fbpx
الصباح السياسي

التقاعد السياسي … زعامات خالدة ترفض التنحي

الباحث العضراوي أكد أن هيمنة الشيوخ مرتبطة بريع السلطة وإشكالية فرز النخب

أكد الباحث ميلود العضراوي، أن الزعيم الحزبي في الذهنية الاجتماعية للمناضل، هو الشيخ، والمتحزب عادة هو المريد المطلوب للطاعة والالتزام. وأوضح العضراوي في حوار مع “الصباح”
أن من مظاهر المحترفين السياسيين، تشبثهم بالزعامة وعدم تخليهم عن الكراسي، وقتالهم الشديد من أجلها واستنجادهم، عند الصراع حول الشرعية، بالسلطة السياسية.

< يعيش الحقل الحزبي هيمنة الشيوخ والمتقاعدين على مركز القرار. ألم يحن الوقت لتشبيب الممارسة السياسية؟
< يمكن الحديث عن وجود جيلين من الشيوخ والمتقاعدين في مركز القرار الحزبي، الأول جيل الحركة الوطنية الذي يتشبث بالشرعية التاريخية للبقاء في هرم السلطة، ويضم شريحتين قياديتين، الأولى ولدت ما قبل الحرب العالمية الثانية، وشاركت في الحركة الوطنية، واعتلت القيادة بالترجيح من بعضها البعض، ولم تترك المنصب إلا بفعل الموت أو "الانسحاب" الاضطراري.

الثانية فئة ملحقة بالأولى وتنتمي إلى الجيل الجديد، أخذت مواقعها في حلقة الأمناء، بعد أن اعتلت مراكز النخبة السياسية، وأحرزت على الإجماع لأسباب عدة منها، الوضع الاقتصادي والشريحة الاجتماعية الامتيازية.

أما في ما يتعلق بتشبيب القيادات، فهو مجرد خطاب لا أساس له في الواقع. ولتقريب الرؤية جيدا، وكي نفهم منطق اشتغال الأحزاب، لا بد أن نستدعي آلية سوسيولوجية لتحليل مجتمع النخبة ونمط إنتاجها والمنطق الاجتماعي والسياسي الذي تلتزم به، وعلاقتها بالنظام السياسي الذي يحتضنها، وقد وقف بيير بورديو على أن التغيير الذي يمكن أن يطرأ على بنية الحزب يأتي أصلا من المجتمع الذي يخضع لمنطق التطور، والمجتمع في نظر هابرماس لا يمكن أن يتغير بدون تأثير تحدثه النخب السياسية التي تصنع المؤسسات وتشكل بنية الدولة.

< لكن هناك قوى جديدة دخلت المجال السياسي. لماذا لم تستطع تغيير الوضعية؟
< إن ظهور قوى اجتماعية واعية جديدة يرافقه عادة تجدد على مستوى النخب السياسية والوعي السياسي، والإيمان بضرورة التغيير مؤسساتيا وحكامة وتدبيرا. ولا شك أن أهمية تشبيب النخبة، ضرورة تتحدد بنوعية مستوى الوعي السائد وطموحات الأجيال للتغيير وعلاقة ذلك بالهياكل المؤسساتية للدولة التي يجب أن تستجيب لهذه الطموحات، وتطور نموذج المؤسسة الذي يساعد على انتقال حقيقي نحو الديمقراطية.

لقد كان عدد المشاركين في انتخابات 2016 خمسة ملايين من ضمن 16 مليونا، وعدد الأوراق الملغاة عادل مليون ورقة، وهو عدد الأصوات التي تصدر بها الحزب الأغلبي قائمة الفوز. وهذه مهزلة حقيقية، إذا لم تكن إهانة للأحزاب المشاركة في الاستحقاق، ما يدل على أن المتغير الأساسي في العملية، هو الوعي السياسي عند الأجيال التي صارت ترفض المشاركة في ظل شروط لم تعد تستجيب لطموحاتها في التغيير حزبيا وسياسيا.

ويبقى السؤال المطروح إلى أي حد تتفاعل النخبة السياسية بشقيها الحزبي والرسمي مع التحولات الاجتماعية لدى الشباب؟ وما هي الحلول المقترحة من قبلها لتجاوز الأزمة ؟

< تصر قيادات "الشرعية التاريخية" على رفض التقاعد السياسي. ما هي أسباب استمرار ثقافة الزعامة الخالدة؟
< فكرتك تطرح بحدة سؤال لماذا هذا الارتباط الكاثوليكي بين الزعماء وهيآتهم الحزبية؟ وما هي أسباب هذا العشق "الحلاجي" الذي يبدو لا تفسير له؟ في نظري هناك سببان رئيسيان لهذا الوله السياسي للقادة بمراكزهم، غير التعلق بالريع السياسي والاقتصادي والوجاهة.

السبب الأول يكمن في أن المجتمع يعاني إشكالات تاريخية يمكن إسقاطها على الأحزاب والعمل السياسي، وعلاقته بالنظام السياسي، وتحديات التغيير والتداول التي تبقى عنصرا بطيئا في تشكيل المؤسسات، لذا ترتبط القيادة الحزبية، كما سبقت الإشارة، بالشرعية في مرحلة تاريخية معينة، كما ارتبطت بعدها في مرحلة أخرى بالتجربة والكاريزيمة والقدرة على الحفاظ على تماسك الهيأة.

السبب الثاني يكمن في إشكالية صراع النخب في الحزب وخياراتهم السياسية وطبيعة الحزب وخصوصياته الثقافية والتراثية وديمقراطيته وانفتاحه وقبوله لتداول النخب وترتيبها وإعادة ترتيبها. كما أن التحولات المجالية والاجتماعية مهمة أيضا في سيرورة التغيير الحزبي، لأن احتكار السلطة من قبل الزعماء نمط تقني لتدبير الحزب، أكثر منه مرجع تراثي لترتيب الزعامة وديمومتها بمنهج الزاوية (المقدم والمريد) كما يقول عبد الله الحمودي.

وهناك التقنوقراط أيضا الذين يهيمنون على الزعامة، إذ يعتمد الزعيم على خبرته الميدانية وتجربته وقدرته على الربط بين الحزب والنظام السياسي في الظرفيات والأحوال، لينعم باستمرارية طويلة وزعامة خالدة على رأس التنظيم لا يعكر صفوها سوى الموت.

< ارتبط مفهوم الزعيم بتملك الحزب، انطلاقا من تجميع كافة الصلاحيات في يد الأمين العام؟ لماذا فشلت الشرعية الديمقراطية في تجديد النخب؟
< أكيد أن شخصنة الحزب في الثقافة السياسية المغربية، موروث ثقافي وسياسي، لأن مرجعياته بالأساس كما نظر لها السوسيولوجيون تراثية متأصلة عن الزاوية بمعناها التربوي العقدي والسياسي أيضا، ولا يجب أن ننسى أن الزوايا التي شكلت معارضة سياسية ضد الدولة في مرحلة معينة، أقامت مؤسسات شعبية ترشح نفسها للحكم الرشيد، مكان الدولة التي غالبا ما يعتريها الفساد والضعف.
إن الزعيم في الذهنية الاجتماعية للمناضل، هو الشيخ والمتحزب عادة هو المريد المطلوب للطاعة والالتزام والوفاء، تلك إحدى مرجعيات التأصيل الحزبي، إلى حين تشكل قناعة الانشقاق. وبالتالي تكون قناعة الانشقاق نفسها أسلوبا لتكريس النموذج التيوقراطي الإيديولوجي للتنظيم الحزبي وتشكلاته السياسية لا باعتبارها ثورة على التقليدانية، وتجديد النخبة في القيادة والمسؤوليات، ولكن باعتبارها تكريسا للنموذج المقتول وبعثه في شخصية الزعيم الجديد، ما جعل الحزب بعيدا كل البعد عن المأسسة الحقيقية سواء في المعرفة السياسية أو في التنظيم والهيكلة أو في قدرته على القطع مع نظام التقليد والانخراط في تجديد النخب والدمقرطة.

< أفرزت التجربة المغربية محترفين للعمل السياسي يرفضون الانسحاب من المشهد السياسي، حتى بعد مغادرة موقع المسؤولية. هل يرتبط الأمر بالريع الذي يؤطر الممارسة الحزبية؟
< من الظواهر الحزبية في المشهد السياسي،هؤلاء المحترفون السياسيون، والأبرز في هذه الظاهرة تشبثهم بالزعامة والقيادة وعدم تخليهم عن الكراسي، وقتالهم الشديد من أجلها واستنجادهم ، في أغلب الأحيان، عند الصراع على الشرعية السياسية، بالسلطة السياسية (الدولة)، وتوريط وتخوين بعضهم البعض، وعدم قدرتهم على تدبير الخلاف والاختلاف في ما بينهم. فهل بمثل هذا الوعي يستطيع الحزب في المشهد السياسي التأسيس للمنهج الديمقراطي؟

إن من يتفحص تاريخ الصراعات التي ترتب علاقة الحزب بالزعيم منذ 1956 حتى الآن، يدرك أن نظام الحزب لا يتجاوز جملة من المبادئ المتوارثة سياسيا، من بينها الخضوع والوفاء لشخص الزعيم والالتفاف حوله. أما علامات الانقسام، فهي مؤشر على الانشقاق ودلالة واضحة على نشوء حزب رديف أو تيار سياسي ينتج صراعا على الزعامة، ومن ثمة تبدأ شخصنة موضوع الخلاف داخل الحزب، وتتوارى القناعات السياسية والمواقف والمبادئ خلف ستار شخصية وكاريزما الشخص المتنازع حوله، باعتباره الزعيم الملهم والمنقذ والمخلص.

إن الهياكل والقوانين التنظيمية للهيأة السياسية التي اقتبسناها من الغرب عندنا، لباس سياسي بدون روح تنقصه الأخلاق السياسية والمعرفة والفكر التي تتحقق من خلالها القوانين والإجراءات التنظيمية، إذ يساهم الجميع في عمليات الإضاءة والتنوير وبناء المواقف، وتأسيس النموذج الحي الناجح للنهضة التي تتطلع إلى بناء روافع جديدة للديمقراطية التي من خلالها يبنى المجتمع وثقافته واقتصاده وتنميته وتكنولوجيته وعلومه.

هـــيـــمـــنــــة

< ما هي مسؤولية النخب الجديدة في استمرار هيمنة الزعامات، وهل تعيش الأحزاب والنقابات أزمة ديمقراطية؟
< إن الإشكال ثقافي تراثي اجتماعي متأصل، وينبغي دحر السلبيات بمأسسة النموذج الديمقراطي، ومسؤولية النخب الجديدة تكمن في هذا المعطى بالذات، هل هناك آلية لترسيخ المفهوم المعرفي للممارسة السياسية أولا؟ فإذا لم يتم العثور عليه من خلال آليات التشخيص والتحليل، فلا نخب جديدة في الأحزاب يمكن التعويل عليها لتغيير بنية الهيآت السياسية، وبالتالي تغيير البنية المهيكلة للمجتمع لبناء النموذج الديمقراطي. وستبقى لغة الزعيم القادر هي العائق الحائل دون ذلك، وهنا لا شك سنعود إلى تنظيمات الزوايا، حيث يصطف المريدون أمام مقام الشيخ يتبركون منه، وينتظرون أدوارهم للتبريك لآخرين، والنتيجة أنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ولا يمكن للديمقراطية أن تنشأ في بنية غير مؤسسة أصلا، ما يجعل الشكل الديمقراطي المسموح به في البنية العامة للمجتمع السياسي، شكلا مستنسخا للنموذج الديمقراطي المنقوص، غير الأصيل وغير المتجذر في ثقافة المجتمع وأعرافه.

في سطور
– من مواليد 1955 بآسفي
– محلل سياسي
– باحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والحكامة
– عضو اتحاد كتاب المغرب صدرت له العديد من الكتب والدراسات
أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى