fbpx
مقالات الرأي

الحركات الجهادية الناشطة في دول الساحل وجنوب الصحراء -مالي- نموذجا

 

         

 

تعود جذور الصراع في مالي بالضبط إلى المنطقة الواقعة بإقليم أزواد شمالا و التي اندلعت شرارتها منذ حقبة الاستعمار الفرنسي للبلاد، بعدما عمدت السلطات الاستعمارية عشية استقلال مستعمراتها في المنطقة إلى تقطيع جغرافي لبلدانها، وزعت بموجبه شعب الطوارق بين كل من مالي ،الجزائر ،النيجر و بوركينا فاسو ، فتسبب إبعاد سكان الإقليم من الطوارق والقبائل العربية -الذين تقوم حياة معظمهم على التنقل الحر طلبا للمراعي- عن المراكز الحضرية وتوغلهم في الصحاري إلى جعلهم في شبه عزلة عما يجري في الدول التي ينتمون إليها، كما حرم مناطقهم من أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية، مما أدى إلي تفاقم التوترات الإثنية والقبلية فاستغلت جماعات الإسلام السياسي المتشددة ضعف دولة مالي منذ بداية عام 2012 لتسيطر علي ثلثي مالي ، الأمر الذي عجل بدخول فرنسا ومن ورائها القوى الغربيّة والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إكواس) إلى جانب الحكومة الماليّة مع بداية عام 2013 في حرب ضدّ هذه الجماعات الإسلامية.

تحاول هذه المقالة استعراض مسارات الأزمة في مالي منذ النشأة ، و التطرق إلى أنواع الجماعات الإسلامية المتطرفة بتحديد معالمها ، أهدافها ، تحالفاتها و مساراتها التنظيمية و الإستراتيجية .

تاريخ القضية الأزوادية وتطوّرها:

أزواد هي “الدولة” التي أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد بشمال مالي عن قيامها في 6 أبريل سنة 2012، حيث تتجاوز مساحتها مساحة فرنسا ، و دافعت عن الانفصال مند سنة 1958 أي سنتين قبل استقلال مالي عن فرنسا ، و يتكون نسيج سكانها من البمبارا ،الفولاني ،المالنكي ، الماندنجو ،الصنغاي ، الطوارق والسراكول وغيرهم، وأكثر من 80% منهم مسلمون سنّة على المذهب المالكي ، الذي انتشر مع حلول القرن الحادي عشر على يد المغاربة ، بعد القضاء على امبراطورية “صنغي” سنة 1591، وامتد حكم المغاربة لمنطقة مالي حتى عشرينيات القرن التاسع عشر، على يد الباشوات أو الباشلك حتى سنة 1825 ، ثم بعض قواد جيش المنصور الذهبي المعروفون باسم «الأرما» في عهد السعديين و امتد الحكم إلى غاية السلاطين العلويون حتى سنة 1806 ، بعدها تكوّنت دولة أحمدو شيخو التكولورية ، التي استمرت تحكمها إلى أن هاجمت فرنسا عاصمتها سيجو سنة 1890، غير أن المناطق الشمالية في مالي ظلت بعيدة عن حكم  الفرنسيين و لم تتم السيطرة عليها بشكل نهائي إلا بهزيمة الطوارق سنة 1902.

تنقسم كلمة «طوارق» إلى قسمين: «طوا» وتعني شعب، و «رق» وتعني اسم مكان، و يعود جذور اسم «الطوارق» حسب البعض للفتح العربي الإسلامي لمنطقة المغرب وشمال إفريقيا، وقيل بأن الاسم جاء لكونهم تركوا الإسلام في البداية فسُمّوا «التوارك»، وقيل لأنهم تركوا المسيحية إلى الإسلام، فسُمّوا بهذا الاسم، في حين يرى البعض أنهم تسمّوا على اسم قبيلة تُدعى «تاركة»، وقيل أن أصولهم ترجع إلى «صنهاجة» .

أهم الحركات الجهادية في المنطقة :

في تحليلنا لواقع الجماعات الإسلامية الناشطة في منطقة الساحل و جنوب الصحراء ، سوف نحاول الوقوف على أنواع هذه الجماعات و استراتيجياتها الجهادية، و كذا تحالفاتها على الشكل التالي :

  •     حركة أبناء الصحراء للعدالة الإسلامية :

أسست في أكتوبر سنة 2007 ، عناصرها من أبناء الولايات الجزائرية الجنوبية و هي على صلة وثيقة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ، اعتمدت الفكر السلفي الجهادي نهجا لها مطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية ، ورغم أن الحركة أعلنت أن نشاطاتها تقتصر على مواجهة النظام الجزائري ، إلا أن اعتناق عناصرها للفكر الجهادي و تمركزهم في شمال مالي ، جعل منهم شركاء في تأسيس الكيان السلفي في الصحراء الأزوادية.

  • القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي:

تعود جذور هذا التنظيم إلى “الجماعة السلفية للدعوة و القتال” الجزائرية GSPC ، التي أعلنت في 24 يناير 2007 عن تغيير اسمها ليصبح “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” AQMI ، بعد موافقة زعيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن. و عقب نجاح الجزائر نسبيا في الحد من نشاط التنظيم بأراضيها مما ترتب تراجعه و انحساره، ليقرر الإنتقال إلى شمال مالي بمنطقة أزواد في حدود سنة 2003، مع تركيز هجماته على الجزائر دون غيرها، لتصبح بذلك التنظيم الجهادي الأقدم في المنطقة و الأكثر خبرة، و الأقدر على التواصل و إقامة العلاقات مع المجتمعات المحلية و شيوخ القبائل هناك من عربٍ و طوارق، و يتزعم التنظيم “أبو مصعب عبد الودود ” و اسمه الحقيقي “عبد المالك دروكدال” الذي ينحدر من مدينة مفتاح (30 كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائرية)، وهو الطالب بقسم الكيمياء بجامعة البليدة (50 كلم جنوب غرب العاصمة الجزائرية) الذي انخرط سنة 1993 في صفوف “الجماعة الإسلامية المسلحة” GIA كخبير في صناعة المتفجرات بعد تجنيده من طرف “سعيد مخلوفي”، الذي يعتبر أحد المنظرين السابقين للجماعات المسلحة في الجزائر ، و قد تدرج دروكدال في سلم المسؤوليات بالجماعة إلى أن وصل إلى القيادة بعد أن خلف “نبيل صحراوي” على رأس  الجماعة بعدما اغتالته قوات الأمن الجزائرية في صيف 2004.

يسود اعتقاد أن تنظيم القاعدة هو المحرك الحقيقي من بين كل الفصائل الإسلامية المسلحة في شمال مالي، و حلقة الربط الأساسية بين التنظيمات المختلفة وصاحب اليد القوية بالمنطقة، كما أن العناصر التي تعمل بين صفوف “أنصار الدين” أو حركة “التوحيد والجهاد” ليسوا في النهاية سوى مقاتلين سابقين لدى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

يهدف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ” لتحرير المنطقة من الوجود الغربي – الفرنسي و الأمريكى تحديدا – والموالين له من الأنظمة “المرتدة” ،وحمايتها من الأطماع الخارجية، وإقامة دولة كبرى تحكم بالشريعة الإسلامية.

تنشط عناصر القاعدة في شمال مالي ضمن إطار إمارة الصحراء، وهي المنطقة التاسعة وفق التقسيم الإداري للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتسمى أيضا منطقة الجنوب.
حيث يقسم التنظيم شمال أفريقيا إلى مجموعة من المناطق العسكرية ، تمتد فيها “إمارة الصحراء” بين مالي ، النيجر ، نيجيريا ، ليبيا ، موريتانيا وتشاد، وتعرف لدى التنظيم بـ “صحراء الإسلام الكبرى “، ويتولى إمرتها “يحيي أبو الهمام” القائد السابق لـ “كتيبة الفرقان”، أما الناطق الرسمي باسم إمارة الصحراء فهو “عبد الله الشنقيطي”.

يتبع أمير الصحراء أربع مجموعات عسكرية تشمل كتيبتان وسريتان، فالكتيبتان هما كتيبة طارق بن زياد، وأميرها “عبد الحميد أبو زيد”، وكتيبة الملثمين، وأميرها “مختار بلمختار”، و تتمركزان في ولاية تمبكتو، أما السريتان فهما سرية الفرقان، وسرية الأنصار، وأميرها “عبد الكريم التاركي” ، و بعد ظهور الانشقاقات ، خرج أمير كتيبة الملثمين وكون تنظيما منفصلا ، كما تضم هذه الكتائب والسرايا كل الجنسيات الموجودة بالمنطقة، إضافة إلى بعض العناصر من أصول غربية، و قد شكل التنظيم كتيبة جديدة حملت اسم الأمير المرابطي “يوسف بن تاشفين” ،أسندت قيادتها إلي أحد نشطاء التنظيم المسلح هو القيرواني “أبو عبد الحميد الكيدالي” نسبة إلى “كيدال” عاصمة قبائل الطوارق في الشمال المالي، ونشاطها يشمل كيدال و اجلهوك وسلسلة جبال “تغير غاريم” الممتدة حتى الحدود مع الجزائر ، وهي المنطقة التي يعتقد أن التنظيم قد أقام قواعده المحصنة بها ، و يعد عدد المقاتلين بالمئات، في حين يقدر عدد المجموعات الصغيرة المنتسبة للتنظيم بنحو سبعين خلية.

تجدر الإشارة أن الهيكلية التنظيمية للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تتسم بالتعقيد والشمول ، وهي تعكس صورة العمل الجماعي للقاعدة، حيث تتكون قيادة التنظيم من أمير التنظيم، مجلس الأعيان، و رؤساء اللجان والهيئات الذين يشّكلون ما يعرف بمجلس شورى التنظيم، وتقوم مهامه على تنسيق العمل بين مختلف المستويات القيادية.

  • حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقياMUJAO :

إحدى أهم الحركات الإسلامية المسلحة التي ظهرت أواخر سنة 2011 و التي تنشط بالمناطق الشمالية، وهي حركة منبثقة عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ويقودها (محمد ولد نويمر) ، حيث يؤكد بعض  المتتبعين أن أبرز قياداتها الفعلية هم “حمادة ولد محمد خيرو”، و “سلطان ولد بادي” و هو شخصية أزوادية، و “أبو الوليد الصحراوي”، ثم “لحبيب عبدي سعيد” المتحدث باسم التنظيم ، في حين أن أغلب عناصر الحركة من العرب ، و هي تدعو إلى الجهاد في غرب أفريقيا، وتتمركز سيطرتها في مدينة (قاو) الواقعة على نهر النيجر في شمال شرق مالي، وكانت “التوحيد والجهاد” تتقاسم السيطرة على المدينة مع “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” بعد طرد الجيش المالي منها، و إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية فيها.

بفضل ما يتوفر لديها من موارد مالية، وما تملكه من روابط قبلية، وما لها من حضور ميداني، استطاعت حركة “التوحيد والجهاد” طرد جميع مناوئيها الطوارق من مدينة أسونغو ، و تبقى أخطر عملياتها الدموية ، اختطاف دبلوماسيين وأجانب في منطقة غاو، و تنفيذ الإعدام بحق دبلوماسي جزائري بعد أن رفضت السلطات الجزائرية إبرام اتفاق معها، يقضي بالإفراج عن إسلاميين معتقلين وفدية تقدر بنحو 15 مليون يورو.

     تنظيمياً، أعلنت الحركة أن جناحها العسكري يتكون من أربع سرايا عسكرية هي: سرية عبد الله عزام، وسرية أبو مصعب الزرقاوي، وسرية أبو الليث الليبي، وسرية الاستشهاديين، وللحركة كتيبة أخرى تتبعها تعرف ب (كتيبة أسامة بن لادن) يتزعمها عضو مجلس شورى جماعة التوحيد والجهاد “أحمد ولد عامر” المعروف بـ”أحمد التلمسي”  .

  • حركة “أنصار الدين “السلفية الجهادية:

تعتبر إحدى أكبر الحركات نفوذا في إقليم أزواد ، و هي حركة إسلامية مسلحة، ذات توجه سلفي، تسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية على كامل التراب المالي، لكن لا تطالب باستقلال شمال البلاد ، تأسست على يد الزعيم التقليدي ”إياد آغ غالي” في ديسمبر 2011، وهو من أبناء أسر القيادات القبلية التاريخية لقبائل ”الإيفوغاس”، و قد خاض القتال ضد حكومة مالي في تسعينيات القرن الماضي ضمن صفوف “الحركة الشعبية لتحرير أزواد”، و بعد توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة المالية و المسلحين الطوارق سنة 1992 تم تعيين “إياد أغ”، الزعيم اليساري الثوري، قنصلاً عاماً لجمهورية مالي في جدة بالسعودية، ليتشبع بالفكر السلفي الجهادي، و بعد عودته إلى مالي في حدود سنة 2000 ، بدأ بتنظيم صفوف المقاتلين الطوارق ليشكلوا نواة تنظيم “أنصار الدين”، بعدها تحالف مع “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، ذات التوجه العلماني، ليوقع الطرفان أواخر شهر ماي سنة 2012 اتفاقاً يقضي بتقاسم السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركات المسلحة، و إنشاء “المجلس الانتقالي للدولة الإسلامية في أزواد”، و لم يٌعمّر ذلك التحالف طويلاً، فبعد إحكام “أنصار الدين” قبضتها على مدينة تمبكتو الأثرية أواخر شهر يونيو سنة 2012 عملت الجماعة السلفية على هدم الأضرحة الصوفية والعتبات الدينية بتومبوكتو التي أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي عام 1988 ، وهو ما لاقى ردود فعل شديدة على المستوى الدولي ولدى منظمة اليونسكو ، بعدها  قامت بطرد مقاتلي “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، لتسيطر بتحالفٍ مع حركات جهادية أخرى، على مدينة كيدال الاستراتيجية في 30 مارس سنة 2012 .

  • كتيبة “أنصار الشريعة” :

أسسها “عمار ولد حماها” المنحدر من قبائل البرابيش العربية في 9 ديسمبر 2012، و توصف بأنها “التنظيم الإسلامي العربي الوحيد” في المنطقة  ، و سبق لزعيمها في البداية أن انخرط في جماعة الدعوة والتبليغ لينتقل بعد ذلك إلى ما وصفه بـ”مرحلة السيف” مع تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي وكتيبة (الملثمين) ، ثم تنظيم (التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا) ، فحركة (أنصار الدين) . عرف بالكاريزما القوية نتيجة لحضوره اللافت ولغته الفرنسية “الحادة” التي يثقنها أكثر من أي زعيم إسلامي آخر في الشمال، و استطاع إقناع أغلب عناصر الجبهة العربية الأزوادية من القبائل العربية في تمبكتو بالالتحاق به ، مستغلا دعم العرب الموجودين في منطقة غاوه.

v                        كتيبة الملثمين:

تُعد أهم الكتائب العسكرية التابعة ل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و هي تتبع لإمارة الصحراء في البنية الهيكلية للتنظيم التي يقودها أمير منطقة الصحراء “يحي أبو الهمام” ، و كان يتولى إمارة الكتيبة “مختار بلمختار” أو “خالد أبو العباس”، قبل أن يتم عزله بقرار من قيادة التنظيم في 12 أكتوبر سنة 2012، و أرجعت القاعدة قرار عزل أبو العباس إلى “عدم التزامه بسياسة التنظيم، وكثرة اجتهاداته المخالفة لتعليمات الإمارة”، ليؤسس “مختار بلمختار” كتيبة جديدة أطلق عليها إسم “الموقعون بالدماء”.

v                        كتيبة “الموقعون بالدماء:


       كما سبق الذكر، يتزعمها الجزائري “مختار بلمختار” وكان قد شكلها حديثا بعد عزله من زعامة “كتيبة الملثمين” من قبل تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، و أغلب عناصرها من فئة الفدائيين، وبالرغم من ذلك ظل زعيمها حريصا على التزامه بوحدة القرارات التي تتخذها التنظيمات المسلحة حيال الأزمة في شمال مالي. و قد دشنت هذه المجموعة عملياتها بالإعتداء على منشأة الغاز بعين أميناس الجزائرية (1300 كلم جنوب شرق الجزائر) في 16 من يناير سنة 2013.

  • جماعة المرابطون:

 

أُعلن عن تأسيسها في 22 غشت سنة 2013 بعد اندماج كتيبة “الموقعون بالدماء” و “حركة التوحيد و الجهاد في غرب إفريقيا”، و كان التنظيمان يتقاسمان النفوذ في مدينة غاو قبل طردهما منها بعد انطلاق عملية “السيرفال” SERVAL  التي قادتها فرنسا مطلع يناير سنة 2013، و قد وقّع بيان الإندماج كل من مختار بلمختار عن “الموقعون بالدماء” و أحمد ولد عامر عن “التوحيد و الجهاد”، وتعاقب على قيادته ثلاثة أمراء هم : أبو بكر المصري ،أحمد ولد العامر ، وعدنان أبو الوليد الصحراوي، وقد قتل اثنان منهم، بينما قرر مجلس الشورى عزل الثالث وتنصيب الأمير الجديد “مختار بلمختار”، و تبنى التنظيم العديد من العمليات في بعض بلدان الساحل أعنفها الهجوم الذي استهدف مقاتلين ينتمون إلى تنسيقية حركات أزواد، و هي حركة تمرد سابقة يهيمن عليها الطوارق، كما استهدف الهجوم أيضاً مجموعات مسلحة موالية للحكومة المالية و أودى بحياة أكثر من ستين شخصاً، و أخيرا هجوم على مطار “غاو” إلى أن اغتيل بتاريخ 14 يونيو سنة 2015 على إثر غارة فرنسية.

  • جبهة تحرير ماسينا:

 

تسعى إلى إحياء القوميَّة الفولانيَّة و الانفصال عن بماكو، وتنهَج منهج الدولة الإسلاميَّة الفولانيَّة (دولة دِينا) التي أقامها “أحمد لبُّو” في إقليم ماسينا في القرن التاسع عشر الميلادي( 1818- 1862م)، تُطبِّق الشريعة الإسلاميَّة وتمنع القوانين الوضعيَّة، غالبيَّة أعضاء هذه الحركة من الفلانيين الذين كانوا يُقاتِلون في شمال مالي، وقد عُرِفت مجموعتهم بـــ” كتيبة ماسينا”. أعلنت عن تأسيسها في أبريل 2015م بقيادة “أحمد كُفَّ”، نسبة إلى قرية كُفَّ بمنطقة موبتي، وهي على علاقة وثيقة بالقاعدة وحركة أنصار الدين، ودعت للانضمام  إلى حركة بوكو حرام ، و تشكل كتيبة تحرير ماسينا خطرا حقيقيا في منطقة أزواد و في الشريط الجغرافي لدول الساحل الإفريقي ، بسبب قوة حركتها وسرعة امتدادها العسكري ، بحيث يقدر عدد المسلحين التابعين لها ما بين 1000 إلى 4000 مقاتل.

  • المرتكزات الفكرية لكتيبة تحرير ماسينا:

تعتمد الكتيبة على عدد من المرتكزات الفكرية أهمها :

– إحياء القومية الفولانية في غرب إفريقيا وإحياء الإمبراطورية التي قامت في القرن الـ19، وتوسيع امتدادها في العديد من الدول الإفريقية باعتبارهم سادات الساحل.

– تبني إستراتيجية القاعدة في المغرب الإسلامي في مالي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل عام والعمل مع أنصار الدين من أجل ذلك.

– مقاومة التدخل العسكري بقيادة فرنسا في شمال مالي والعمل من أجل الوحدة بين الجماعات الجهادية في غرب أفريقيا من أجل مقاومة فرنسا .

– السيطرة على المزيد من ولاة الأقاليم ورؤساء البلديات، من أجل إقامة دولة إسلامية .

– منع القوانين غير الشرعية والمخالفة للدين الإسلامي.

  • الدولة الإسلامية:

 

جاءت أول بيعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” من طرف جماعة المرابطون، التي أعلنت في 13 ماي سنة 2015 عن مبايعتها لأبو بكر البغدادي، و تعيين أمير جديد للتنظيم هو “عدنان أبو الوليد الصحراوي” و اسمه الحقيقي “لحبيب ولد علي ولد الجماني”، من قبيلة الركيبات، مقيم في مخيمات العار بتيندوف – البوليساريو- بالغرب الجزائري ، و يُعتبر هذا الإعلان أول وجود فعلي لتنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة أزواد و لم يعمّر ذلك الوفاق طويلاً، حيث طفا الخلاف و الشقاق على السطح مجدداً ليتفق مجلس الشورى على مبايعة “مختار بلمختار” و عزل “أبو الوليد” و إبطال بيعته لتنظيم “الدولة الإسلامية”، ليعاود “عدنان أبو الوليد” الظهور مجدداً بإسم كتيبة “المرابطون” في شريط فيديو قصير بثته وكالة أعماق التابعة للتنظيم، مجدداً البيعة للبغدادي، و هو ما يعني حسم الخلاف لصالحه و تنحية خصمه “مختار بلمختار” من هرم قيادة التنظيم.       

  • جماعة نصرة الإسلام و المسلمين JNIM:

تشكلت في مارس سنة 2017 ، تحت لواء “إياد أغ غالي” ، وتضم تحالف أربع جماعات ، و هي أنصار الدين ، حركة المرابطون ، القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي و لواء ماسينا ، و يعتبر هذا التحالف أكبر تجمع للإرهابيين في المنطقة بقيادة محلية طوارقية مع إبعاد كلي للقادة الجزائريين و المغاربيين ،و قد ركزت معظم عملياتها على المثلث الإقليمي الذي يشمل ليبتاكو غورما على الحدود الواقعة بين مالي ، بوركينا فاسو و النيجر، و رغم انصهارها في فكرة الجهاد العالمي ، إلا أنها ركزت فقط على منطقة الساحل و غرب إفريقيا كمسرح لعملياتها.

من الملاحظ أن الجماعات الجهادية الناشطة في شمال مالي تتسم عموماً بكثرة انتقال العناصر و القيادات من جماعة إلى أخرى، ما يعقد من المشهد و يُصعب عملية الفهم و التمييز. و رغم كثرة الانشقاقات ، و تغيير التسميات و الولاءات، و ضعف التواجد الحكومي بالمنطقة ، و صعوبة الأرض جغرافياً ، و تعقيد و تداخل التركيبة السكانية، فضلاً عن محدودية إمكانيات الدول المجاورة ، كلها عوامل ساهمت في انتشار تلك الجماعات و تقوية التنسيق فيما بينها و تقاسمها السيطرة على المدن ، و هو ما يعني أن خلافاتها لا تعدوا كونها رمزية و أن تغيير الأسماء و الشقاق لا يتعدى تبادل تكتيكي للأدوار خدمةً للهدف المشترك المتمثل في مَسكِ الأرض و السيطرة على المدن، و لازالت الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة أزواد قادرة على الصمود و البقاء و إعادة توحيدِ و رصِّ صفوفها، و ذلك رغم الوجود العسكري الفرنسي الكثيف و تحالف الدول المجاورة للقضاء عليها.

أخيراً يمكن القول، أن النظام الجزائري قد نجح في تصدير أزمة الحركات الجهادية السلفية إلى الجنوب و بالضبط مالي، مما جعله ينأى بنفسه عن أي مشروع لقيام دولة الخلافة على أراضيه ،مع تتبعه للوضع من بعيد ، و عدم تقديم أي مساعدة فعلية للنظام السياسي المالي لحل مشكلة الطوارق ، لكي لا يجد نفسه مضطرا لحل نفس المشكل لنفس الأقلية التي على أراضيه الجنوبية ، كما أنه و في مفارقة غريبة يدعم النسق السياسي المتمثل في انصهار هده -الأغلبية- في المجتمع المالي بعيدا عن أي انفصال ، مركزا على تنمية هذه المناطق في الشمال المالي ، في حين نجده يدافع بشراسة عن ملف جبهة البوليساريو لعقود ،أملا في نيلها للانفصال رغم أنهم فقط أقلية تقدر ب 60 ألف شخص حسب تقديرات البرلمان الأوروبي ، مما يدل على أن الخطاب الجزائري الذي يدعي نصرة الشعوب ، و الأقليات ، والحفاظ على الحدود الموروثة بعد فترة الاستعمار لا يعدو أنه خطاب مصالح ، و يسعى لزعزعة الاستقرار في القارة الإفريقية من خلال تصدير الأزمات إلى دول الساحل و الصحراء الهشة ، و يخدم السياسة الراديكالية للحرب الباردة التي لا زالت الجارة الشرقية حبيسة لها.

 

د . عبد العالي وهــــاب

حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي و العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى