fbpx
تحقيق

الجديدة… البلدية المطحنة

اختلالات لا تتوقف والمال العام في مهب الريح وسيناريو محاكمة الرؤساء يتكرر
هل يكفي وضع شكاية جنحية أو إدارية للتنصل من المسؤولية في التسيير الذي ينجم عنه تبديد المال العام وتضييع فرص الإقلاع؟ وهل تستثنى سلطة الوصاية، وعلى رأسها عامل أي إقليم، من الخروقات التي تسجلها تقارير المفتشية العامة؟ وما معنى المراقبة القبلية والآنية، إن لم توقفا نزيفا يتعرض له المال العام، وإرجاء ذلك إلى حين انتهاء الفترة الانتدابية، عند المراقبة البعدية أو شكايات جمعيات المال العام…

إنجاز: أحمد سكاب (الجديدة)

بلدية “تطحن” رؤساءها
من سوء الصدف، أن بلدية الجديدة المجاورة للعاصمة الاقتصادية ومركز أكبر قطب فلاحي بالمملكة، عاشت في الفترتين الانتدابيتين السابقتين على وقع متابعات قضائية، لم يسلم منها موظفون، وتعدتهم إلى رئيس الجماعة ثم الرئيس الذي قبله، والذي مازال يقبع في سجن عين السبع 1 ينتظر محاكمته من أجل جرائم عنوانها العريض تبديد المال العام.
كان الجميع يعتقد أن المحاكمات التي عرفتها بلدية الجديدة والجماعات المجاورة، ستحقق الردع العام، وترسم حدودا لنموذج التسيير الجماعي، إلا أن ذلك لم يكن، إذ ما أن انطلق المجلس الحالي في تسيير الشؤون العامة، حتى بدأت المشاكل وفاحت روائح تنذر بأن الغد سيكون مثل الأمس، وأن القضاء سيتدخل مرة أخرى بهذه البلدية.
تحولت وجهة المتتبعين للشأن العام بعاصمة دكالة إلى النيابة العامة باستئنافية البيضاء، فهناك رئيس متابع ويوجد في حالة اعتقال، وهناك اتهامات تلاحق الرئيس الجديد، بعضها بني على ما استنتجته لجنة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية، وأخرى رصدها أعضاء، إما تحت وطأة رد الصاع صاعين، أو بعد وقوفهم على مكامن خلل أقل من تلك التي زجت برؤساء آخرين في السجن.

إقرار بالاختلالات
شكل تقرير للمفتشية العامة لوزارة الداخلية، النقطة التي أفاضت الكأس، وكشفت أن تدبير الشأن العام، تعتريه اختلالات، كما حدد نقاطا كثيرة أدمجت في خانة الأخطاء المسجلة على الجماعة سواء في مجال تدبير الجبايات المتعلقة بالأراضي العارية أو في مجال الأشغال التي همت مجموعة من المشاريع، التي كان ينتظر أن تحقق الإقلاع، بينما ورطت الجماعة في سوء تدبير انعكس سلبا على المال العام.
وبينما دفعت تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية عمال العمالات والأقليم إلى اتخاذ المتعين وفق مساطر انتهت بإقالة مجموعة من رؤساء الجماعات الحضرية منها والقروية، فإن الجديدة سارت عكس ذلك، وتم عرض أخطاء الجماعة المكلفة على أنظار المجلس في جلسة عرفت تجاذبات لم تكد تنتهي حتى تفجرت اختلالات جديدة، ظهرت بالملموس في صفقات عمومية آخرها صفقة دكاكين سوق السمك التي مازالت حديث الرأي العام المحلي.
وفضح تقرير تدقيق العمليات المالية والمحاسباتية، للمفتشية العامة للإدارة الترابية، عن عدة اختلالات شابت الصفقات، كما أظهر طرقا احتيالية لمراوغة القوانين، لدرجة أن الرئيس الحالي، لم يقو على الإجابة عن تلك الاختلالات، بل حاول في ردوده أن يرمي الكرة في مرمى الآخرين، سيما الموظفين بأن ادعى أنه كان ضحية لموظف كذا أو أنه لم يرد وقف استمرارية المرفق العام، رغم أن محاضر تسليم السلط والدورات تشهد أنه منذ البداية أظهر احترازا وشكك في سلفه، بل قدم شكايات بخصوص ملفات، وهو ما يوضح أن الرئيس كان ملما بكل جوانب التسيير، خصوصا أنه كان رئيسا للجماعة نفسها قبل سابقه.

شارع النصر
يعيب المتتبعون للشأن المحلي بالجديدة ما وصفوه بتبديد المال العام بخصوص أشغال شارع النصر، التي انطلقت في عهد الرئيس الحالي، عندما كان رئيسا للجماعة على فترة العامل زلو، إذ بعد أن وافق المجلس في دورته العادية لشهر ماي 2016، وفق المحضر رقم 4/2016، بإجماع أعضائه الحاضرين أثناء عملية التصويت، على اللجوء إلى المسطرة الحبية في النزاع القائم بين الجماعة والشركة المكلفة بالأشغال، وتدخل الرئيس ليوضح أن حظوظ كسب القضية المثارة في المحاكم ضئيلة، ملحا على مقترح المسطرة الحبية، لتفادي الأضرار، ما يوضح معرفته التامة بكل التفاصيل، لم تسو المسطرة الحبية وتم انتظار الحكم الذي كبد الجماعة حوالي 3 ملايير، بعد الحكم القضائي الإداري الذي تضمن أيضا فوائد التأخير، ما جعل منتقدي الرئيس يشككون في الأسباب التي دفعت إلى التلكؤ وعدم تسريع المسطرة الحبية. وانضاف إلى ذلك تبديد المال العام في بناء حائط الشارع نفسه، وفق الصفقة 03/2018.

المحطة الطرقية
ضمن الاختلالات التي بلغت حد رفع شكايات ضد الرئيس والمتورطين، ما يقع تحت وصف استغلال النفوذ وتبديد المال العام، من قبيل أن رئيس الجماعة الحالي فوت عليها مبالغة مالية ضخمة في مجموعة من المشاريع، مثل عقار المحطة الطرقية، الذي بالاطلاع على وثائق تفويته وقيمته الحقيقية يتضح الفرق الشاسع، بين الثمن الصوري الذي فوت به وقيمته الحقيقية في سوق العقار بالمدينة، ناهيك عن تفويت عقار آخر موضوع الرسم العقاري 1563/ د ، والذي كان مركزا للاصطياف، والموجود في موقع إستراتيجي، إذ فوت ب 1100 درهم، رغم أن القيمة الحقيقية للعقار في هذه المنطقة الحيوية والسياحية يفوق ذ لك بأكثر من الضعف، وأن الثمن المرجعي لا يقل عن 2500 درهم للمتر مربع.

صفقة سوق السمك
أعلن عن الصفقة وحدد لها تاريخ، لكن المتزايدين اكتشفوا في اليوم المخصص لفتح الأظرفة أن الصفقة صورية، والدكاكين فوتت إلى آخرين.
وأدى ذلك إلى احتقان، خصوصا بعد إدراك أن المستفيدين دخلوا إلى سوق السمك وانطلقوا في استغلال المحلات التي آلت إليهم، قبل فتح أظرفة الصفقة، وهو ما كان موضوع معاينة أجراها مفوض قضائي تابع لنفوذ استئنافية الجديدة، بينما عمدت البلدية إلى نهج أسلوب المراوغة قصد إضفاء الشرعية على عملها الخارق لكل المساطر والقوانين، إذ فوجئ المرشحون من واضعي ملفاتهم بالبلدية وفق الشروط المعلن عنها في كناش التحملات، في اليوم المحدد لانطلاق عملية فتح الأظرفة، بإخبارهم أن العملية تم تأجيلها لعدم حضور الرئيس، لينسحب الجميع، قبل أن يظهر أشخاص يحملون طيا أصفر به نسخ لبطائق هوياتهم، هم أنفسهم المستفيدون، الذين شرعوا ا في استغلال المحلات.
ومن غرائب الصدف أن جميع المستفيدين، الذين رست عليهم الصفقة الصورية، اتفقوا على وضع ثمن موحد، هو الثمن الافتتاحي نفسه المعلن عنه في كناش التحملات، ما يؤكد أن هناك من أملى عليهم طريقة ملء الاستمارة والوثائق، ناهيك عن أنهم أدوا الثمن في اليوم نفسه لفتح الأظرفة، وليس طيلة فترة قبول الترشيحات. وفوجئ المرشحون الفعليون، بعد ذلك، برفض طلباتهم عن طريق رسائل، تبرز أن ملفاتهم ناقصة.
وحدث هذا على مرأى ومسمع من السلطة المحلية وعامل الإقليم، بل أكثر من ذلك أشار مقصيون إلى أن ضمن المستفيدين رجل وابنه الطالب، استفادا من دكانين، وأن المحسوبية تحكمت في التوزيع.

التحكم
يتهم الرئيس في شكايات موضوعة لدى النيابة العامة، بأنه استغل التحكم في المعلومة المتعلقة بتصاميم التهيئة وتحديد المدار الحضري، والوصول إليها قبل الآخرين، على اعتبار أنه رئيس جماعة في فترة سابقة وحاليا، ما مكنه من اقتناء عقارات باسمه أو اسم فروعه بأبخس الأثمان، مستغلا نفوذه قبل أن يضمها المدار الحضري، وهي عقارات كبيرة اقتنيت بين 2014 و2016، ويتهمه خصومه بأنه اقتناها بناء على المعلومات، التي يحصل عليها باسم وظيفته رئيسا للجماعة ويمررها للمجلس في إطار التصويت على تصميم التهيئة، لعلمه بأنها ستتحول إلى عقارات بأضعاف ثمنها، وهو ما يمنعه القانون ويجرمه، إذ يدخل ضمن خانة تجاوز المنافسة واستغلال النفوذ والاغتناء غير المشروع بامتلاك معلومات لا يملكها الآخرون، ووضع منصبه لغايات ومصالح شخصية، وغيرها من الجرائم الأخرى.

أموال في مهب الريح
لم تتوقف انتقادات تسيير المجلس الجماعي للجديدة، وتضييع المال العام، وهو ما خلص إليه تقرير المفتشية العامة للداخلية، وكذا ملاحظات المتتبعين، فبالنسبة إلى ما يسمى عقار “لافارج”، مركز الاصطياف سابقا والذي كانت به بنايات، والموجود في موقع سياحي بمدخل المدينة، فقد تم تفويته بمبلغ 1١00 درهم للمتر المربع، ضدا على التنطيق والثمن المرجعي للضرائب، اللذين يؤكدان أن الثمن الأدنى للمتر المربع، بهذا الموقع هو 3000 درهم، وبذلك حرمت ميزانية الجماعة من مبالغ ضخمة، قدرت بأزيد من ثلاثة ملايير. وسبق لمستشار جماعي سابق أن عقد ندوة، وسجل شريطا مازال محتفظا به، فضح فيه اسم الشركة التي ستفوز بالصفقة قبل الإعلان عنها، ما يزيد من علامات الاستفهام، ومن موقف عامل المدينة، الذي يكتفي بالتفرج على مشاهد تبديد المال العام.
جماعة الجديدة، التي يقبع رئيسها السابق بسجن عكاشة، في انتظار الحكم عليه، وزج برئيسها الأسبق أيضا في السجن بسبب التسيير وتبديد المال العام في ما سمي المقاهي الشاطئية، كما زج بموظفين في السجن وآخرين متابعين، أصبحت كالمطحنة التي تفرخ أسلوبا جديدا من التسيير، إذ ينتظر أن تخرج مفاجآت جديدة إلى العلن، بعد أن تقاطرت الشكايات على الوكيل العام لدى محكمة جرائم الأموال، وشرع في البحث عن مواضيع لها علاقة بتبديد المال العام واستغلال النفوذ، وهي المساطر المحالة على الفرقة الوطنية، بينما شكايات أخرى في الطريق، فهل كتب على الجديدة أن يصحح أخطاء تسييرها القضاء، بعد فوات الأوان وهدر فرص التنمية؟ ولماذا تتفرج وزارة الداخلية في شخص عامل الإقليم والمفتشة العامة، على مشاهد تعيد المدينة إلى سابق فصولها، وتنذر بمحاكمات جديدة، لن يستفيد منها المواطن أي نتيجة، بقدر ما ستسبب انتكاسة وتراجعا وتضييعا لفرص كان بالإمكان تداركها، عن طريق المراقبتين، القبلية والآنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى