ملف الصباح

“الحضية” … مـوروث شـعـبـي

البطالة وقلة الوعي ونتاج فترة الاستعمار جعلت المغاربة أبطال “التبركيك” دون منازع

«الحضية فيها وفيها»، عبارة يمكن إسقاطها على آراء المواطنين المغاربة بمختلف فئاتهم الطبقية والعمرية، الذين كان ل»الصباح» لقاء بهم، حيث تختلف رؤيتهم لعالم “التبركيك» والنبش في حياة الآخرين، لكنها تتوحد في أن الظاهرة أصبحت واقعا لا محيد عنه، بسبب قلة الوعي والبطالة والحسد. في حين هناك من اعتبرها سلوكا مرضيا ومصدرا للعيش، يتخذها بعض منعدمي الضمير فرصة لتحقيق امتيازات مادية ونفعية، وفي الوقت نفسه الانتقام من أشخاص آخرين.
استقاها: محمد بها

من عهد الاستعمار
«الحضية والتبركيك» ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمع المغربي، ولكنها قديمة، ويمكن لي القول إنها مرتبطة بفترة الاستعمار، إذ كان على الجميع أن يكون يقظا للظفر بمعلومات تخص المُستعمر لتنفيذ مخططات محاربته في أفق تصفيته.
وحينما ظفر المغرب بالاستقلال، أصبحت “الحضية» موروثا أبا عن جد، خاصة في القرى والمدن الصغيرة التي تتميز بوجود وقت الفراع لدى سكانها بنسبة أكبر، إلى حد أن الجميع يعرف كل صغيرة وكبيرة عن الجار ومحيطه وحتى سكان المنطقة.
وفي ما يتعلق بالمدن الكبرى فالظاهرة انتقلت من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، ففي مواقع التواصل الاجتماعي أصبحنا نرى الجميع منغمسا في هاتفه المحمول، و”شي حاضي شي” ينتظر ظهور الفضائح من أجل نشرها وإشراكها مع أصدقائه الذين يتكفلون بعملية “البارطاج» وهذا ما يسمى ب”التبركيك موديرن».
ياسين (موظف)

قلة الشغل
من بين الأسباب التي تجعل المغاربة يوصفون بأنهم “شعب حضاي»، قلة الشغل، إذ لو وجد الناس ما يملؤون به وقت فراغهم لما وجدوا الحيز للتطفل على حياة الآخرين، والتنقيب عن مساوئهم والجزئيات الصغيرة من تفاصيل حياتهم الخاصة والمهنية لتداولها.
وثاني الأسباب الحسد، الذي يجعل صاحبه يدقق في حياة الآخرين ويومياتهم لمعرفة ما إن كانوا يعيشون مستوى أفضل منه، لأنه يخشى ذلك، الأمر الذي يجعله يراقب الآخر.
ولا ننس أن “الحضية»، هي نتاج تربية، فالشخص الذي نشأ وسط أسرة نظام حياتها العيش على «التبركيك» والنميمة والغيبة، لا بد أن يحاكي ما يعيشه وسط البيت. ويمكن القول إن نسبة «الحضية» تظل أكبر عند فئة النساء اللواتي ما إن يجتمعن حتى يشرعن في تأثيث جلساتهن بسرد تفاصيل حياة فلانة وعلان لتزجية الوقت.
سعد حمراس (موظف)

مصدر عيش
سأترك “الحضية» التي يتقاسمها المغاربة، والتي تكون بدافع الفضول، وسأحاول تسليط الضوء على الوجه الآخر منها، الذي يصير مصدر عيش لهم، وطريقة للحصول على الامتيازات المادية والمعنوية.
درجة «الحضية» و»التبركيك» و»العطية» يمكن أن تصل ببعض الموظفين إلى حد التبليغ عن زملائهم الذين يتهاونون في أداء مهامهم، أو يرفضون الانخراط في لعبة «المخبر»، أو بسبب خلاف حول امتيازات تتعلق بنتائج الأعمال المشتركة أو الملفات العالقة، وهذا النوع من “الحضية» يمكن وصفه بالخطير لأنه مدمر لحياة الآخرين.
محمد بودرير (فاعل جمعوي)

“بياعة” فرنسا
حسب وجهة نظري المتواضع، يمكن القول إن ظاهرة “الحضية» اللصيقة بالمغاربة إلى حد أصبحت تهمة يتم تبادلها بين الناس، تعود إلى فترة الاستعمار، التي كانت تتميز بوجود فئة يطلق عليها «البياعة» الذين استرخصوا وطنهم وباعوه مقابل مبالغ مالية أو امتيازات ريعية، أو بغية الحصول على النفوذ من وراء التقرب من السلطة الاستعمارية، عبر مدها بمعطيات عن رجال ونساء المقاومة، الذين يتم سجنهم أو قتلهم.
وبعد نيل الاستقلال رسخ البياعة منطق “التبركيك والحضية» في نفوس أبنائهم وحفدتهم، إلى أن صارت سلوكا متجذرا في حياة عائلاتهم وجيرانهم ومحيطهم، وهكذا دواليك.
ياسين هرار (طالب)

“عطاية” بالفطرة
«العطاية والبركاكة»، سلوك بالفطرة ناتج عن ممارسات يومية لأشخاص يبحثون عن التفاصيل الدقيقة لحياة المحيطين بهم وحتى البعيدين عنهم، ونجد أن بعضهم أصبح مريضا بالنبش في حياة الآخرين، إلى أن أصبح مصدرا للمعلومات، إذ تجده يلهث نحو المتخاصمين أو رؤسائه في العمل أو نحو الأزواج لكشف أسرار وقعت بين يديه، دون أن يدرك أنه يتدخل في ما لا يعنيه ويدمر حياة ومستقبل أسر بالكامل.
أحمد حسني (تاجر)

الحسد سبب الظاهرة
إنهم يحبون الضحك على الذقون هكذا هم المغاربة البعض ينعتهم بالحضاية، فيما آخرون يجدون الكلمة الأنسب “البركاكة». «الحضاية» يتلذذون في مجالسهم بنهش أعراض الآخر، الذي قد يكون أفضل منهم رتبة على مستوى مرجعيته العلمية أو مكانته الاجتماعية التي تفوقهم بكثير.
وهذا أمر يمكن إدراجه في طبيعة الحسد، المواطن المغربي لما يكون في موقف ضعيف يرغب في إضعاف من هو أقوى منه لتحقيق التوازن.

حميد البوهالي (فاعل جمعوي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق