حوار

المغاري: أطارد في الصويرة طيف والدي

المغاري تتحدث عن “بيت الذاكرة” وأسرار مدينة الرياح

نذرت نفسها لمكان سكنها أكثر مما سكنته. في البدء كان العشق الطفولي للصويرة وارتباطها بالذكريات التليدة ومراتع الصبا، وأيضا بفاجعة فقدان الوالد بغتة الذي رحل وفي وجدانه عشق أكبر لهذه المدينة التي احتضنت رائحة الأجداد والأسلاف، ليتحول كل هذا إلى محفز على الغوص في تلافيف الذاكرة، بعد أن تزودت بكل العدة المنهجية والأكاديمية التي منحتها القدرة لاستنطاق الحجر والأسوار والشخوص والوثائق في سبيل خلق مصالحة مع الماضي وإرثه بأبعاده المتعددة.
إنها مينة المغاري، الباحثة الجامعية والأكاديمية التي تجاوز صيتها المغرب الذي تعشق تاريخه وتنافح عن تراثه، وهي اليوم تتحدث من موقعها ضمن اللجنة العلمية ل”بيت الذاكرة” المحدث في الصويرة والذي يهدف إلى إبراز خصوصية هذه المدينة باعتبارها وجها من وجوه التعدد الثقافي والإثني والديني بالمغرب. كما تتحدث المغاري عن علاقتها بمدينة الرياح وهي التي كرست القسط الأكبر من مجهودها الأكاديمي للاشتغال على تاريخها المعماري والأثري، وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب و تصوير عبد الحق خليفة

> ما بين لحظات الطفولة وما تحدثه مدينة مثل الصويرة من وقع في نفسك، وبين عضويتك في اللجنة العلمية لمعلمة مثل “بيت الذاكرة” ، كيف يمكن أن تختزلي هذه المسافة زمنيا ومعنويا؟
> بالنسبة إلي ،لم تنته طفولتي الجميلة التي تفتح فيها وعيي على مغرب نهاية الستينات وبداية السبعينات، لقد كانت طفولة مشرقة بالأمل وبها عدة مزايا، بحكم أنها توزعت ما بين مسقط رأسي بأكادير ومسقط رأس والدي بالصويرة، هذه المدينة التي رافقتني كل هذا الزمن. كان والدي يحكي لي كثيرا عن الصويرة باعتبارها حاضرة ليست ككل الحواضر. إنها تبدو متوسطة المساحة، لكن مجالها تاريخيا أرحب وميدان إشعاعها أوسع. إنه زمن عاشه سكانها حافلا بفصول الإخاء والتعايش وتمازج الثقافات، زمن متجدد في فقرات رائعة.
وأيام الطفولة تطفو برائحة الذكرى للوصول لعبق الحاضر، مازالت تتراقص في ذهني حكايات سمعتها عن تلك الفقرات المتميزة التي عاش فيها اليهود والمسلمون جنبا إلى جنب في جو استثنائي يسوده الود والاحترام المتبادل. هذا التاريخ الاستثنائي جعلني عندما أصبحت باحثة في حقل التاريخ أتساءل عن تفاصيله. وهكذا يؤكد التنقيب في الوثائق المتنوعة أن الصويرة كانت عبر تاريخها جذابة منفتحة تستلهم من أفق البحار البعيدة روحها. مدينة تستضيف وتراكم ولا تبعد أبدا، إذ شكلت محضنا لكل الأفاقيين. إنها المدينة الأطلسية المتفردة المفتوحة على العالمية والمحاطة بروحانية قل نظيرها، وهو ما حاولت أن أظهره في ما كتبت عنها، خاصة في كتابي “مدينة موكادور ـ السويرة: دراسة تاريخية وأثرية”، والذي كان عبارة عن أطروحة دكتوراه الدولة، أي أن هناك تداخلا ما بين الصرامة العلمية الأكاديمية والجانب الذاتي الذي لا يخلو من شاعرية.

> الملاحظ أنكم في جمعية “الصويرة موكادور” انتقلتم من مرحلة الإشراف على التظاهرات الثقافية والفنية إلى الإسهام الفعلي في حفظ الذاكرة مع ما يطرحه هذا الانتقال من صعوبات مالية وإدارية؟
> لعل الأمر يتعلق بتراكم معرفي، من خلال اللقاءات الفكرية التي تتخلل فعاليات مهرجان “الأندلسيات الأطلسية” سنويا بالصويرة، وهي بمثابة جامعة حميمية يتم فيها تطارح الأفكار وتوليد النقاش، حول استثنائية الصويرة، وإبرازها.

> كيف قادك شغفك الطفولي وعشقك الخاص لهذه المدينة إلى التخصص في أركيولوجيا معمارها؟
> توجهي الدراسي تحكمت فيه عوامل ذاتية ، إذ رغم نشأتي بأكادير، إلا أن والدي كانت له علاقة وطيدة بالصويرة وكان يحكي لي عنها كثيرا، لدرجة أن أسرتنا كانت تسافر بشكل أسبوعي إليها، لهذا ارتبطت لدي بكل الذكريات الجميلة. وعندما التحقت بالجامعة طالبة، شاءت الأقدار أن يغادر والدي الحياة إثر حادثة سير، فكان الأمر بالنسبة إلي فاجعة حقيقية، إذ لم أتقبل موته، بل في المقابل حرصت على أن أجعله حيا في الصفحات التي كتبتها عن الصويرة، فهو من علمني كيف أعشقها، فما أقدمه من أجل هذه المدينة ينطوي في قسط كبير منه على رغبة دفينة في الوفاء لذكراه.

> في الوقت الذي اختار فيه آخرون دراسة تاريخ الصويرة من جوانب مختلفة واستنطاق شخوصها وفنونها، اخترت استنطاق الحجارة التي تتشكل منها صروح ومعالم هذه المدينة. كيف جاء هذا الاختيار وما الذي تحكم فيه؟
> قد يكون لكل من أكادير والصويرة وقع في اختياري لدراسة العمارة والبقايا المادية. فقد قضيت طفولتي بين المدينتين، كما أسلفت الذكر، كل واحدة بمميزاتها المعمارية ومبانيها المتفردة. مدينة في طور النشأة بعد زلزال 1960 و أخرى بعمارة تنطق بجديد القرنين 18 و19 . من المؤكد أن المظاهر المعمارية المتنوعة أحدثت في مخيلتي شيئا ما. ربما ذلك يفسر أني أقارن المظاهر المعمارية طيلة حياتي وكلما وجدت نفسي أمام أنماط معمارية جديدة. بطبيعة الحال عندما ولجت الجامعة وعندما كان علي أن أختار موضوع دكتوراه الدولة اخترت الصويرة لأنها أولا مدينة متفردة في عمارتها، ورمزا لفترة تاريخية متميزة . اخترتها موضوعا لبحثي فاكتشفت من خلال عمارتها أشياء أخرى لا نجدها حتما في النصوص المخطوطة والمكتوبة.

> ما هي منهجية الاشتغال التي اخترتها؟
> تلقيت تكويني في معهد الآثار والفنون في “باريس 4” التابع لجامعة السوربون الفرنسية، ثم تكوينا آخر في الولايات المتحدة الأمريكية، وأتذكر أن أحد أساتذتي هناك، وهو أوليغ كرابار، كان يقول لي إن العالم الذي يدرس أركيولوجيا المعالم، يجب أن يستنطق الحجر، قبل أن يستنطق المكتوب، وأن يتعامل مع المدينة التي يدرسها وكأنه لم يُكتب عنها شيء قط. فمثلا في الصويرة توجد هناك حجارة ونقوش ما زالت تحمل ذاكرة الأشخاص الذين بصموا المدينة ولم يتم الاشتغال عليهم، مثل كنون الفاسي وأحمد العلج وويلهم شرودر …

> ما هي طبيعة الصعوبات التي واجهتها ميدانيا؟
> كانت هناك صعوبات تتعلق بالحصول على ترخيص من المسؤولين للقيام بالأعمال الميدانية، وأخرى بنوع العمل الميداني عندما يكون الباحث امرأة في مجتمع ذكوري .لكن في المقابل مكنني البحث من لقاء أشخاص رائعين وبسطاء، منهم مثلا شيخ كان قيما على خزانة مسجد القصبة بالصويرة، الذي عثرت لديه على سجل به جرد لأملاك الأحباس، سمح لي بالاطلاع عليه في عين المكان .كنت أقضي ساعات طوال جالسة على لبدة (هيضورة) بحانوت صغير تابع للمسجد، أدون ما في السجل، لأنه لم يكن ممكنا إخراجه لاستنساخه في تلك الفترة (نهاية الثمانينات)، كما أتذكر رجلا آخر كان يرافقني للأسوار المحاذية للبحر والتي كانت مرتعا للمتسكعين واللصوص، ليحميني منهم، ولحظة الغداء كان دائما يتنصل مني بدعوى أنه صائم، فيما اكتشفت فيما بعد أنه كان يتفادى إثقال ميزانيتي أنا الطالبة كي لا أؤدي عنه وجبة الغداء. فكيف لا تحب هذه الأرض وهذه المدينة ولا تعشق حجارتها وتخدمها بدون مقابل، لأن هناك أناسا خدموني فيها بدون مقابل.

حضور متجذر
> هل الحضور اليهودي في تاريخ الصويرة ارتبط بحضور متجذر بالمنطقة أم برغبة سلطانية في تعمير المدينة؟
> تكشف النصوص التاريخية والوثائق المادية للمدينة على السواء وجودا بشريا قديما جدا، ولكن نستشف كذلك من النصوص التاريخية والوثائق المخزنية أن السلطان سيدي محمد بن عبدالله قام بجلب مجموعة من التجار المغاربة والأجانب للعمل في المرسى السلطاني . وبالنسبة للتجار المغاربة فهم ينتمون لأهم الحواضر المغربية . فشكلت الصويرة بذلك محضنا لفسيفساء من السكان وكان معظم التجار من اليهود مثل قرقوز المراكشي وأفلالو الأكاديري وأفرياط اليفرني واناهوري التطواني وغيرهم. وكان الأمناء بدورهم يستقدمون من الحواضر المغربية كفاس وتطوان وطنجة…

التراث قضيتي
حقا نالت الصويرة الحظ الأوفر من اهتماماتي، لقد قمت بأبحاث أثرية خصت معظم معالم المدينة الدينية والاقتصادية والاجتماعية… وحضرت أطروحة حول الصويرة ومعالمها واهتممت بتراثها في شقيه المادي واللامادي بصفتي عضوا نشيطا في جمعية موكادور الصويرة. واشتغلت مستشارة في قضايا تراث المدينة وتتبعت مجموعة من المشاريع … إلا أنني أولا أستاذة جامعية أنكب على القضايا التراثية بحثا وتدريسا. وأهتم بمجموع المدن المغربية من خلال منابر وطنية ودولية . فقد زاولت مهام متعددة منها ، أمينة عامة للجنة الوطنية المغربية لليونسكو ما بين 2004-2010 ورافقت خلال هذه المدة ملفات تصنيف المدن في لائحة التراث العالمي وساهمت كمستشارة في إعداد بعضها وتتبعت مسار البعض الآخر وأنا عضو المجلس التنفيذي للمجلس العالمي للمواقع والمعالم (إيكوموس) واهتم بتفاصيل تراث الرباط وسلا أستاذة ومؤطرة لرسائل وأطروحات جامعية وكذا لانتمائي لجمعية ذاكرة الرباط – سلا . وأقوم بدورات تكوينية للمرشدين المتطوعين في ما يخص تراث ضفتي أبي رقراق، وقد كتبت مقالات في الموضوع . كما اهتممت بتراث آسفي وأكادير ولدي مقالات في الموضوع.

مصالحة مع التاريخ والذاكرة
شكل التاريخ الاستثنائي للصويرة حافزا ومنهلا. وفي “جمعية الصويرة موكادور”، التي يرأسها المستشار الملكي أندري أزولاي، كنا نشتغل لتكون هذه المدينة معقلا للثقافة ومنبعا لروح الانفتاح والاحترام المتبادل، وكذا حصنا لمقاومة كل أشكال التطرف وإنكار الآخر. فقد آمنا بأن الآخر قد يكون مصدر غنى وقاطرة للتقدم، فالآخر ليس حتما عدوا كما قد يعتقد البعض. وحتى نتجاوز أصلا هذا السياق العدائي، من المفروض أن نتعرف على فقرات من تاريخ الصويرة المفعم بالمشترك وبالكونية. فهل بعد كل هذا مسموح لنا بالركون للنسيان؟ طبعا لا، فقد جعل”بيت الذاكرة” من هذه المهمة واجبا وطنيا وإنسانيا. فهذا المكان اجتمعت فيه أبعاد ثلاثة: بعد روحاني في بيعة ” صلاة عطية”، وبعد الذاكرة والتاريخ في فضاء جهز للعرض، وبعد مخصص للمعرفة في مركز “سيليا وحاييم زعفراني” المهتم بالعلاقات بين اليهودية والإسلام . وهذا الفضاء يروم عرض وحكي وتقديم شهادات حول التاريخ المتفرد النموذجي للصويرة. فنحن نود تسهيل وتقديم فصوله المثيرة المتميزة، كما نسعى إلى إبراز تلك الروح الحيوية، التي تميزت بها المدينة والتي تشهد عليها نجاحات متميزة للشتات اليهودي الصويري عبر أزمنة وأمكنة متعددة في العالم .

حكاية مكان
فضاء “بيت الذاكرة” معلمة تاريخية حجارتها وجدرانها وأقواسها تحكي لنا جزءا من تاريخ المدينة عندما كانت مرسى سلطانيا ، فصاحب المكان هو مسعود عطية، الذي كان أحد كبار التجار اليهود بالصويرة، بل يصنف من فئة “تجار السلطان” التي عرفتها المدينة في الفترة ما بين القرنين 18 و19، وكان متزوجا من “ميما القايم”، وشاءت الأقدار أن يفارق الحياة في إحدى سفرياته التجارية بلندن. وبما أنه لم يدفن في مسقط رأسه بالصويرة، فإن زوجته قررت أن تقوم بشيء ما لحفظ ذاكرته، فأنشأت بيعة خاصة بهذه الدار الفسيحة، واستقدمت هيكل الصلاة الخشبي الخاص بها من صانع بريطاني بمانشستر، وهي المعلمة الخشبية التي مازالت محفوظة بالفضاء منذ القرن التاسع عشر. ولذلك فعند ترميم وإعادة الحياة لهذا الفضاء حرصنا على أن نظل أوفياء لكل التفاصيل المعمارية والزخرفية الأصلية للمكان.

الزيارة الملكية لبيت الذاكرة عنوان الحوار والانفتاح

إن زيارة جلالة الملك محمد السادس لهذا الصرح الروحي والتراثي، تعد إشارة قوية من جانب جلالته للطائفة اليهودية بالمغرب، وكذا لمواطنيهم المسلمين، والمجتمع الدولي والمتتبعين عبر العالم، أن المغرب بلد السلام والحوار والانفتاح. وتعكس هذه الزيارة العناية الخاصة التي يوليها أمير المؤمنين للموروث الثقافي والديني للطائفة اليهودية المغربية، وإرادته في المحافظة على ثراء وتنوع المكونات الروحية للمملكة وموروثها الأصيل، فالمغرب اليوم يعد نموذجا في العالم للحوار بين الديانات في وقت صار فيه من الصعب تحقيق ذلك في باقي البلدان. وبيت الذاكرة مركب يبرز التراث التاريخي والثقافي الذي يميز مدينة الصويرة، ويشكل “دعوة لإعادة اكتشاف الاستثناء المغربي” في مجال الحوار والتعايش بين الأديان.

التعايش واستثنائية بلد
يلعب المغرب دورا إستراتيجيا منذ مدة ضمن قضايا التعايش، واستثنائية هذا البلد ليست طارئة من حسن حظنا، إن المواطن المؤمن بمغربيته لا يمكن إلا أن يكون مدافعا بامتياز عن القيم النبيلة، التي يستمدها من تاريخ بلد رائع حافل بصفحات حضارات راقية في تنوعها وانسجامها، التي نشأت على هذه الأرض، أمازيغية وعربية وإسلامية، مطعمة بروافد يهودية وأندلسية وصحراوية… وبالتالي وجب التذكير كلما سنحت الفرصة بهذا التميز المغربي داخل المغرب وخارجه. ومؤسسة”الثقافات الثلاث” منبر آخر لتبادل الرؤى وتشجيع التعابير الفنية والبحوث العلمية، فهذه المؤسسة بدورها أداة في خدمة التسامح والتفاهم بين شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال التعاون الثقافي، ونعمل داخلها للتذكير بالدور المهم للمغرب في تعزيز الحوار والسلام والتعايش بين الثقافات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق