وشهد شاهد من أهل الجزائر 5 نتطرق في هذه السلسلة من الحلقات، إلى اعترافات تاريخية ومكتوبة لكتاب وأدباء ومقاومين جزائريين، بمساهمة المغرب الكبيرة في استقلال الجزائر من الاستعمار الفرنسي، وكيف أن المغفور له الملك محمد الخامس، رفض اعتبار المغرب مستقلا عن فرنسا بعد 1956، قبل استقلال الجزائر، رغم طمس الحقائق من قبل "الكابرانات" طيلة هذه السنين. إذا كان النظام الجزائري يجتهد، اليوم، بكل جهد، في طمس الحقيقة، وإخفاء الواقع على الشعب، فإن أبرز الكتاب والمقاومين والأدباء الجزائريين، شهدوا عكس ذلك، ونقلوا ما شهدوا عليه وشاهدوه، في كتب ومقالات ومراجع. في ثلاث حلقات الأولى من هذه السلسلة، نلتقي مع يوسف مناصرية، وهو أحد الكتاب الجزائريين المشهود لهم في هذا المجال، ويعتبر الأمين العام السابق لاتحاد المؤرخين الجزائريين، وعضو المجلس العلمي للمركز الوطني للبحث، الذي يملك حقائق مهمة عن تاريخ البلاد، وتمت الاستعانة به في تأليف كتب حول الثورة الجزائرية، وسيرها وأحداثها وأسبابها. ويتحدث شهود آخرون، وكتاب ومؤرخون وفاعلون سياسيون في الحلقات المتبقية، عن حقيقة الدعم المغربي غير المشروط في تحرير الجزائر. إعداد: يوسف الساكت "لولا الدعم المغربي وتراجع فرنسا في بعض مستعمراتها لما استقلت الجزائر". هي جملة رددها عدد من المؤرخين والمقاومين الجزائريين، الذين لا يخافون لومة لائم، بل يؤكدون أن مناصرية ومن معه، يؤمنون بالفكرة نفسها، لكنهم لا يستطيعون التحدث. ويقول مناصرية وباقي المؤرخين الجزائريين أن تراجع فرنسا في فيتنام، واستقلال المغرب وليبيا وتونس، كان له أثر إيجابي على الثورة الجزائرية، ورغبة الجزائريين في الاستقلال بدورهم، غير أن فرنسا رفضت ذلك وكان قادتها يرددون أنها لم تستعمر الجزائر وإنما هي في أرضها منذ عشرات السنين. رغم إطلاق ثورة الستة رجال في أكتوبر 1954، بحضور أبرز وجوه المقاومة الجزائرية، على غرار مصطفى بن بولعيد ومحمد بوضياف والعربي بن المهيدي ورابح بيطاط، لكن ذلك لم يكن كافيا إذا لم تتوفر لهذه الثورة الدعم العسكري والتقني واللوجيستيكي المناسب، بعدما قامت السلطات الفرنسية بقمع أي تحرك أو مظاهرة أو حتى تجمع للراغبين في الاستقلال. وما صعب على هذه المقاومة التنسيق في ما بينها والتجمع، هو تقسيم البلاد آنذاك إلى أقسام عسكرية، ردا على بروز تحركات للمقاومين أرادوا أن يحدثوا فروعا في عدة مناطق، من بينها وهران والجزائر العاصمة والأوراس وقسنطينة. وحسب مناصرية ومؤرخين جزائريين، فإن قادة المقاومة كانوا ينوون عقد مؤتمر بعد أشهر قليلة من الإعلان عن انطلاق الثورة، بهدف تدارس نتائج الأسابيع الأولى والتوجه العام والخلافات التي نشبت بينهم أيضا، إذ رغم الصعوبات نجحوا في عقد ما سمي آنذاك "مؤتمر الصومام". اعتبر مؤرخون أن هذا المؤتمر كان نقطة تحول كبيرة في الثورة الجزائرية، إذ ترأس العربي بن مهيدي، المؤتمر في وادي الصومام، وحضرته أسماء مثل كريم بلقاسم وعبان رمضان وعمر أوعمران ومحمد السعيد وعبد الله بن طوبال، إذ فضح المؤتمر اغتيالات القادة لبعضهم بعضا، بعد نشوب خلافات خطيرة. واضطر القادة المتبقيون إلى إعلان تأسيس مجلس وطني للثورة، وبضرورة تنظيم جيش التحرير، وتجنب المواجهة في البداية، وإعطاء فرصة للسلطات الفرنسية للتفاوض. وكان دور المغرب وبعض المقاومين في دول الجوار، دورا أساسيا في هذه العملية، إذ تم تكليف بعض القادة سرا بالتشاور مع المغاربة والتونسيين، لإيجاد سبل لإحراج فرنسا ووضعها أمام الأمر الواقع، وإجبارها على تسليم الجزائر بشكل سلمي ودون إراقة الدماء. وتحتفظ فرنسا بوثائق تاريخية مهمة، تتحدث عن الأمر نفسه، وتؤكد أن المغرب كان له دور فعال، عسكريا وسياسيا في استقلال الجزائر، وهي الوثائق والمعلومات التي يعرفها جيدا أكبر المؤرخين الجزائريين مثل مناصرية، دون أن يسمح لهم بالكشف عنها أو التطرق لها. وتضمنت هذه الوثائق الحساسة، حسب مناصرية وغيره، كيفية وصول الأسلحة من الشرق المغربي إلى الجزائر، ولقاءات بعض المقاومين المغاربة بجزائريين، بل تحدثت عن تجاهل إسبانيا لنداءات فرنسا، من أجل وقف تدفق السلاح إلى الجزائر من الشرق المغربي.