حوار

النقطة: الطاقة عصب النموذج التنموي

أمين النقطة صاحب أطروحة هشاشة الدول قال إن الحكامة الاقتصادية بالمغرب ارتجالية وسطحية

أجرى الحوار: ياسين قُطيب – تصوير: عبد المجيد بزيوات

نبه أمين النقطة، الباحث المتخصص في الأنظمة الاقتصادية للدول الهشة، إلى أن الرهان على الطاقات المتجددة لن يجدي نفعا في حال دولة مازالت تبحث عن نموذج تنموي، مشددا على أن كل الاقتصادات الصاعدة تستفيد من قوة الارتكاز على الطاقات الأحفورية. وسجل المتحدث الحاصل على شهادة القانون القاري من جامعة السوربون بباريس أن الحكامة العمومية تعاني ضمنيا من افتقار مسار إستراتيجي واضح وشامل للتنمية، يمكن من حسن إدارة الأولويات وتحقيق الأهداف المسطرة.
في ما يلي نص الحوار.
> كنتم من أوائل المشتغلين على أعطاب النموذج التنموي من خلال أطروحة حول هشاشة الدول، هل يمكن اعتبار أن المغرب يدخل في هذه العينة من الدول؟
> لا شك أن المغرب شهد نموا وتطورا جذريا مقارنة بما كان عليه قبل مطلع القرن 21، هذا النمو والاستقرار اللذان يتسم بهما المغرب يحسد عليهما من طرف بعض الدول الجوار كالجزائر وغيرها، في هذا الصدد شهدت الدولة المغربية موجتين انتقاليتين:
الموجة الأولى ما بين عامي 2000 و2011 ، حقق خلالها المغرب قفزة اقتصادية نوعية ونموا ملحوظا، و الموجة الثانية منذ حلول 2011 الى يومنا هذا، ركز خلالها المغرب على ترسيخ دولة القانون و المؤسسات و تكريس مبدأ المساواة.
بالرغم من ذلك، لم يتمكن المغرب من الانفلات من خانة الدول التي تواجه مشكل الهشاشة، فمما لا شك فيه أن جوهر الإشكالية ينبثق أساسا وبشكل عام من افتقار المغرب لوجود نموذج تنموي فعال، وبشكل خاص يرجح ذلك لنموذج الحكامة المعتمد والذي يتسم بعدة ثغرات ويفتقر للشمول والوضوح.

> هل الأمر يتعلق بخلل ما أم أن النموذج غير موجود أصلا في المغرب؟
> مما لا شك فيه أن وجود نموذج تنموي هو أساس تطور الدولة، وبدون نموذج مسطر للتنمية، سوف نسقط حتما في الارتجال الاقتصادي والسياسي. لكن يتبين أنه إلى يومنا هذا يظل المغرب يفتقر إلى وجود نموذج تنموي. وفي الواقع، فإن المنظمات والأحزاب السياسية ومختلف المؤسسات العامة تسلط الضوء فقط على نماذج سطحية، شعارية وغير مسطرة.
ليس كافيا أن تحقق القدرة التنافسية وتطوير الرأسمال البشري من خلال تكافؤ الفرص، ووضع نظام حكم رشيد للتعليم، وتطوير الحكم الذاتي من أجل دعم الاحتياجات الخاصة للمواطنين خاصة الأشخاص المسنين، فكل تلك الأهداف تظل عاجزة على النهوض بالتنمية الاقتصادية للبلاد. وتجعل نموذج التطور والتنمية غارقا في الغموض والتعقيد. باختصار، فإن الحكامة العمومية تعاني ضمنيا افتقار مسار إستراتيجي واضح وشامل للتنمية، يمكن من حسن إدارة الأولويات وتحقيق الأهداف المتوخاة.

> ما هي أسس الحكم على النموذج المغربي بالهشاشة؟
> جميع المؤشرات الوطنية والدولية بما في ذلك مؤشرات التنمية البشرية تشير إلى أننا نعيش حالة من حالات الهشاشة، ويمكن الاستدلال على ذلك، أولا، بعلاقة المواطنين المغاربة بالسياسة العمومية وثقتهم بالمؤسسات. فوجود الثقة أو انعدامها ينبع أساسا من إيديولوجية الدولة، وتأثيرها وتعقيد النظام الحزبي، ومن خيبات الأمل المتكررة في الأحزاب والحكومية، وثانيا، بالبعد الجيوبوليتيكي للطاقة بالمغرب، فإذا كانت الطاقة تشكل 3% من الناتج المحلي الإجمالي بالمغرب، فإن 97% يعتمد عليها بالكامل، وهذا يعني أنه بدون أمن مستقر للطاقة، يظل خطر مشكل الهشاشة واردا. أما النقطة الثالثة، والتي تؤثر سلبا على تنمية البلاد، فهي ما يصطلح عليه بنموذج التنمية، إذ جاء الخطاب الملكي عام 2017 أمام البرلمان والحكومة وخطاب 2019 بمناسبة عيد العرش، موضحين فشل نموذج التنمية القديم الذي تبناه المغرب، مشيرين إلى أنه لابد للمغرب أن يعتمد نموذجا متطورا جديدا من أجل النهوض بالبلاد.

المغرب غير مسؤول عن الاحتباس الحراري

> هل يعني أن النموذج يجب أن يحل أولا مشكل التبعية الطاقية؟
> في الواقع، 90% من الطاقة المستهلكة يتم استيرادها من إسبانيا والجزائر، وبالتالي لا يمكننا أن نتحدث عن استقلال طاقي. علما أن تكلفة الطاقة المستوردة لوحدها تصل إلى 6,4 ملايير دولار سنويا. فتوجه المغرب في هذا المجال يجعله يتحمل مسؤولية بعيدة عن أولوياته ويرجع هذا إلى مسألتين أساسيتين:
أولا: إن المغرب وباعتباره بلدا يسير في طريق النمو، ورغم كل ما يشهده من نهوض اقتصادي وصناعي هام لا يشكل بتاتا خطرا على المناخ، إذ لا يمثل إلا نسبة ضئيلة قد تكون شبه منعدمة مقارنة بدول العالم الأخرى. وبهذا فإن المغرب غير مسؤول عن الاحتباس الحراري الذي يواجهه العالم الآن.
ثانيا: رغم كل الاستثمارات والجهود التي يبذلها المغرب في هذا السياق، يظل ولوحده عاجزا عن تخطي مشكل الاحتباس الحراري الذي يواجهه العالم، فبسبب، أن الطريق الذي يسير عليه معظم الدول العالم في المجال الطاق خاصة الصين والولايات المتحدة والهند فإن الاحتباس الحراري سيصل الى 1،5 درجة حرارة ما بين 2030 و 2052 ويرتقب أن يتجاوز هذه العتبة إذا لم يتم التعامل مع هذا المشكل بجدية وحزم من قبل قادة دول العالم المصنعة بالدرجة الأولى، من حكومات وقطاع خاص ومجتمع مدني كمشكل يهدد العالم بأسره.

الأمن الطاقي والغذائي من محددات الخلل

لتحديد مؤشرات الهشاشة وتقسيم مستوياتها ورصد عواملها الرئيسية التي تترتب عنها زعزعة الاستقرار، اعتبر أمين النقطة أن تشخيص الخلل وتقييم حالته ومحاولة تحديد أعراضه، تتم من خلال مؤشرات سياسية ومؤسساتية، تأخذ بعين الاعتبار النظام السياسي وسيادة القانون، والحياد المؤسساتي والسياسي تجاه مختلف الأقليات الدينية أو غيرها، ومشاركة المواطنين في أخذ القرارات السياسية، وعملية تسمية النخب اعتمادا على مبدأ الجدارة، ووضع القضاء واستقلاله.
ويمكن استجلاء المؤشرات الاقتصادي بحسب المتحدث انطلاقا من ملاحظة مدى توفر الأمن الطاقي والغذائي، وكذا مستوى النمو الاقتصادي للدولة الذي يظهر من خلال تنويع الأنشطة المدرة للدخل، فضلا عن النظام القانوني والمالي المعتمدين ومدى قدرتهما على تشجيع الابتكار وريادة الأعمال وخلق فرص شغل جديدة، إذ لا يكفي التوفر على نموذج تنمية اقتصادية، على اعتبار أن المسألة يمكن أن تكون عبارة عن نظام عميق أو فقط إستراتيجيات ومسارات ملموسة لتحقيق الأهداف، فيجب التوفر قبل ذلك على نظام إداري ذي أولوية وليس مجرد ارتجال اقتصادي وسياسي صادر عن قرارات نخب حاكمة.

هشاشة الدولة مصدر كل الأزمات

مفهوم هشاشة الدولة ليس مفهوما معاصرا، بل ظهرت تجلياته منذ آلاف السنين، إذ تم تداوله من قبل العديد من الحضارات، وكان ابن خلدون أحد علماء الاجتماع الأوائل الذين كان لهم السبق في طرح نظرية انهيار الدولة، ومنذ ذلك الحين، يتم الاستناد فقط على تصور تقليدي للدولة والتي تم تقدير عمر تداعياتها ما بين 40 و120 سنة، فتعريف الدولة الهشة أصبح يركز على التأثير الإنساني الذي يمكن أن يترتب على انهيارها، ذلك أن مؤسسات التنمية مثل البنك الدولي ولجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عملت في التسعينات، على تحديد مفهوم حقيقي ودقيق لهشاشة الدولة، بغرض تكثيف المجهودات من أجل تعبئة المساعدات الدولية.
تعتبر هشاشة الدولة مصدر كل الأزمات والنكسات الداخلية التي لا تقتصر على المنطقة فحسب، بل تشمل المجتمع الدولي بأسره، يرجع ذالك على شمولية العولمة.
فإذا كان الفقر هو المعيار الوحيد و الأكبر لتحديد هشاشة الدول ممكن القول إن معظمها في أفريقيا بسبب تزايد عدد الفقراء المدقعين في منطقة جنوب الصحراء بينما يتراجع في مناطق أخرى من العالم ,بينما كشفت الأزمة المالية لـ 2008 مختلف أشكال الهشاشة عبر العالم، سواء أكانت مالية أو هيكلية، بغض النظر عن مدى نمو الدولة وتطورها.

السياسات مسؤولة عن جودة التعليم

يؤكد صاحب هشاشة الدولة أن مؤشر التكافل، يعتمد على قياس مستوى التآزر الاجتماعي والسياسي وعلى قدرة الطبقة السياسية على تمثيل الأغلبية، ويرتكز على استمرار الأنشطة شبه العسكرية داخل الإقليم ومدى قوة السلطة الأمنية ومستوى الأمان.
ويشدد النقطة على أن المؤشرات الاجتماعية تفرض النظر بعين الاعتبار إلى الوضع الديموغرافي للدولة، إذ أن السياسات تتحكم بشكل مباشر في حجم وطبيعة السكان، ولا تقتصر على ذلك فحسب، بل إنها تشمل أيضا وضع التنمية البشرية، خاصة جودة التعليم والارتقاء الاجتماعي.
وخلص النقطة أن كل هذه المؤشرات ستمكن في نهاية التحليل من تقييم مستوى وحالة الهشاشة التي تمر بها الدولة، للوصول إلى حقيقة مفادها أن هناك عوامل أخرى لها تأثير مباشر على أوضاع الدولة كالعامل المؤسساتي وعامل الحكامة الجيدة ومختلف التدخلات الخارجية للدولة، وخير دليل على ذلك، ما يقع الآن وفنزويلا.

مطالب اجتماعية ملحة

> هل يعني ذلك أن الخلل الطاقي سبب ضعف الاقتصاد الوطني ؟
> في إطار العولمة والبحث الدائم لنمو شامل ومستمر، نجد معظم الدول الحديثة التي تسعى إلى تنمية قطاعاتها الاقتصادية المدرة للدخل وبالأخص القطاع الصناعي تركز وبشكل أساسي وحيوي على مصادر الطاقة القادرة على تلبية احتياجاتها الاستهلاكية الطاقية بأقل تكلفة ممكنة، وهذا بعيد كل البعد عما قد توفره الطاقات المتجددة كبديل للطاقة الأحفورية بغض النظر عما قد تسببه هذه الأخيرة من مخلفات وتأثير على المناخ والبيئة.
إن توجه المغرب نحو الاعتماد على الطاقات البديلة نابع من استراتيجيته وسياسته الديبلوماسية لتطوير الطاقات المتجددة والإسهام في تقليص الانبعاثات الغازية، ما جعله محط إعجاب العديد من المنظمات الدولية ومرجعا دوليا يحتذى به في هذا المجال، لكن جهوده على الانتقال من الطاقات الأحفورية إلى الطاقات المتجددة، لا يمكنها أن توفر لوحدها بأي شكل من الأشكال تنمية مستدامة قادرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية كتوفير فرص شغل جديدة، والنهوض بمجال التصنيع والعولمة الاقتصادية. وإذا كان المغرب قد أوقف كل الاستثمارات في مجال محطات توليد الطاقة التي تعتمد على الوقود الأحفوري كطاقة أولية، فإن باقي البلدان المتقدمة والمسؤولة عن أكبر قدر ونسبة من انبعاثات أوكسيد الكربون، ما زالت تستثمر أكثر وأكثر في محطات توليد وإنتاج الطاقة باستخدام الوقود الأحفوري.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق