fbpx
ملف الصباح

“الحضية” … الحل السحري لضمان سريان المعلومة

مراقبة المجال القبلي والحضري في تاريخ المغرب تأسس على إحصاء الأنفاس

خصص الكاتب والروائي المصري الراحل جمال الغيطاني روايته الشهيرة “الزيني بركات” لظاهرة “الحضية” بصيغتها المصرية، عبر التطرق لجانب من تاريخ أرض الكنانة، خلال نهاية سقوط دولة المماليك علي يد العثمانيين، وهي الفترة التي عاني فيها الشعب بسبب قسوة السلطان وافترائه وصراع الأمراء على الحكم ولعبت عيون البصاصين دورا هاما في تلك الرواية بنقل الأحاديث وتسيير الأمور.
وجعل الغيطاني من “بركات بن موسى” الملقب بالزيني بطلا للرواية، وهو شخصية حقيقية اكتشفها المؤلف في الكتاب التراثي الشهير “بدائع الزهور في وقائع الدهور” للمؤرخ ابن إياس.
كان الزيني واليًا للقاهرة، وامتاز بالعفة والأمانة والنشاط والحماسة وعدم محاباة من لديهم مصالح شخصية، لذلك أطلق عليه السلطان لقب “الزيني”.
ومن أجل محافظة الزيني على ولايته وإدارة شؤون الولاية بشكل حازم ومتابعة كل شخص على حدة، كان لابد أن يعرف ما يدور بداخل كل البيوت وفي كل الشؤونها تبدأ أحداث الرواية حول كبير البصاصين.
وكان دور كبير البصاصين يشبه أجهزة المخابرات حاليا، وكان هو الآخر لديه من يجنده ليرصد جميع الأحداث دون أن تفوته إحداها، وكان كبير البصاصين يبث الإشاعات والفتن بين طوائف الشعب لخدمة مصالح الوالي والسلطان.
ولكن سرعان ما تتحول شخصية الزيني بركات من شخص وديع ومسالم، إلى رجل قاس يعذب مساجينه بل ويسجن البعض افتراء من اجل مصالحه الشخصية، الأمر الذي وصل به إلى قطع رؤوس ثلاثة فلاحين وتعليقهم على باب السجن.
ويبدو أن خاصية اعتماد سريان المعلومة لم تكن حكرا على “مصر المملوكية” بما في هذه الرواية من إسقاط على الوقع المصري المعاصر، إذ أن الأمر ينطبق أيضا على المغرب الذي تأسس فيه المخزن باعتباره مؤسسة تعني تمركز السلطة، على تنظيم تقليدي دقيق يقوم بمهمة مراقبة المجال القبلي، الذي برزت فيه زعامات محلية لها تنظيمها التقليدي الذي يعتمد على مجموعة من الأفراد التابعين لهذه الزعامات، ويقدمون لها خدمات تجعلهم على علم بكل ما يحدث في أطراف القبيلة.
كما أن المعلومة شكلت عنصرا أساسيا في ضبط وتسيير المجال الاجتماعي والاقتصادي داخل كل مجتمع، ولهذا فإن هناك فئات مارست هذه الوظيفة عبر القرون الماضية من تاريخ المجتمعات، وتحدثت بعض الكتابات التاريخية عن وجود فئات اجتماعية تميزت بنفوذها منها “المقدمون” و”الشيوخ” و”الخراصون” والأمناء والقياد وغيرهم، الذين يستمدون مشروعيتهم من “المخزن” أو السلطة المركزية، بحكم أن “المخزن” عبر العصور الماضية، وإلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لم تكن لديه الإمكانيات المادية لضبط المجال، فقد استعمل هذه الآليات لتيسير خدماته والنظر في أمور القبيلة، وهو ما أكسبه ما يسمى بفن الحكم.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى