fbpx
بانوراما

عافية بن يزيد…اعتزل خوفا من الارتشاء

أشهر القضاة المسلمين(الأخيرة)

هم قضاة مسلمون استطاعوا تحقيق العدل، بالحكمة والموعظة الحسنة، معتمدين في الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للنزاع بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة. كل الحكايات التي حملت قصصهم أكدت أن إقامة العدل هاجسهم، والخوف من عدم تطبيقه بالشكل السليم يدفعهم إلى الاجتهاد، فبين الحكمة والدهاء استطاعوا إقامة العدل.

تميز القاضي الجليل عافية بن يزيد بن قيس بسعة العلم وغزارة المعارف، وقد لازم الإمام أبي حنيفة النعمان لفترة طويلة، ونهل من علمه كثيرا، وكان محل ثقة عنده.
ويعد عافية بن يزيد بن قيس أحد أبرز القضاة في بغداد، حيث ولاه الخليفة المهدي القضاء ببغداد في الجانب الشرقي، وكان أبرز ما يميزه الشجاعة والعدل والثقة، بالإضافة إلى العلم الذي اكتسبه من مرافقته للإمام أبي حنيفة النعمان.
من بين المواقف التي تدل على أن القاضي عافية لا يهاب أحدا مهما كانت سلطته، أنه كان في مجلس مع أمير المؤمنين هارون الرشيد، وكان الأمير يخاطبه على ما رفع إليه ضده، وخلال الانعقاد عطس أمير المؤمنين فشمته “أي قالوا له يرحمك الله” كل من كان في المجلس إلا القاضي عافية، لم يقل مثلهم، وحينما سأله أمير المؤمنين لماذا لم تقل “يرحمك الله” كما فعل القوم، فقال له “عافية” لأنك لم تحمد الله، فلذلك لم أقل لك: يرحمك الله.
ولم يقل مقولته فحسب بل استشهد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم- عندما عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر فحينما سأله أحدهما: لماذا شمته ولم تشمتنى، فرد “رسول الله”- صلى الله عليه وسلم: لأنه حمد الله فشمتناه وأنت لم تحمده فلم أشمتك، فقال له أمير المؤمنين ارجع إلى عملك فأنت لم تسامح في عطسة أتسامح في غيرها؟، وصرفه بطريقة حسنة.
من بين المواقف الشهيرة التي قضى فيها “عافية”، وأدت إلى اعتزاله القضاء حينما تخاصم إليه خصمان وجيهان من القوم، وكلاهما يؤكد أن له ما يثبت أنه على حق، وأدليا أمامه بحجج تحتاج إلى التأمل والإثبات، فقام برد الخصوم، أملا في أن يتصالحوا أو يتبين له وجه فصل بينهما ويحل مشكلتهما، إلا أن أحدهما علم أن القاضي يحب الرطب السكر، فجمع له طبقا منه، ورشى حارسه حتى يدخله، وحينما أدخله رفضه وطرد الحارس، لكن الرشوة تركت أثرها في نفس القاضي، ووجدها تميل نحو الخصم صاحب الهدية المرفوضة، فآثر القاضي الاعتزال لأنه يخشى الله، قائلا لأمير المؤمنين: “أقلنى أقالك الله واعفنى”.
واعتزل القاضي لمحاولة شخص رشوته وميل نفسه للهدية، رغم أنه رفضها وطرد من قدمها له، فهذا يدل على نزاهته وخوفه من ربه، وعلى علمه بالخطورة التي يكون عليها القاضي، وأنه يعلم بأن القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة وهو القاضي الذي علم الحق وعمل به، أما الاثنان اللذان سيدخلان النار فاحدهما الذي يجهل بالحق ويحكم ولا يعرف الحق من الباطل وأما الثاني فهو الذي يعرف الحق ولا يحكم به، ومن ثم فإنه لما رأى ميلا طفيفا إلى أحد الجانبين اعتزل القضاء لأن السنة في القضاء أن يكون الميزان متزنا تجاه المتخاصمين، ولابد أن تتم المساواة بينهما وأن يجلسا بجوار بعضهما البعض.
ولما استشعر الحرج، ورأى أن نفسه تميل إلى جهة ما، اعتزل الحكم لأن مقصد القضاء في الإسلام هو إقامة العدل بين المتخاصمين، والنفس إذا مالت تجاه أحدهما خالفت العدل.
كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى