fbpx
حوار

الحكومـة تفتقـد تصـورا لمـا بعـد الجائحـة

بركة قال إن أحزابا استغلت كورونا سياسيا عبر توزيع القفة والداعين لحكومة وطنية غير ديمقراطيين

قال نزار بركة، أمين عام الاستقلال، إن حزبه قدم خريطة طريق للنهوض بالاقتصاد الوطني، وتحسين أوضاع معيشة المواطنين، منتقدا قرارات الحكومة المتناقضة والسجال العقيم للأغلبية، ما أثر على سير المؤسسات. واستنكر بركة في حوار مع ” الصباح” استغلال أحزاب لجائحة كورونا لأغراض انتخابية، وتهرب الأغلبية من المحاسبة، واستعمال التحايل في الممارسة السياسية، ونشر خطاب المظلومية.
ودعا إلى تطبيق نمطين من الاقتراع الأحادي الاسمي الفردي، إلى جانب اللائحة، ومواجهة بارونات المال الذين أفسدوا الانتخابات. وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: أحمد الأرقام

< قدمتم مذكرة إلى رئيس الحكومة تتحدث عن10 ملايين مهددين بالفقر المدقع، هل هذا تشاؤم أم استندتم على دراسات؟
< الأمر لا يتعلق بالتشاؤم، بل بنظرة واقعية للظرفية الصعبة التي تجتازها بلادنا بفعل تداعيات جائحة كورونا، ف 10 ملايين مواطن مهددون بالعيش تحت عتبة الفقر، إذا لم تتحرك الحكومة بسرعة. فآلاف العمال يفقدون عملهم بفعل الصعوبات الكبيرة التي تواجهها المقاولات، خصوصا تلك التي تضررت بشكل مباشر من الأزمة، كما نفقد آلاف فرص الشغل التي يوفرها الاقتصاد غير المهيكل، و الفلاحون يعانون هذه السنة بفعل مخلفات الجفاف.
معدل البطالة من المنتظر أن يصل إلى مستويات قياسية حوالي 17 في المائة، بالإضافة إلى أن الفوارق الاجتماعية ستتعمق، وستتراجع القدرة الشرائية للمواطنين خصوصا الطبقة الوسطى، فيما ستزداد حدة الفقر والهشاشة، دون أن ننسى اتساع الفوارق المجالية.
هذا في الوقت الذي ستعاني ميزانية الدولة بسبب عجز مهم، بفعل تراجع واضح للمداخيل الجبائية، وتحويلات مغاربة العالم التي ستصل إلى ناقص 50 في المائة، وتراجع مساهمات قطاعات مهمة كالسياحة.. وغيرها. ولقد كنا سباقين إلى المطالبة بتعديل قانون المالية.

< إذن واقع الحال يؤكد أن المغرب سيدخل في أزمة عميقة تتطلب حلولا مستعجلة؟
< نحن فعلا أمام أزمة حقيقية، ولا بد من تعبئة الإمكانيات، والقدرات الوطنية لمواجهتها. ومن أجل استعادة تعافي الاقتصاد الوطني يلزم ذلك الوقت والعمل بجدية، في إطار إعمال مقاربة تشاركية بين القطاعين العام والخاص.
ومن جهتنا كحزب نوجد في المعارضة قدمنا مذكرة إلى رئيس الحكومة بمثابة مخطط " مارشال" بعنوان "إنعاش اقتصادي مسؤول وحماية اجتماعية قوية لبناء المستقبل"، وهي عبارة عن تصور شامل وخلاق للخروج من الأزمة.
فبلادنا في حاجة إلى خطة لإعادة بناء نموذجها التنموي، وليس مجرد إجراءات وتدابير معزولة لإنعاش الاقتصاد. نحن بحاجة لمشروع مجتمعي حقيقي يقوم على تقوية السيادة الوطنية في جميع أبعادها، وتعزيز مفهوم دولة الرعاية الاجتماعية، والنهوض بالتنمية المستدامة، والقطيعة مع الاختيارات الفاشلة، و المفرطة في الليبرالية .

< بغض النظر عن تجند المؤسسات لمواجهة كورونا وربح المغرب معركة بقاء المنظومة الصحية قائمة ، ماهي الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة في تدبير فترة الجائحة؟ 
< أولا، لا بد من الإشادة بالدور الأساسي والمحوري للملك، الذي جنب بلادنا كارثة حقيقية، بفضل رؤيته الاستباقية والشجاعة، وبعدها الاجتماعي والإنساني، إلا أننا لا حظنا أن تعامل الحكومة مع أزمة كورونا ورغم المجهود الذي قامت به، شابته العديد من الاختلالات، أولها ضرب الإجماع الوطني الحاصل، بمصادقتها في ظرفية استثنائية على مشروع قانون 22.20 المتعلق باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي، وما خلفه ذلك من صراع ومزايدات سياسية بين مكونات أغلبيتها، ومن رفض واضح للشعب المغربي، ثانيا تم إقصاء آلاف الأسر من الدعم المالي المباشر، وحاولت الحكومة تدارك الأمر ومع ذلك لا تزال فئات عريضة محرومة، وقد نبهنا الحكومة إلى ذلك في حينه، كما تابعنا احتجاجات في بعض المناطق على هذا الإقصاء.
ثم أضيف أيضا مشكل ضعف التواصل الحكومي، انضاف إلى اتخاذ الحكومة قرارات ارتجالية، وأخرى متناقضة مع بعضها البعض من وزارة إلى أخرى، إلى جانب المشكل الكبير المتعلق بغياب الرؤية لدى الحكومة، في ما يتعلق بتفعيل حالة الطوارئ الصحية، أو ما يخص مرحلة ما بعد رفع حالة الحجر الصحي.
وهناك غموض وضبابية كبيران، فقبل يوم من موعد نهاية التمديد لم تعلن الحكومة عن أي خطة لرفع الحجر ولا عن مراحله، حتى أن هذا الأمر أصبح موضوع سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي.

< اقترحت أحزاب من الأغلبية تشكيل حكومة وحدة وطنية  أو حكومة تقنقراطية لتدبير ما بعد كورونا، ماهو تعليقك على ذلك؟ 
< هل غيرت دول العالم حكوماتها المنتخبة ديمقراطيا في ظل جائحة كورونا؟ هذه دعوات نشاز ولا تتماشى مع الاختيار الديمقراطي الذي أقره دستور 2011 أحد ثوابت البلاد، وليس في صالح بلادنا العودة سنوات إلى الوراء. نحن نحتكم إلى الديمقراطية و الانتخابات في تشكيل المؤسسات المنتخبة، وبالتالي لا يمكن أن نقبل الالتفاف على الاختيار الديمقراطي، بتكوين حكومة تقنقراطية.
ومن ينادي بهذا النوع من الحكومات يساهم في الإجهاز على ما تبقى من الثقة في الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة ببلادنا.
ومعلوم أن التقنقراط والخبراء لهم أدوار مهمة في التنمية، لما يتوفرون عليه من خبرات تقنية، وينبغي أن يكونوا سندا للسياسي الذي يملك رؤية سياسية وبرنامجا انتخابيا وتصورا مجتمعيا متكاملا، وفوق هذا وذاك فهو الذي ينبغي أن يقدم الحساب خلال الانتخابات، ويخضع لمراقبة ومحاسبة المواطنين، وهذا ما لا يتوفر في التقنقراطي، ثم إنه لا ديمقراطية دون أحزاب سياسية.
وأريد أن أشير هنا أن حزب الاستقلال يمارس معارضة وطنية ومسؤولة وساهمنا في تعبئة الجبهة الداخلية، وتقوية الإجماع الوطني، ولم نستغلل الجائحة لتصفية حسابات سياسية، ولا لربح نقاط انتخابية، كما فعل البعض باستغلال توزيع القفة على الفقراء. فنحن نقوم بواجبنا السياسي انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية.

< هل تسعى أحزاب الأغلبية إلى التهرب من المحاسبة قبيل الانتخابات، بخلط الأوراق والتأكيد أن كل الأحزاب شاركت في حكومة وطنية؟ 
< المشكل الحقيقي هو أن بعض أحزاب الأغلبية تتهرب من مسؤوليتها السياسية منذ السنة الأولى لتنصيب الحكومة، بل وتتقاذف المسؤوليات وتتبرأ منها، وكل طرف يحمل المسؤولية للآخر في مشهد مثير للشفقة. فقد رأينا في مناقشة العديد من القوانين، كالقانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتعليم، والقانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وحتى في مناقشة قوانين المالية، هذا الصراع، إذ حصل سجال كبير في السنة الماضية بين مكونات الأغلبية في ما يتعلق بالمادة التاسعة من قانون المالية ل 2019 المتعلقة بتنفيذ الأحكام على الدولة. ونتذكر جميعا موضوع تضريب التجار، ونظام الفوترة الإلكترونية، ، وكيف تراشقت بعض مكونات الأغلبية المسؤولية في هذا الموضوع. و الأمر نفسه حصل أثناء مناقشة مجموعة القانون الجنائي، وفي تجريم الإثراء غير المشروع، وأخيرا مع مشروع قانون رقم 22.20 المتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن مكونات الحكومة "كلها يضرب على راسو" و"كلها يلغي بلغاه" يتهربون من المسؤولية السياسية، وهذا أمر غير أخلاقي.

المسؤولية والمحاسبة

< لكن ما مدى تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى السياسي؟
< من أهم أعطاب الحياة الدستورية والسياسية ببلادنا هو عدم تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ يعاني هشاشة كبيرة، وهو ما يفسح المجال أمام تفاقم الفساد ببلادنا، وعلى مكونات الأغلبية أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تأتي للانتخابات وتقدم الحساب للمواطنين، وتدافع عن حصيلتها إن كانت لديها حصيلة كما هو معمول به في الديمقراطيات العريقة، أما اللجوء إلى اصطناع تقاطب حزبي، وجر النقاش العمومي إلى مزايدات سياسوية عقيمة، فهذا يزيد من تعميق أزمة الثقة في الأحزاب السياسية، ويضر بالديمقراطية.
ونحن بحاجة إلى خطاب الوضوح، وعدم خلط الأوراق، وبذلك على كل طرف أن يتحمل مسؤوليته.

لم نطالب بتعديل الفصل 47

نحن لم نقل بتعديل الفصل 47 من الدستور ، ولنكن واضحين فنحن حزب ديمقراطي، وناضلنا طيلة سنوات وما زلنا، من أجل تثبيت الديمقراطية الحقة ببلادنا. وتحققت مكتسبات عدة، لكننا ما زلنا في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وهناك قوى لا تنظر لهذا الأمر بعين الرضا. فكما قلت لك نحن مع الاختيار الديمقراطي، وتخليق الحياة العامة، وإعطاء المعنى الديمقراطي للانتخابات، وذلك بعدم الالتفاف على إرادة الناخبين، ومخرجات العملية الانتخابية التي ينبغي أن يكون لها امتداد طبيعي في تشكيل المؤسسات المنتخبة.
وصحيح أن الحقل السياسي في حاجة إلى إصلاح حقيقي وتخليقه، وتنقيته من العديد من الشوائب والممارسات المسيئة للديمقراطية، وإقرار تعاقد سياسي جديد لكن دون تفريط في الاختيار الديمقراطي الذي أصبح من ثوابت بلادنا.
أنا لا أنطلق من ردود الأفعال. أنا أعبر عن قناعة سياسية وقيم حزبي ومبدأ ديمقراطي أدافع عنه. نحن لسنا في منطق حروب قطع الطريق. ولا أقبل إعادة إنتاج خطاب المظلومية منذ الآن، فالانتخابات لم تجر بعد، وحزب الاستقلال ستكون له كلمته في الانتخابات المقبلة إن شاء الله.
ينبغي أن تكون اللعبة الديمقراطية مبنية على التنافس السياسي الشريف بين الأحزاب، لا على الاحتيال السياسي، وعلى قواعد واضحة، ومبادئ أخلاقيات السياسة ونبلها، وتحالفات حزبية واضحة بناء على برامج ، حتى يكون المواطن على بينة من أمره. فلن نقبل أن تمارس الأحزاب التي تقود الحكومة لعبة الهروب إلى الأمام، وتتملص من مسؤولياتها في الانتخابات، ولا أن تتقمص أدوار المعارضة وتتبنى خطاب البراءة من الحصيلة.

نمط الاقتراع الفردي يشجع على المشاركة

المسألة لا تتعلق فقط بنمط الاقتراع ، نحن نطالب بإصلاحات سياسية وبإصلاح المنظومة الانتخابية ككل، وقد خصصت اللجنة التنفيذية لذلك خلوتين دراسيتين، وشكلنا لجنة خاصة لإعداد تصور الحزب، ونحن على وشك الانتهاء من ذلك، ووجهنا رسالة إلى رئيس الحكومة في بداية فبراير، نطالبه فيها بفتح مشاورات مع الأحزاب السياسية حول هذه الإصلاحات، من أجل الخروج بتعاقد سياسي بين الدولة والأحزاب، هدفه إعطاء دينامية جديدة للعمل السياسي والمؤسساتي ببلادنا ، واسترجاع الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة، وتقوية الاختيار الديمقراطي.
كما أننا طالبنا بفتح النقاش حول المنظومة الانتخابية برمتها، بما فيها اللوائح الانتخابية، والتقطيع الانتخابي، والعتبة الانتخابية، وتمثيلية النساء والشباب، والمشاركة السياسية لمغاربة العالم، وتاريخ الانتخابات، والحملة الانتخابية، بالإضافة طبعا إلى نمط الاقتراع.
ويمكن أن أقول إننا مع توسيع قاعدة الاقتراع الفردي، برفع سقف الهيأة الناخبة إلى أكثر من 35 ألف ناخب، ذلك أن التجربة بينت إيجابيات كل من النمطين، فالاقتراع باللائحة يقلل نوعا ما من استعمال المال الانتخابي، بينما الاقتراع الفردي يوفر ميزة مهمة وهي عامل قرب المرشحين من الناخبين، وهذا مهم جدا ومن شأنه أن يساهم في التشجيع على المشاركة في الانتخابات.

المال يهدد الانتخابات المقبلة

للأسف لاحظنا في الانتخابات التشريعية استعمالا للمال، وهذا الأمر من الأعطاب الكبرى التي تعانيها الديمقراطية ببلادنا. والمال يفسد السياسة. والانتخابات المقبلة قد لا تشكل استثناء من هذه الممارسة، ولربما شاهدنا استعمالا غير مسبوق للمال، لذلك علينا استباق الأمر ومعالجة هذا الداء الخطير. علينا منذ الآن أن ننكب دولة وأحزابا، على مناقشة هذا الموضوع بكل شفافية، وأن يكون ضمن حزمة التدابير وإجراءات الثقة التي ينبغي أن تطلقها الحكومة والدولة وأن تلتزم بها الأحزاب قبل الانتخابات.
كما ينبغي تشديد المقتضيات القانونية التي تجرم استعمال المال في الانتخابات، والضرب على أيدي السماسرة، وتقوية آلية مراقبة الانتخابات وتعزيزها على المستوى المحلي، والإبداع في إطلاق تطبيقات إلكترونية لرصد استعمال المال، والتبليغ عنه، و ضرورة التزام الإدارة بالحياد الحقيقي وبمسافة واحدة مع جميع الأحزاب والمرشحين، بل عليها تجاوز منطق الحياد إلى القيام بواجبها قصد حماية العملية الانتخابية من استعمال المال.
وقبل هذا وذاك أن تتوفر الإرادة السياسية للقطع مع هذه الممارسات المسيئة للديمقراطية ، والتي تزيد من تعميق أزمة السياسة ببلادنا، ولها انعكاسات خطيرة على المؤسسات المنتخبة وعلى أدائها وأدوارها بما تفرزه من فساد في التدبير العمومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق