fbpx
مقالات الرأي

قراءة قانونية حول الاتفاق التركي – الليبي

 

من الواضح أن الصراع في ليبيا ازداد تعقيدا خاصة خلال هذه السنة ، كانعكاس طبيعي لزيادة عدد اللاعبين الدوليين المؤثرين في هذا الصراع و الزج فيه بثقل كبير ، رغبة من كل لاعب بأن يفرض رؤيته التي تحقق مصالحه في ليبيا عن طريق الفاعل المحلي الذي يدعمه .

و بالنظر إلى الواقع الميداني وخريطة السيطرة و تبذلاتها ، فيمكن القول أن الدعم التركي الذي ازدادت كثافته منذ مطلع سنة 2020 ساهم بشكل كبير في تعديل موازين المعركة لصالح حكومة الوفاق الوطني الليبية ، و هذا بطبيعة الحال يجعل التكهن برد فعل معين من قبل المحاور الأخرى المساندة لقوات حفتر أمرا بديهيا ، و بالتالي قد تتجه البلاد إلى موجة جديدة من الصراع تكون أكثر حدة من الموجات السابقة ، سيكون مسرحها الأساسي الساحل الشمالي الليبي و وسط البلاد و الساحل الغربي أيضا.

و من غير المرجح أن تفلح الجهود الأممية على المدى القريب و المتوسط في وضع حد للنزاع الدائر في ليبيا  في ظل عدم تجاوب الأطراف الدولية المؤثرة و الداعمة للفرقاء الليبيين ، ونزوعها للخيار العسكري لتعظيم المكاسب قبل التوجه إلى طاولة المفاوضات ،مما يجعل الانقسام  الجغرافي للأراضي الليبية مرشحا للاستمرار لفترة ليست قصيرة .

في هذه المقالة سنسعى للإجابة على مجموعة من التساؤلات التالية ، ما هي الأسباب الأساسية لإبرام مذكرة التفاهم التركية – الليبية؟ ما هو دور عامل جيوبوليتيك الطاقة في بناء التحالفات في حوض البحر الأبيض المتوسط؟ و ما مدى قانونية الاتفاق التركي – الليبي ؟

  • الثروات الطاقية للبحر الأبيض المتوسط :

يحتوي حوض شرق البحر الأبيض المتوسط على احتياطي غاز بمقدار 122 تريليون متر مكعب ،في مقابل 107 مليارات برميل من النفط الخام ، و في ضوء هذه الثروات الهائلة ،تسعى تركيا لأخذ نصيبها مع الحفاظ على حق الجزء الشمالي التركي من جزيرة قبرص في هذه الثروات ، و بالأخص في ظل سوء علاقاتها مع أغلب دول الحوض ، اليونان ، سوريا ، مصر و إسرائيل ، و في سنة 2013 ، أبرمت قبرص ومصر اتفاقية جديدة بخصوص ترسيم الحدود البحرية المشتركة التي لقيت استنكارا من طرف أنقرة معتبرة أنها غير قانونية.

و بتوقيعها مذكرات التفاهم حول ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني و العسكري المشترك في 27-11-2019، تواجه أنقرة اتفاقية مصر – قبرص ، باتفاقية مع ليبيا تطلق لها العنان لإجراء تحركات استكشافية في مساحات واسعة من البحر المتوسط بدون العوائق الجغرافية و السياسية ، كما يمكنها من امتلاك ورقة توازن قوى فاعلة ضد تحالف مصر – قبرص- اليونان و إسرائيل السياسي و الاقتصادي ، في محيط المتوسط الذي يشكل نموذجا مثاليا لصراع جيوبوليتيك الطاقة في حوض شرق المتوسط ، فمذكرة التفاهم تشكل حاجزا أمنيا – اقتصاديا بحريا أمام تحركات اليونان ، وتحديدا تجاه قبرص ، فالحاجز المذكور لا يقف على قدر إعاقة تحركات اليونان في المتوسط ، بل يصنع تداخلا معقدا مع منطقتها الاقتصادية الخالصة و يجعلها منعزلة عن حوض شرق البحر المتوسط إلى حد كبير ، وبالتالي ستضحى خاضعة لورقة ضغط تركية للتفاوض التوافقي مع أنقرة فيما يتعلق بثروات قبرص .

  • الآثار المترتبة عن مذكرة التفاهم  الليبية التركية:

يمكن إجمال أهم الآثار المترتبة عن هذا الاتفاق في تحديد مجالات الصلاحية البحرية من عدة جوانب :

  1. زيادة المساحة البحرية ووضع بعض الجزر:

تستفيد كل من ليبيا و تركيا على حد سواء حسب هذه المذكرة ، من خلال زيادة المساحات البحرية المسماة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة ، و هي التي يحددها قانون البحار لسنة 1982 في مادته 56 ب” 200 ميل بحري من خط الأساس الذي يقاس من عرض البحر الإقليمي ، وتمتلك الدولة الساحلية حقوقا سيادية على هذه المنطقة أغلبها تتعلق بالمحافظة و الاستغلال الاقتصادي للموارد الحية وغير الحية” حيث وسعت تركيا ما تسميه بالبحر الأزرق لمسافات كبيرة جدا ، في حين استعادت ليبيا مساحة بحرية تقدر بأكثر من 40 ألف كلم مربعا كانت اليونان تدعي أنها تدخل في مجالها البحري .

بموجب معاهدة لوزان سنة 1923 تنازلت تركيا عن سيادتها على مجموعة من الجزر التابعة لها لصالح اليونان ، و بحسب المذكرة التركية – الليبية فإن جزيرة “كريت” التابعة لليونان أصبحت من جديد خاضعة للسيادة التركية ، وهنا يكمن الخلاف اليوناني- التركي في أساس تفسير القانون الدولي، ففي الوقت الذي تستند اليونان فيه على قاعدة خط المنتصف في عملية ترسيم الحدود البحرية، ترى تركيا أن قاعدة التناسب (نسبة لطول السواحل) أولى بالتطبيق ، حيث  شكلت هذه القاعدة أساس التفاهم حول ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا، ويرتبط هذا الجدل بتفسير المادتين (46، و49) من قانون البحار، حيث تمنح الجزر منطقة اقتصادية خالصة تبدأ من مسافة مماثلة للجرف القاري وبحد أقصاه 147 ميلا بحرياً، وهنا  يبرز موطن الخلل، إذ لا ينص القانون على قاعدة حاسمة يمكن البناء عليها في تحديد المنطقة الاقتصادية، لكن مضمونه يشير إلى أن الأصل قائم على قاعدة التناسب في ترسيم الحدود البحرية، بحيث تكون الأولوية لإقليم الدولة المتصل أكثر بكثير من الجزر التابعة.

2 . المس بحقوق الدول الأخرى :

تشترط اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 في حالة الدول المتقابلة والمتجاورة و المتلاصقة في مسألة تحديد الجرف القاري ، التشاور بين هذه الدول من أجل التقاسم العادل للموارد الحية ، مما سيدخل مستقبلا ليبيا وتركيا معا في منازعات قانونية مع دول الجوار كاليونان وقبرص ، مع العلم أن آثار هذه المذكرة ستغير من الخرائط الخاصة بالأطراف الأخرى، إذ سيمنع اليونان مثلا من التواصل مع الحدود البحرية لقبرص.

  • دوافع الاتفاق التركي الليبي :

 

  • الرد على اتفاقيات الترسيم البحري بين كل من مصر ، اليونان وقبرص في إطار ما يسمى بمنتدى غاز البحر الأبيض المتوسط.
  • البحث عن موطأ قدم للتنقيب عن الغاز في الشرق الأوسط .
  • البحث عن الزعامة و القيادة للعالم الإسلامي .
  • دعم تنظيمات الإخوان المسلمين بالمنطقة خاصة بعد انتكاسات التنظيم مؤخرا في مصر و السودان وإعادتهم للمشهد السياسي بقوة في شمال إفريقيا .
  • ضمان سيطرت الشركات التركية على الاقتصاد الليبي و المساهمة في إعادة إعماره .
  • إعادة توظيف الميلشيات المسلحة و الجماعات الإرهابية الناشطة في سوريا في اتجاه ليبيا و إنهاء هذا العبء على الداخل التركي.
  • ما مدى صلاحية حكومة الوفاق الليبية في إبرام المعاهدات :

انبثقت حكومة الوفاق الليبية عن الاتفاق السياسي – الصخيرات – الموقع بتاريخ 17-12-2015 بمدينة الصخيرات المغربية ، و بالرجوع إليه في مادته 8 نصت صراحة على أن مجلس رئاسة الوزراء ككل ، و ليس رئيس المجلس منفردا يملك صلاحية عقد الاتفاقيات و المعاهدات الدولية على أن تتم المصادقة عليها من طرف مجلس النواب .

و بناء عليه يبقى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني محدود الصلاحية ، ويتمثل عمله في تسيير أعمال المجلس فقط ، و كذلك تسببت استقالة ومقاطعة عدد من أعضاء المجلس الرئاسي إلى خلل في عمله حيث قدم أربعة أعضاء استقالتهم من المجلس ، و هم : علي القطراني ، عمر الأسود ، موسى الكوني  و فتحي المجبري ، وبتقديمهم لاستقالتهم بات من الصعب بل من المستحيل توقيع أية اتفاقيات ومعاهدات في ظل الخلل الذي يعاني منه الجسم السياسي الليبي ، حيث تنص بنود اتفاق الصخيرات على أن مجلس الوزراء ككل يملك صلاحيات عقد اتفاقات دولية و ليس رئيس المجلس منفردا ، كما أن التشريعات الليبية تستلزم لضرورة دخول مثل هذه المعاهدات حيز التنفيذ مصادقة السلطة التشريعية برئاسة عقيلة صالح عيسى، وهو ما نص عليه أيضا الاتفاق السياسي الليبي الموقع بتاريخ 17-12-2015 .

و خلاصة القول، أن الوضع الحالي و الانقسام السياسي العميق ،و وقوع البرلمان بطبرق شرق البلاد المسيطر عليه من طرف القوات المسلحة التابعة للمشير حفتر ، نكون أمام وضع أقرب لاستحالة من حيث إمكانية القول بقانونية المذكرات لصعوبة المصادقة عليها ، كما أن عملية ترسيم الحدود البحرية فتبقى غير قانونية أيضا كون البلدين معا غير متجاورين و ليست بينهما حدود بحرية مشتركة ، ونستطيع الجزم بأن مذكرات التفاهم تحوم حولها شبهات عدم القانونية.

بقلم: د .  عبد العالي وهـــــــاب.

حاصل على دكتوراه في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى