

الوزارة لم تستفد من تجارب في تحقيق الصحة  للجميع  

هل لكم أن تقارنوا الرعاية الطبية بهذه الوثيقة الإدارية مع دولة أخرى في مستوى المغرب؟
 لقد كانت لي فرصة زيارة عدد من البلدان كما قامت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة بدراسة مقارنة لبعض الأنظمة الصحية لدول لها نفس المستوى الاقتصادي، وخلصنا في أغلب الحالات الى ضعف المقاربة الوطنية في تطبيق وتنفيذ نظام التأمين عن المرض والحماية الاجتماعية، وفي كيفية التعاطي مع المسألة الصحية. فنجاح النظام يعتمد مقاربة ومنظورا اجتماعيا تضامنيا عادلا وضامنا للجودة.  وإن كانت القوانين متشابهة إلى حد ما على المستوى النظري بين المغرب وعدد من البلدان، فإننا نظل بعيدين كل البعد عن المستوى الذي وصلت له تونس والشيلي، على سبيل المثال لا الحصر، في تحسين المؤشرات الصحية، وفي تطبيق نظام التأمين عن المرض والحماية الاجتماعية، ونظام التأمين الاجتماعي والصحي للفقراء وذوي الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين، وإن كانتا تتعاملان ببطاقة خاصة للاستفادة من خدمات النظام الصحي.  فمع الأسف الوزارة لم تستفد من تجارب و دراسات  تجارب دول أخرى حققت نجاحات في  تحقيق الصحة  للجميع  كحق من حقوق الانسان.

عشر سنوات قبل دخول “راميد” حيز التنفيذ

جمد مشروع  نظام  المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود المعروف اختصارا بـ “راميد”، لما يقارب عشر سنوات قبل دخوله المتعثر، لحيز التنفيذ سنة 2012، بعد تجربة مرتجلة وضعيفة وغير منصفة للسكان بجهة تادلة – أزيلال سنة 2008. وكان من المنتظر أن ينطلق المشروع منذ حكومة إدريس جطو، الذي عمل على وضع أسس تطبيق قانون مدونة التغطية الصحية الأساسية. ونظرا لغياب تصور شمولي فعال لدى الحكومات لتنفيذ مقتضيات القانون 65.00 المتعلق بمدونة التغطية الصحية الأساسية، في مختلف جوانبه ومضامينه، لجأت الى سياسة التجزئة والترقيع، واليوم نحن أمام نظام يعتمد على شروط سوسيو اقتصادية ومؤشرات ومعطيات متجاوزة ومتقادمة في تحديد الفئة المستهدفة من نظام المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود، أي الفقراء والفئة المهمشة في المجتمع، شروط ومعايير مبنية على أرقام وإحصائيات وخريطة للفقر وتنظيم الأسرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط  لسنة 1998 – 2004.

الانتقال من “الصدقة والعمل الخيري” إلى إعمال الواجب والمسؤولية

ماهي الحلول في نظركم لتجاوز المعيقات التي تحول دون تطبيب ذوي الدخل المحدود والفقراء؟
لا شك أن حق المواطن في الحصول على الرعاية الصحية والدواء  أصبحت إحدى دعائم التنمية البشرية والاجتماعية، وعامل حضارة وتقدم واستقرار للمجتمعات. فبمقتضى الدستور الجديد، أصبح الحق في الصحة من الحقوق الأساسية للسكان بجميع طبقاتهم الاجتماعية.
وأعطى  للمواطن حق ولوج العلاج  الكامل والحصول على الدواء الذي  يتماشى مع  حاجياته ومتطلبات الصحية الوقائية والعلاجية وشفائه من الأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية، وفي الحصول والاستفادة من مختلف خدمات الرعاية الصحية والأدوية والتقدم العلمي، دون تمييز وبالجودة والفعالية.
وبالتالي، فالحلول الأولية تكمن في الانتقال من “مفهوم الصدقة والعمل الإنساني والخيري” إلى إعمال الواجب والمسؤولية المجتمعية تجاه هذه الفئة من المواطنين والسكان، واحترام الحق في الصحة والولوج إلى العلاج.  
وعلى الحكومة ووزارة الصحة أن يفكرا في ابتكار أساليب جديدة  وطرق أكثر نجاعة ومرونة وفعالية وعدالة في تقديم الرعاية الصحية للمواطنين الفقراء والمعوزين وذوي الدخل المحدود وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين مجانا وبجوده عالية، من منطلق الحق الإنساني والتضامن والتكافل المجتمعي، وتبسيط مساطر الحصول على بطاقة “راميد” من خلال شرط أداء الضريبة على الدخل فقط، وليس بناء على الشروط الحالية المجحفة والإقصائية وعلى مؤشرات خريطة الفقر المتجاوزة والمتقادمة، مع ضرورة تحديد دور جديد لوزارة الصحة في المجتمع بتغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل الانتقال الإجباري للعمل بالجهوية الصحية، وإعادة توزيع الموارد المالية والبشرية وخلق البنيات الصحية المطلوبة.

التـأمـين الصحـي نظـام اجتمـاعي شـامـل

إن نظام التأمين الصحى هو نظام اجتماعى شامل بكل ما يحمله من معنى، وعلى النظام أن يغطي 100 في المائة من المواطنين والسكان بمن فيهم المهاجرون، مع ضرورة التقليص من الفجوة  المادية بين الأغنياء والفقراء، بما يحقق العدالة الاجتماعية وتوفير  الخدمات الصحية للجميع، مع ضمان جودة هذه الخدمة، وسهولة الحصول عليها وسلامتها، فهناك عوامل متداخلة فيما بينها  تؤثر سلباً وإيجاباً على الصحة العامة، ولا يمكن تصور عملية إصلاح للصحة بدون التوجه نحو هذه العوامل الأساسية  والتدخل فيها ضمن إطار أعم وأشمل هو المسؤولية الأساسية للحكومة، بإدماج الصحة في  السياسات العمومية وفي مشروع مجتمعي مندمج ومتكامل..

أجرى الحوار: المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى