fbpx
تحقيق

نادي الفروسية بالبيضاء… الحقيقة الغائبة

مركب رياضي يدر الملايين بني على عقار جماعي دون إذن وسلم لجمعية ترفض مغادرته باعتباره «ملكا خاصا»!!

نائبُ عمدةِ أكبر مدينة بالبيضاء، ورئيسُ مقاطعةٍ، ومديرُ شركة للتنمية المحلية، ورجال أمن وعشرات العناصر من الشرطة الإدارية ومفوضٌ قضائي، يحلون، زوال يوم ما، بمرفق عمومي من أجل إفراغه بموجب قرار جماعي رسمي، ثم يعودون أدراجهم، يجرون «خيول» الخيبة، بعد أن منعهم «رئيس جمعية» من تطبيق القانون.
هذا ما وقع بالضبط ذات أربعاء بالمركب الرياضي للفروسية بعمالة سيدي عثمان، وهو مشهد يمكن أن يصلح مقدمة لقصة فيلم سوريالي، إذ لا يمكن أن نتصور، إلا في الخيال، أن يمنع مستغل مرفق عمومي أصحاب المرفق نفسه من استرجاعه، أو حتى الدخول إليه، بل يقرر رفع دعوى قضائية ضدهم، لأنهم تجاوزوا الحدود.
فماذا يجري بالضبط بهذا المركب الرياضي الذي تحول إلى قضية رأي عام بالعاصمة الاقتصادية؟ وما الذي يقع خلف أسوار هذا المنشأة المشيدة على عقار جماعي خالص تزيد مساحته عن ثمانية هكتارات مطل على شارع عبد الرحمان الصحراوي؟ ومن سمح لهذه الجمعية، أول الأمر، باستغلال هذا الفضاء الشاسع والاستثمار فيه على مدى ثلاثين سنة؟ ومن منحها رخص البناء فوق عقار جماعي؟ وهل تتوفر على ما يثبت وجود هذه الرخص حتى لا تعتبر مرافقها في حكم العشوائي؟ ولماذا يرفض مكتبها المسير تسليم المفاتيح، حين طلب منه ذلك تنفيذا لاتفاقية رسمية مصادق عليها في مجلس جماعة الحضرية (صاحبة المشروع)؟ وما هي حجج المكتب حتى يرفض تنفيذ قرار جماعي؟ وما مبررات الجماعة نفسها لفرض خروج قسري على جمعية تقول إنها استثمرت ملايين الدراهم من أموال منخرطيها حتى تتحول هذه الأرض الجرداء إلى ناد رياضي محترم في مختلف الأنواع الرياضية؟
إعداد: يوسف الساكت- تصوير (أحمد جرفي)

الأربعاء 27 يناير الماضي، وصل عبد المالك لكحيلي، النائب الثالث لرئيس الجماعة الحضرية المكلف بالشؤون الثقافية والرياضية، إلى باب المركب الرياضي للفروسية سيدي عثمان، ومعه محمد الجواهري، مدير شركة التنمية المحلية للتظاهرات والتنشيط ومفوض قضائي وعدد من رجال الأمن وعناصر الشرطة القضائية ومنتخبون.

ممنوع المرور
وأتت الزيارة في إطار تنفيذ قرار صادر عن الجماعة الحضرية، في دورة أكتوبر الماضي، يقضي بتحرير هذا المرفق العمومي من مستغليه (جمعية مدنية) وتسليمه إلى شركة التنمية المحلية، تفعيلا لاتفاقية انتداب رسمية تتكلف هذه الشركة بموجبها بتدبير المركب والمرافق التابعة له.
في البداية اعتقد نائب العمدة أن الأمر سهل، لن يتعدى المدة الزمنية لحفل بسيط (يحترم شروط التباعد) يسلم فيه رئيس الجمعية مفاتيح المركب ووثائقه ومتعلقاته إلى مدير الشركة، ويعقبه تبادل باقات ورود وحفل شاي وحلوى، قبل أن يفاجأ بأن المشكل أشبه بشباك صيد مهترئ، ما أن تفك عقدة منه، حتى تنغلق أخرى.
ظهرت بوادر الأزمة، حين منع الوفد الأمني والقضائي والإداري من تجاوز عتبة الساحة الصغيرة للمركب، هناك وجدوا رئيس الجمعية الذي قال بالحرف إن المركب ليس مرفقا عموميا، كما تتصور الجماعة، بل ناديا خاصا بني فوق أرض جماعية عارية، ويضم عددا من الأنواع الرياضية، بما في ذلك الفروسية.

حرب الكلام
وقال عبد السلام العلمي، رئيس الجمعية، إن هذا النادي الخاص (وليس العمومي) تسيره جمعية معترف بها من قبل السلطات العمومية منذ 30 سنة، وهي الذي صرفت عليه من مالها، وكل ما يوجد فوق هذا العقار الجماعي هو ملك للجمعية والمنخرطين، ولن تسلمه إلى أي أحد و»لدينا وثائق ومراسلات تثبت علاقاتنا بالجماعة التي تؤدي مصاريف الماء والكهرباء».
وأكد رئيس الجمعية أن الفيصل في هذا الإشكال، هو القضاء الذي سيحال عليه الملف، للنظر في بطلان قرار الجماعة، وسيقول كلمته الأخيرة فيه، وعلى الجميع أن يرضخ له.
في الجهة الأخرى، دافع عبد المالك لكحيلي عن تنفيذ اتفاقية الانتداب الصادرة عن مؤسسة جماعية منتخبة. دافع عن حقوق وممتلكات المواطنين الذين وضعوا فيه ثقتهم، متهما بعض العناصر (الذين يدعون صفة تدبير المرفق العمومي) بتحقير قرار جماعي، وترفض تسليم المفاتيح والوثائق للجماعة، و»هو ما لا يمكن السكوت عنه بالمطلق، ولن نذخر جهدا في استرجاع هذا المركب».
انتهى ذاك الأربعاء على تبادل الاتهامات والحجج، دون أن يصل الطرفان إلى أي حل، إذ مازال الوضع على ما هو عليه إلى الآن. ومع كل يوم تأخير في تنفيذ القرار الجماعي، تزداد الأسئلة المحيرة توهجا عن اسرار هذا المركب الرياضي، ولماذا يصر أعضاء في جماعة البيضاء على استرجاعه بهذه الطريقة، بدل التفاوض مع الجمعية المسيرة على صيغة للكراء، أو التدبير المفوض، كما وقع مع مسيري مركب الغولف بأنفا؟ وما هي الاتهامات التي توجهها الجماعة إلى المكاتب المسيرة لهذه النادي الذي ارتبط اسمه برياضة الأمراء (الفروسية)؟ وما قصة هذه الجمعية التي وضعت يدها في بداية التسعينات على عقار جماعي شاسع لإقامة ناد رياضي ترفض اليوم تسليمه لأصحابه، ولسان حالها يقول «جريو طوالكم..وأعلى ما في خيلكم ركبوه».

الخيل وقرارات الليل
ونحن نبحث في «ضجة» المركب الرياضي للفروسية بسيدي عثمان، ربطنا الاتصال بعبد السلام العلمي، رئيس الجمعية المسيرة، الاثنين 1 فبراير الجاري، وقدمنا له أنفسنا، وطلبنا منه الترخيص للجريدة بزيارة النادي في إطار تحقيق صحافي.
رحب الرئيس بالفكرة، ووعدنا بإعادة الاتصال بنا في زوال اليوم نفسه. لم يفعل إلا في الخامسة من عصر اليوم الموالي، توصلنا بهاتف من الرئيس الذي يطلب منا تقديم معطيات جديدة حول فكرة التحقيق، ثم وعدنا مجددا بالاتصال بنا في صباح اليوم الموالي من أجل ترتيب موعد للزيارة رفقة مصور «الصباح» من أجل زيارة المكان والاستماع إلى شروحات والاطلاع على وثائق كنا في حاجة إليها للإجابة عن أسئلة التحقيق.
مر الأربعاء الماضي، ثم انتهى الأسبوع، دون أن نحظى بنصف فرصة لزيارة ناد للرياضة، كان يمكن أن نتجول فيه بطريقتنا ونلتقط ما نشاء من صور وفيديوهات لمرافقته ومنشآته، لكننا فضلنا الدخول من الباب، ما رفضه الرئيس ولم يعتذر عنه.
من وراء الأبواب الموصودة، واصلنا البحث في قصة ناد مدجج بالأسرار والخبايا، وقليل من يطلع على وثائقه وبياناته ودفاتر تحملاته وطلبات عروضه، منذ 30 سنة، في بناء المرافق والقاعات والإدارات والملاعب وشراء التجهيزات وأوجه صرف أموال المنخرطين. كما لا يعرف أحد كيف «تفرش» الأرضيات، وما مصدر التبن والشعير الذي يسلم إلى أحصنة للفروسية يدفع أصحابها 1900 شهريا من أجل إيوائها في اصطبلات يتجاوز عددها 40 اصطبلا، وبعضها يمتد إلى مركب «الريكبي» المجاور !!.

مشروع من زمن الفوضى
تقول الحكاية إن هذا المركب الضخم، الذي يساوي الملايير اليوم، لم يكن موجودا قبل 1988، وهي السنة الذي بدأت تتردد فيها إحدى الأميرات المولوعات بالفروسية على البيضاء، فطلب آنذاك من مصطفى العلمي، العامل الأسبق لعمالة سيدي عثمان ابن امسيك وضع التجيهزات الأولية لبناء حلبة على عقار جماعي مطل على شارع عبد الرحمن الصحراوي.
تفرغ العامل العلمي، لهذا الأمر واعتبره أولوية، فحرك الهواتف للاتصال بأعيان المنطقة و»الطاشرونات» من أجل المساهمة (كل باش سخاه الله) في تسوير العقار الجماعي وتحويله إلى حلبة للفروسية، مع بناء عدد من الاستراحات ومطعم ومسبح ومرافق إدارية أخرى، تفتح في وجه الأميرة والوفد المرافق لها، فيما تسلم «رجل السلطة» وسام رئيس شرفي للنادي إلى الأبد، تكريما لأياديه البيضاء عليه.
في وقت سريع، تحول العقار الجماعي الممتد إلى ناد للفروسية، ترددت عليه الأميرة عدة مرات، تحت إشراف مصالح العمالة والجماعة التي كانت تقوم بدور التسيير، قبل أن تتفتق عبقرية موظفين بتأسيس جمعية تتكلف بهذه المهمة، فكان أن تسلم الحاج عبد الرحيم كوندة (موظف) مقاليد الحكم بهذا النادي، ومعه في المكتب عبد الله رايس ولحسن موين ولحسن اوحيك.
كما تسلم الجمعية أيضا نصر الدين الحافي، المدير الأسبق الأكاديمية التربية والتكوين، ثم بعد ذلك عدد من الرؤساء، منهم الحاج علي وفارس.. أغلبهم موظفون عموميون، قبل أن ينتخب أحد الجموع العامة الرئيس الحالي (عبد السلام العلمي)، القادم من عالم قطاع الأفرشة والنسيج والأثواب والصالونات.

ترام على 8 هكتارات
قال عبد الإله فراخ، نائب رئيس مقاطعة سيدي عثمان، إن الجمعية لا تتوفر على أي سند قانوني يسمح لها باستغلال هذا العقار الجماعي، واستغلت الظروف السابقة التي كان يمر منها المغرب، من أجل الترامي على هذه الأرض (8 هكتارات)، مؤكدا أن العمالة ليس من حقها تسليم مرفق جماعي إلى جمعية مدنية.
واعتبر فراخ أن المجالس الجماعية التي تعاقبت على تسيير البيضاء كانت على اطلاع على خبايا هذا الملف وتعقيداته ونسبة الحرج الذي يبطنه، وظلت تضع مسافات بينها وبينه، بتواطؤ مع عدد من الأشخاص، بدعوى أن هذا المرفق شيد بتعليمات من أميرة، وهو أمر غير صحيح، مدليا بوثيقة ترفض فيها الجمعية المسيرة تهييء ظروف اشتغال مدير للنادي معين من الجامعة الملكية للفروسية التي يرأسها مولاي عبد الله العلوي.
وفي غياب أي تعاقد مع أصحاب الأرض، سمحت الجمعية المسيرة لنفسها بتحويل النادي إلى ورش للبناء والتشييد، بدعم كامل من العمالة، إذ كان عمال الإنعاش يتسلمون أجورهم من خزينة الدولة، للعمل في تجهيز حلبات الفروسية وبناء الاصطبلات ومطاعم وملعب صغير للغولف وقاعة للحفلات وقاعات بعدد من الأنواع الرياضية شيد أغلبها دون رخص، بل جرى تحويل 3″شاليات” كانت يستعملها مرافقو الأميرة للاستراحة، إلى مسجد ومرسم وقاعة للاجتماع.

منخرطون ومداخيل بالملايين
هذه المرافق الرياضية الموجودة في فضاء شاسع وفي مكان هادئ، كانت تغري عددا من المنخرطين، إذ كان الفرز يتم في الأول باعتماد ثمن باهظ للانخراط السنوي للأسرة وصل إلى 8000 درهم في العام الأول، قبل أن يخفض إلى 7000 درهم، و4000 درهم في السنوات اللاحقة.
ورغم هذا الثمن الباهظ، تراوح عدد المنخرطين في السنوات الأولى بين 400 و500 منخرط، كانوا يدفعون أيضا مقابل الاستفادة من أي نوع رياضي، أو وجبات ومشروبات في المطعم وباقي الخدمات الأخرى التي يشرف عليها 42 عاملا (20 منهم موظفون في الجماعات ويتقاضون رواتبهم من الدولة و22 في إطار التعاقد).
وحسب وثائق توصلت بها «الصباح»، وصلت مداخيل نادي الفروسية (الذي يضم عددا من الأنشطة الرياضية الأخرى وفضاءات ترفيه وقاعة للأفراح….) 438 مليون سنتيم في 2018، بينما بلغت في 2017 حوالي 487 مليون سنتيم، وفي 2016 وصلت إلى 536 مليون سنتيم وفي 2015 وصلت المداخيل إلى 479 مليون سنتيم.
وقال فراخ إن المركب الرياضي يتضمن عددا من الأنشطة الرياضية مثل كرة المضرب والكراطي وكرة القدم المصغرة، ثم رياضة الفروسية التي تظهر في الواجهة الكبرى، ما يفسر وجود ستة عدادات للماء والكهرباء بمجموع النادي تحمل أرقاما مختلفة، يُؤدى استهلاكها من خزينة الجماعة الحضرية، مؤكدا أن المبلغ الإجمالي السنوي الذي تؤديه الجماعة لتغطية استهلاك المادتين يصل إلى 65 مليون سنتيم.
كل تلك المداخيل والمصاريف يصادق عليها، على مدى 30 سنة، في جموع عامة، «دون أن يسمح لأي أحد بالإطلاع عليها، أو التحقق منها، أو فحص وثائقها وفواتيرها و»بوناتها» والشركات المتعاقد معها والصفقات العمومية التي أبرمت وفي أي جريدة نشرت»، يقول مصدر من الجماعة الذي أضاف إن الأمر أشبه بمغارة علي بابا، لا يمكن الدخول إليها إلا بأرقام سرية، ولا يسمح لأي أحد بالاقتراب منها.

شركة الجواهري على الخط
في بداية 2016، عاد المركب الرياضي للفروسية إلى الواجهة في إطار قرار الجماعة بتثمين الممتلكات العمومية واسترجاعها، مثل مركب زناتة ومركب مولاي رشيد للتنس، والمركب التجاري (مارشي كريو القديم) بالصخور السوداء، إضافة إلى الشروع في مسطرة تحرير مركب باردايز بعين الذئاب ومقهى الصقالة، ليظل مجمع «الأحصنة» عصيا على الاقتحام، رغم المحاولات والمساعي الحميدة الذي قام بها العمدة نفسه، خلال زيارة شهيرة للنادي، وهو يرتدي الزي التقليدي المغربي، عربونا على حسن النية.
قبل بداية 2020، وضع المكتب المسير للجماعة مشروع اتفاقية انتداب بين الجماعة وشركة التنمية المحلية (كازا تنشيط) من أجل تسلم مفاتيح المركب الرياضي وتسير مرافقه، مع التزام بأداء مصاريف الماء والكهرباء لمدة 3 سنوات، مع امكانية التنسيق مع بعض الجمعيات والمؤسسات الموكول لها إعداد وتنظيم أنشطة سباقات الخيول، ما اعتبره عدد من المتتبعين ترك الباب مواربا للجمعية الحالية للاستفادة من هذا «التنسيق» حصريا.
ومباشرة بعد المصادقة على الاتفاقية، سارعت الجمعية إلى عقد جمع عام استثنائي في 20 فبراير 2020، لدراسة هذا القرار والإعلان عن رفضه، معتبرة أن من شأنه الإضرار بمصلحة المنخرطين ويتعارض مع حقوقهم المكتسبة والمستحقة عن المدة التي قضوها في خدمة النادي لما يزيد عن 30 سنة.

‫2 تعليقات

    1. إنها الفوضى واستغلال الممتلكات العامة للدولة لمدة 30سنة من طرف جمعية اوتادها صحيحة واستفادت من الملايين او الملايير الطاءلة دون حسيب ولارقيب وماتزال تمتنع من إفراغ هاد المرفق السمين والغليظ من حيت المداخل وبمتل هاد النوع من الإستغلال تضيع مصالح السكان ومصالح المنطقة من بناء وتنمية وتشغيل مما يؤتر سلبا على مصالح جهة الدار البيضاء القلب النابض لإقتصاد المغرب بصفة عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى