fbpx
حوار

الغلوسي: كورونا عرى نهب المال العام

الغلوسي رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام قال إن الجائحة كشفت حجم الفساد في قطاعات مهمة

قال محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، إن جائحة كورونا فضحت اختلالات عميقة في الجوانب الإقتصادية والاجتماعية، وبينت بشكل ملموس حجم الخصاص الإجتماعـي، سيما مع نسب الفقر والإقصاء الاجتماعي المرتفعة، بل وأعادت طرح سؤال التوزيع غير المتكافئ للثروة، ونهب المال العام. وأضاف أن هذه الجائحة عرت واقع المنظومة الصحية المتهالكة والتي تحتاج إلى إصلاح حقيقي بالموزاة مع الإنكباب على إصلاح التعليم لجعله قاطرة للتنمية، عبر تشجيع الابتكار والبحث العلمي، لرفع التحديات التي تواجه بلادنا على كافة المستويات.
وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: المصطفى صفر- تصوير: عبد الرحمان المختاري

> كيف تنظرون إلى تداعيات الجائحة على المجتمع في ظل انعكاساتها على قطاعات حيوية؟
> من المؤكد أن تداعيات كورونا ستكون لها أيضا نتائج سلبية على الوضع العام وستغير الكثير من المعطيات والتوقعات، وستفرض على كل الدول تغيير أنماط التدابــــــير المعتمدة، والتي أصبحت متجاوزة بفعل الواقع الذي سيفرض إعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعية وتوجيه السياسات العمومية لخدمة القطاعات الحيوية من صحة وتعليم. والمغرب لم يبق بمنأى عن هذه التأثيرات السلبية، لذلك وجب على مختلف الفاعلين وفي مقدمتهم الدولة والحكومة والأحزاب السياسية، إعادة النظر في المقاربـــــات والسياسات المعتمدة لحدود الآن، وذلك بجعل تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والرشوة في صلب هذه السياسات.

> ألا تعتقدون أن المغرب خطا خطوات شجاعة في محاربة الفساد، وأن ذلك ترجم على أرض الواقع عبر محاكمات ناهبي المال العام، بإحداث آليات في هذا الإطار سيما الرقم المباشر لرئاسة النيابة العامة؟
> بلى، لكن ينبغي أن يستشعر المواطن هذا التغيير، فمختلف الدراسات والتقارير تؤكد أن الفساد يشكل خطورة حقيقية على كل برامج التنمية ويعيق التطور ويهدد الاستقرار والسلــــــم الاجتماعي، ويضعف حكم القانون ويساهم في انتشار الجريمة بمختلف أشكالها ويوسع من دائرة الحرمان والفقر، ولذلك فإن الأمم المتحدة وضعت اتفاقية أممية لمكافحة الفساد، تتــــضمن العديـد من المقتضيــــــات والتدابير الرامية إلى منع انتشاره، وحثت الدول على ملاءمة سياساتها وتشريعاتها مع هذه الاتفاقية.
وفي المغرب تم الإعلان عن بعض الخطوات والمبادرات الرامية إلى الانخراط في المجهود الدولي لمكافحة الفساد (تأسيس هيآت للحكامة بعضها ذات طبيــــــــعة دستورية، وإنشاء أقسام قضائية وشرطة قضائية مكلفة بجرائم الأموال، ووضع إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد .. الخ ) ، لكن تبقى هذه الخطوات والمبادرات محدودة الأثر بالنظر إلى حجم الفساد وتكلفته الكبيرة .
ورغم النوايا المعبر عنها لأكثر من مناسبة بخصوص محاربة الفساد والرشوة، فإنها لم تترجم على أرض الواقع وظل الإفلات من العقاب في الجرائم المالية والاقتصادية مستمرا، وتنامى الشعور العام بأن المفسدين وناهبي المال العام فوق أية محاسبة، وأصبحت المؤسسات المعنية بمحاربة الفساد وكأنها فاقدة لمقومات مواجهة الظــــــاهرة والتصدي لمــــخاطرها وتحولت تــــــــقاريرها إلى مهمة روتينية وأسلوب إداري.

> ماهي انعكاسات هذا الشعور على المواطن؟
> أمام هذا الواقع تشكل رأي عام تعكسه مختلف مواقع التواصل الإجتماعي فاقد للثقة في المؤسسات والنخب السياسية، وهو رأي عام ينظر بعين الريبة لكل المشاريع والبرامج المعلن عنها ويعتبرها غير موجهة لخدمة التنمية، بقدر ما هي لخدمة مصالح بعض النخب، وهو إنطباع تزكيه ممارسات بعض الأطراف، التي لا تخرج عن نطاق تغذية الريع والفساد، والذي تزكيه العديد من المؤشرات، كتعيين بعض المقربين بعيدا عن معايير الاستحقاق والكفاءة في بعض مؤسسات الحكامة المنوط بها دستوريا وقانونيا ترسيخ قواعد القانون ومبادئ النزاهة والشفافية.
> هل لكم أن تبسطوا أمثلة عما تتحدثون عنه؟
> هناك أمثلة كثيرة وقد تابعنا جميعا كيف تم تعيين أشخاص محسوبين على أحزاب سياسية في هيأة ضبط الكهرباء وغيرها، وكيف انتصرت الزبونية والولاء على المبادئ الدســـــتورية ذات الصلة بالمساواة والاستحقاق.
اليوم لم يعد الرأي العام يقبل بممارسات وقرارات تستهدف هدر الأموال العمومية مجانا، وفي قضايا ليس لها أي تأثير على مستقبـــــل المجتمع المغربي في التنمية والعيش الكريم، أو توظيف تلك الأموال في إنجاز مشاريع مغشوشة يفتضح أمرها بين عشية وضحاها، وبالقدر نفسه فإنه يرفض أسلوب العطايا والمنح المعلقة بالقانون لفائدة بعض الجمعيات والشخصيات، التي لاتقدم أية فائدة تذكر للبلد.

أخطر التلاعبات في الصفقات العمومية

بعد دستور يوليوز 2011 تغذى الأمل بالمقتضيات الدستورية الجديدة ذات الصلة بالحكامة والــــــنزاهة والمنــــــافسة الحرة ومحاربة الفساد والرشوة وغيرها من المقتضيات الدستورية ذات الصلة بتخليق الحياة العامة، ورفعت حينها حكومة العدالة والتنمية شعارات محاربة الفساد والمفسدين ونــــاهبي المال العام والمرتشين، وتـــــحول الخطاب السياسي إلى أداة لتصريف هذه المواقف، لكن مع مرور الوقت اتضح أن ذلك لايعدو أن يكون مجرد لغط سياسي يضر بالقضية أكثر ما ينـــــــــفعها، وتحولت معركة محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة إلى تراشق إعلامي وسياسي واستعملت وسيلة للترهيب وكسب القاعدة الانتخابية دون أن يلمس الناس أي تقدم في الموضوع، بل إنه خلال فترة حكومة العدالة والتنمية، في مختلف نسخها وإلى الآن، ارتفعت مؤشرات الفساد والرشوة، والتي ظهرت بشكل جلي في الصفقات العمومية، وتحدثت تقارير رسمية عن حجم الفساد المستشري في عهد الحكومة، والتي سبق لرئيسها السابق “عبد الاله بنكيران” أن صرح بمقولته الشهيرة “عفا لله عما سلف” عوض شعار “مواجهة التماسيح والعفاريت”. إنه انقلاب واضح في المبادئ والمواقف لصالح معسكر الفساد ونهب المال العام، وتجلت ذروة هذا الانقلاب في عدم تفعيل الإستراتيـــــــجية الوطنية لمكفاحـــــــة الفساد، التي وضعتـــــــها الحكمومة في 2015 وإقبار مشروع القانون الجنائي الذي يتضمن تجريم الإثراء غير المشروع.

لوبي يحارب بعض القوانين
يبدو أن التوجه المستفيد من واقع الفساد يناهض كل المبادرات والبــــرامج والسياسات التي من شأنــــــــها أن تطوق الظاهرة، وتحد من تداعياتها السلبية على مخـــــتلف المستويات، وهكذا لاحظنا كيف تمت مقاومة القانون المتعلق بالهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وعرقلة إصدار قانون تجريم الإثراء غير المشروع.
ولتخليق الحياة العامة واسترجاع الأموال المنهوبة ينبغي مراجعة المنظومة التشريعية في إتــــــــجاه ملاءمتها مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الفساد وتعزيز وتقوية مؤسسات الحكامة وتوسيع صلاحياتها وتقوية دور البرلمان في محاسبــــة ومساءلة الحكومة، ووضع أسس لاستقلال السلطة القضائية، وتـــــخليق العدالة مع سياسة جنائية تضع في صلب أولوياتها محاربة الفساد والرشوة .

القضاء مطالب بمحاربة الفساد
يتحمل القضاء مسؤولية كبيرة في التصدي للإفلات من العقاب ومحاربـــــة الفساد والرشوة ومحاكمة المفسدين وناهبي المال العام، لذلك فإنه لا يعقل أن ملفات الفساد التي تمت إثارتها من قبلنا في الجمعية المغربية لحماية المال العام، لم نلمس بشأنها إرادة حقيقية لمحاربة الفساد، وهو ما يتناقض وشعار “الأيادي البيضاء”، وهكذا فإن هنـــــاك ملفات فساد عمرت طويلا ولم ير الرأي العام نتائجها على أرض الواقع، ويــــــمكن أن نستعرض هنا البعض منها على سبيل المثال فقط:
قضية البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم والذي خصصت له ميـــــزانية تقدر ب 44 مليار درهم، وقضايا بلدية الهرهورة والمجلس الإقليمي للشاون والقناة الثانية والجامعة الملكية للشطرنج وبلدية الفقيه بن صالح وبلدية بني ملال والمجلس الإقليمي للخميسات وكورنيش آسفي وتفويت العقار العمومي بمراكش وقضية المجلس الإقليمي للصويرة، وقضية الفساد المالي والإداري بالجديدة، وهي قضايا إلى جانب ملفات أخرى لا يتسع المجال لاستعراضها تتطلب اتخـــــاذ قرارات قضائية شجـــــاعة تعكس فعلا وجود نية وإرادة حقيقية للتصدي للفساد والرشوة والإفلات من العقاب.
على السلطة القضائية بكافة مكوناتها الإنخراط الجدي والملموس في معركـــــــة محاربة الفساد ونهب المال العام والرشوة وتجسيد مبادئ دولة الحق والقانون على أرض الواقع، ومعاقبة المفسدين وناهبي المال العام لبعث الثقة والأمل في المستقبل ومحو تلك الصورة النمطية العالقة بجهاز القضاء، فالدول التي تقدمت وحققـــــت تطورا مهما في مسارها الديمقراطي ساعدها القضاء في ذلك.

أحكام لا ترقى إلى خطورة الجرائم
تقدمنا في الجمعية المغربية لحماية المال العام، بعدة شكايـــات ذات الصلـــــة بالفساد والرشوة ونهب المال العام إلى العديد من الجهـــات القضائية المختصة عبر التراب الوطني، وهي الشكايات التي تم تحريك البحث التمهيدي بشأنها والمتابعات القضائية وهو أمر سجلنا إيجابيته في أكثر من مناسبة، لكن يبدو أن طبيــــعة المتـــــــــابعات والأشخاص المتابــــــــعين والأحكام القضائية الصادرة في الموضوع لاترقى إلى خطورة هذه الجرائم وتطلعات الرأي العام، فهناك ملفات استغرقت وقتا طويلا في البحث والتحقيق والمحاكمة وعمرت طويلا ولم تصدر بشأن البعض منها أي أحكام لحدود الآن.

الفساد يكلف 50 مليار درهم
من المؤسف أن نرى ونتابع كيف أن شبابا في مقتبل العمر، ضمنهم قاصرون يخاطرون بحياتهم عبر ركوب أمواج البحر، بحثا عن الخلاص وهروبا من الفقـــر والبطالة، وفي الجانب الآخر من الصورة هدر لأموال عمومية في تعويضات وأجور خيالية تمنح لبعض المسؤولين والأشخاص دون أن يحققوا أي مردودية أو أهداف طموحة، فالفساد خطورة حقيقية على كل البرامج والسياسات العمومية الموجهة لخدمة التنمية، وتـــفيد بعض التقارير أنه يستهـــــــلك ما يقارب 7 في المائة من الناتج الداخلي الخام و 50 مليار درهم سنويا في مجال الصفقات العمومية، إن المطلوب اليوم هو إرادة سياسية حقيقية وحازمة للقطع مع الفساد والرشوة ونهب المال العام والتصدي للإفلات من العقاب ووضع إستراتيجية وطنية.

في سطور:
– محام بهيأة المحامين بمراكش
– رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام
– له إسهامات في مجالات حقوق الإنسان
– خريج كلية الحقوق بمراكش
حاصل على دبلوم الماستر في العلوم الجنائية والأمنية
– متزوج وأب لابنين
– أسس الجمعية المغربية لحماية المال العام سنة 2014
– رئيس سابق فرع مراكش للهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب
– شغل مهمة رئيس سابق لفرع مراكش للجمعية المغربية لحقوق الإنسان
– له إسهامات عديدة في مجال محاربة تبديد المال العام
– ترافع في العديد من الملفات الحقوقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى