حوار

مجاهد: البناء الديمقراطي بالمغرب في تراجع

الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد أكد أن ثقافة الزعيم لم تُثمر سوى الكوارث

قال محمد مجاهد، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد إن المغرب يعيش تراجعا في بنائه الديمقراطي، وإن الآمال التي عانقها المغاربة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي تبخرت بسبب إخفاقات في بناء نموذج الديمقراطية الحقيقية. 

وبخصوص تأجيل موعد المؤتمر الوطني للحزب، أكد مجاهد أن الأمر لا يتعلق بتأجيل، بل بتأخير تاريخ انعقاده لأسباب عامة وأخرى خاصة، الأولى  مرتبطة بكون المرحلة الدقيقة التي يمر منها المغرب في الوقت
الراهن، تطرح مهام جسيمة على القوى اليسارية والديمقراطية، تستوجب فتح نقاش معمق حول المرحلة الراهنة، ككل، وهي المرحلة، التي يقول عنها مجاهد، إنها تتسم بالتراجع على مختلف المستويات السياسية
والحقوقية. أما الأسباب الخاصة، فهي مرتبطة بتأهيل الوضع التنظيمي للحزب، لكي يكون قادرا على رفع تحديات ورهانات المؤتمر المقبل.  وعن رهانات المؤتمر الوطني المقبل للحزب، أبرز مجاهد وجود رهانين
أساسيين،  الأول سياسي، يتجلى في تعميق النقاش حول الوضع السياسي الراهن، المطبوع بالتراجع، على حد تعبيره. أما الرهان الثاني، فهو تنظيمي، ويتعلق بمأسسة التيارات. في ما يلي نص الحوار:

ما هو تقييمكم للتطورات الأخيرة التي تعرفها قضية الوحدة الترابية؟
الأحداث التي عرفتها مدينة العيون، وتداعياتها أمر جسيم، إلى درجة أنه مستقبلا يمكن أن نتحدث عن قبل وما بعد أحداث العيون. عاينا حملة شرسة لبعض وسائل الإعلام الإسبانية، بالخصوص ضد المغرب، إذ حصل تزييف للمعطيات والوقائع، ثم جاء الموقف السلبي للبرلمان الأوربي والإسباني، والذي لا يسعنا سوى أن نندد به. كما ندين، أيضا، توظيف مطالب اجتماعية واقتصادية لخدمة أهداف انفصالية، وأجندة خارجية.
ومع الأسف، نعتقد أن الأجهزة الأمنية لم تقدر خطورة المسألة بشكل كاف، وتعاملت مع الأحداث على أساس أنها مطالب اجتماعية، ولكن الذي وقع هو استعمال تلك المطالب لأغراض انفصالية، كما قلت، وتبين أن تأثير الانفصاليين كان واضحا في المخيم.
المسألة الثانية، نؤكد على إدانتنا لتعاطي وسائل الإعلام الإسباني مع تلك الأحداث، إذ تعاملت معها وفق حسابات أخرى تنطلق من مجموعة من الملفات، في مقدمتها ملف سبتة ومليلية.
لقد غلبت وسائل الإعلام الإسبانية المصالح الضيقة على حساب التعاون المشترك، والموضوعية في المعالجة الإعلامية.  
على إثر هذه الأحداث، دخل ملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية منعطفا حرجا بالنسبة إلى المغرب، إذ سمعنا أن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء سيأتي بأفكار جديدة، ونحن نتساءل ما هي هذه الاقتراحات الجديدة. نحن في الحزب متشبثون بأن المفاوضات يجب أن تكون على أساس المقترح المغربي القاضي بتخويل جهة الصحراء حكما ذاتيا في إطار السيادة المغربية، وللإشارة، فإننا كنا سباقين، في الحزب الاشتراكي الموحد، إلى بلورة هذا المقترح قبل أن يتم الإعلان عنه رسميا، وأكدنا ضرورة الوصول إلى حل سياسي نهائي متفاوض بشأنه على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”.  لقد اقترحنا صيغة الحكم الذاتي، بما يسمح لأبناء الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم في إطار صلاحيات موسعة، وهذا أكدنا عليه في الحزب قبل حتى أن يتشكل كقناعة لدى الجهات الرسمية. واعتبرنا أن الحكم الذاتي هو الكفيل بإخراج النزاع المفتعل من الأزمة. أكرر القول إننا سمعنا  عن مقترحات جديدة ونحن ننبه إلى أن يبقى المغرب يقظا ومتماسكا، ومتشبثا بمقترحه.
إن أحداث العيون وتداعياتها والهجمة التي يتعرض لها المغرب تدفعنا إلى القول بأنه كان هناك سوء تدبير للملف. لقد كان بالإمكان أن تسير الأمور بطريقة أنجع وأفضل، خاصة في ظل التطور السياسي الذي عرفه المغرب منذ التسعينات من القرن الماضي،  لكن ، اليوم، في ظل العودة إلى الانغلاق ، والتراجع الحاصل في المجال السياسي، فإن ذلك لا يخدم قضية الصحراء، ثم لابد من القول إن الدبلوماسية الرسمية ضعيفة، ولا تستفيد من التعدد الحزبي الذي يتسم به المشهد السياسي الوطني. هناك أحزاب  ديمقراطية يسارية لديها الشرعية التاريخية، ولديها علاقات خارجية متنوعة، وكان يمكن إشراكها في تدبير الملف، مع الأسف لا يتم استثمار التعدد الحزبي وتعدد هيآت المجتمع المدني في خلق دبلوماسية هجومية. إن المكونات السياسية والمدنية معنية بالتدبير الأمثل لهذا الملف، وبالتالي وجب إشراكها في كل مستويات تدبيره.  
هناك مشكل آليات الوساطة والقرب في الصحراء. حينما تأسس  كوركاس، قلنا آنذاك،إنه يجب أن يلعب دور القرب، بالنسبة إلى كل الملفات المطروحة، وأن يكون له دور نشيط وإيجابي، ومؤثر في  الصحراء، لكن هذا لم يقع، بل تم التعامل مع هاته الهيأة  بأسلوب تقليدي، من حيث تشكيلتها أو طريقة اشتغالها وصلاحياتها، مما أفرغها من أدوارها ووظائفها المأمولة.
هناك مسألة الأوضاع الاجتماعية، التي يستغلها الانفصاليون، وهو ما يفرض مضاعفة الجهود في الميدان الاجتماعي. نحن نعتبر أن هناك فشلا في المقاربة الرسمية الأمنية للمشكل. كان هناك سوء تقدير للأوضاع. نسجل رغم ذلك التعامل الحكيم لقوات الأمن.
من ناحية أخرى، نلاحظ السباق المحموم نحو التسلح الذي تنخرط فيه الجزائر، وهو ما يعكس حرص هذا البلد الذي يسيطر عليه الجيش، على استمرار التوتر مع المغرب.  ومع الأسف، هذا سلوك مناف للعقل. إن مصلحة المغرب والجزائر هي التعاون والتقارب، إن البلدين يخسران الكثير بسبب النزاع المفتعل في الصحراء، ولو كانت العلاقات طبيعية بين البلدين، لكسبا كثيرا على كافة المستويات، في مقدمتها المستوى الاقتصادي. إن سلوك حكام الجزائر أقحمنا في أوضاع  صعبة. الرهان الأساسي هو تقوية الجبهة الداخلية، من خلال إقرار بناء ديمقراطي حقيقي. إن ترسيخ حقوق الإنسان، وإقرار الحريات العامة، والعدالة الاجتماعية، يُعتبر، بحق، رأسمال المغرب.

منذ شهور وأنتم تُحضرون للمؤتمر الوطني الثالث للحزب، لكنكم أعلنتم عن تأجيله أكثر من مرة، ما السبب في ذلك؟
الأمر لا يتعلق بتأجيل  موعد المؤتمر، الذي حصل هو أننا حددنا، خلال المجلس الوطني الأول الذي انعقد بعد المؤتمر الوطني الأخير للحزب، موعد عقد المؤتمر في شهر ماي من السنة الجارية، ولكن كنا نعرف صعوبة الالتزام بهذا الموعد، وبالفعل، قررنا في ماي، أن نؤخر تاريخ المؤتمر إلى بداية السنة الجارية أو آخرها. الآن، حددنا تاريخ انعقاد المؤتمر في مارس المقبل، وسوف لن يؤجل. لماذا وقع هذا التأخير النسبي؟ هناك عاملان اثنان، الأول يتمثل في أن المرحلة الدقيقة التي يمر منها المغرب في الوقت الراهن، تطرح مهام جسيمة على القوى اليسارية والديمقراطية، لذلك نعتبر أن هناك ضرورة فتح نقاش معمق حول المرحلة الراهنة، المطبوعة بالتراجع على مختلف المستويات السياسية والحقوقية.
من جهة أخرى، أشير إلى أن لدينا حرصا على أن يكون الوضع التنظيمي للحزب في مستوى  تحديات ورهانات المؤتمر المقبل.
ثم أنتم تعرفون أن الحزب لا يشتغل بمنطق الرأي الواحد، بل يشتغل بمنطق التيارات، والآراء المختلفة، بمعنى أن الحزب هو فضاء لتطارح مجموعة من الأفكار داخل الحزب.
في هذا الصدد، نشير إلى أنه خلال المؤتمر الوطني الثاني للحزب عرضت خمس أرضيات، أما بخصوص المؤتمر المقبل، فتجدر الإشارة إلى أننا عقدنا 12 جلسة تحضيرية، طرحت بعدها سبع أرضيات، وكان آخرأجل لتلقي هذه الأرضيات هو شهر شتنبر الماضي، وهذه الأرضيات تستلزم النقاش حولها، وكان لابد أن نمنح مزيدا من الوقت لمناقشتها بشكل كاف، وتحقيق نوع من التفاعل بينها، من جهة، وبين مناضلي الحزب، من جهة أخرى، كما أن الأمر كان يفرض تأهيل الوضع التنظيمي للحزب حتى يتسنى عقد المؤتمر والحزب في وضع تنظيمي جيد.

ما هي رهانات المؤتمر المقبل؟
هناك رهانان. الأول سياسي، إذ كما سبق أن أشرت إلى ذلك، فإن المرحلة مطبوعة بتراجع حقيقي، إذ يمكن اعتبار القوى التقليدية والمحافظة هي المهيمنة، والدولة تتحكم في العملية السياسية والمشهد الحزبي، في إطار رغبة معلنة لإضعاف القوى التقدمية. هناك تراجع في مجال الحريات العامة، وهناك، أيضا، أزمة الحركة اليسارية والديمقراطية في المغرب. هناك تراجع نوعي للتأثر والفعل لدى القوى اليسارية والتقدمية،هذا الوضع يطرح علينا وعلى قوى اليسار، أسئلة جوهرية: لماذا وصل المغرب إلى ما وصل إليه؟  ولماذا وصلت قوى اليسار بمختلف مكوناتها إلى الوضع الذي وصلت إليه الآن؟ وهناك سؤال كيف الخروج من الأزمة الحالية؟  وكيف نعطي دينامية جديدة للنضال  الديمقراطي، وكيف نمنح أمل جديدا في مغرب ديمقراطي حداثي متضامن؟ هذا سؤال مطروح على المؤتمر. أما الرهان الثاني فهو تنظيمي، بمعنى نحن دخلنا في مغامرة تتجلى في تدبير الاختلاف بطريقة ديمقراطية، ومأسسة التيارات، وهي قناعة تبنيناها من منطلق تفعيل الآليات الديمقراطية داخل الحزب، ولأننا مقتنعون بأن الرأي الواحد، والثقافة التقليدية، أي ثقافة الزعيم، والتعليمات، والبيروقراطية الحزبية، لم تُثمر سوى الكوارث، دخلنا هذه المغامرة الجميلة ونريد تعميقها خلال المؤتمر الوطني المقبل للحزب. ولدينا حرص على تطوير مسألة التيارات، وترسيخ الديمقراطية الداخلية للحزب، كل ذلك في إطار الحفاظ على وحدته الحزب، طبعا.  

ترسمون، دائما، صورة قاتمة عن الحياة السياسية والواقع السياسي المغربي بصفة عامة، ألا تلاحظون أنكم تبالغون في ذلك؟
لكي أكون صريحا معك. نحن لا نبالغ في تقييمنا للمشهد السياسي الوطني، بل نتوخى الموضوعية، والجرأة في قول الحقيقة كما هي. ونحن منذ 2002 إلى الآن، قمنا بتقييم تطور المسار السياسي بالمغرب، وكنا نؤكد منذ 2002 إلى 2007، على أن الوضع يحمل إشارات إيجابية وأخرى سلبية، وكنا نثمن ما هو إيجابي وننتقد ما هو سلبي، وكنا نقول إن الوضع مفتوح على احتمالات مختلفة، فإما أن تتعمق وتتطور المؤشرات الإيجابية المسجلة، وبالتالي، تعرف البلاد قفزة حقيقية نحو الديمقراطية، من خلال القيام بإصلاحات سياسية و دستورية عميقة، وتبنى رؤية استراتيجية لبناء الديمقراطية الحقيقية، التي لا نراها تختلف في جوهرها عن كل  نماذج البلدان الديمقراطية في العالم، إذ هناك جذع مشترك لكل الديمقراطيات في العالم. كان لدينا الأمل في أن تتطور الأمور عندنا في هذا الاتجاه، لكن مع الأسف لاحظنا أن الأمور لم تتطور في هذا الاتجاه. ومنذ 2007، اتضح أن هناك إرادة رسمية معلنة وواضحة أن البلاد لن تسير في اتجاه بناء نموذج الديمقراطية المغربية ذات الجذع المشترك  المتعارف عليه دوليا. كان بالإمكان تسطير أهداف على المدى المتوسط والبعيد  لكي نسير في تجاه تطبيق هذا النموذج، حتى يكون المغرب ضمن البلدان التي تسودها الديمقراطية بتميز مغربي، ولكن ليس بالخصوصية التي تُغيب كل ما هو كوني في الديمقراطية، ولكن اتضح بالكامل منذ 2007 أن ليست هناك إرادة للسير في هذا الطريق، وأنه هناك بالمقابل انغلاقا للحقل السياسي و إعادة إنتاج لنفس الثوابت التقليدية التي تحكمت في إدارة الشأن العام منذ الاستقلال. نحن لسنا متشائمين، بل لدينا نظرة موضوعية للأشياء.
الديمقراطية، كما هي في جميع بلدان العالم، تقتضي ربط سلطات القرار بصناديق الاقتراع، وهي سيادة القانون، وفصل حقيقي للسلط، وقضاء مستقل ونزيه، والمراقبة والمحاسبة، والمساواة أمام القانون، لكن لا يبدو ما يشير إلى أننا، فعلا، نسلك هذا الطريق. قبل 2002 كانت هناك بعض الإشارات الإيجابية، لكنها أجهضت، ورأينا كيف أن ملف متابعة ومحاكمة المتورطين في الفساد توقف، وتم التطبيع مع الفاسدين، وتم العمل على إغراء واحتواء النخب، وسجلنا، كذلك، ضعف صلاحيات الحكومة. وبين 2002 و2007 لاحظنا توسع نفوذ التقنوقراط داخل الحكومة، وفي2007 أصبحنا نعاين إعادة إنتاج الآليات التقليدية نفسها، أي تفريخ الأحزاب الإدارية، ورأينا كيف يتم احتواء الأحزاب الديمقراطية، كما رأينا كيف يتم التعامل مع الصحافة المستقلة، والوقفات الاحتجاجية، سواء ذات الطابع السياسي أو الاجتماعي.
السؤال المطروح هو هل نحن نتقدم نحو بناء الديمقراطية الحقيقية بالقيم الكونية المتعارف عليها، أم أننا نتراجع؟  الأكيد أننا نتراجع. هناك محاولات لإضعاف الأحزاب التقدمية، وهذا واضح، هناك تضييق على الأحزاب اليسارية المعارضة، وقانون الأحزاب أكبر دليل على ذلك، لأنه لا يخول لهذه الأحزاب أي حق في الاستفادة من الدعم العمومي. لقد بدأ التراجع، حينما انتقل جزء من القوى اليسارية إلى السلطة بدون تعاقد  مكتوب ومؤسس على  ثوابت دستورية جديدة، ومنذئذ، بدأ الضعف يدب في أوساط القوى السياسية التقدمية واليسارية. الآن اتضحت الصورة للجميع، وليس هناك مجال لاتهامنا بالتشاؤم أو رسم صورة قاتمة للوضع السياسي المغربي. كل القوى اليسارية والديمقراطية مقتنعة بوجود تراجع حقيقي.   ويجب الإقرار بأن  قوى اليسار تتحمل جزءا من المسؤولية في هذا التراجع. لقد شكلت 1998 ضربة للمشروع الديمقراطي، بعد الدينامية المسجلة منذ تسعينيات القرن الماضي. كانت هذه اللحظة فرصة تاريخية تمت إضاعتها ونعيش اليوم، مع الأسف، تبعاتها.

يلاحظ أن النتائج التي حققتموها في الاستحقاقات الانتخابية الماضية لم تكن في مستوى انتظارات الحزب، ما هو تقييمكم لهذا الأمر؟
لم يتقدم الحزب انتخابيا، هذا واقع. هناك فساد انتخابي، ومن هذا المنظور، فإن الانتخابات التشريعية لسنة 2007 لم تختلف عن سابقاتها. هناك عدة أسباب تفسر ذلك، من بينها المظاهر التي أشرت إليها، من قبيل استعمال المال، وسيادة ظاهرة الأعيان في القرى والبوادي، أقصد الأعيان بمعنى استعمال الجاه والنفوذ، أو باستعمال المال بطريقة مباشرة، وغياب التباري على الأفكار والبرامج، ولكي نكون واضحين، فإن الإشعاع الذي كان يتمتع به اليسار قبل انتقال جزء من اليسار إلى السلطة في أواخر التسعينات، لم يعد له وجود، إن مشاركة هذا الجزء من اليسار في الحكومة بدون تعاقد مكتوب شكل ضربة لليسار، ونحن نعاني هذا الوضع. ثانيا، نتحمل جزء من المسؤولية في تراجع النتائج التي نحققها، إما بفعل مسلكيات بعض مناضلينا، في بعض المناطق، أو طغيان الأنانيات، أو التقصير في العمل بالشكل المطلوب، هناك مظاهر اختلال قد تكون ساعدت في تراجع النتائج، لكن العوامل الأساسية التي تحول دون تحقيقنا للنتائج المطلوبة تتعلق بالوضع السياسي الوطني الراهن، ووضع اليسار.

ما السبب في أن محاولات لم صف اليسار والقوى الديمقراطية لم تقطع شوطا بعيدا؟  
هذا جزء من العطب القائم، كان هدفنا هو التوجه إلى الانتخابات في إطار جبهة موحدة لليسار، حتى مع إخواننا في الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، خصوصا في 2009، لكن الشروط لم تكن ناضجة، فالمسألة تقتضي نقاشا سياسيا عميقا بين الأطراف المعنية، وتقتضي رؤية مشتركة، نسبيا، للأوضاع، وتدبيرا عمليا لهذه المسألة التي يجب أن ننجح فيها جميعا. في غياب هذه النظرة المشتركة إلى الأمور لم يكن من السهل تحقيق تقدم في مسار تطوير جبهة اليسار.

هل لأن طرفا من اليسار يوجد في الحكومة؟
لم نشترط  الخروج من الحكومة، لكن النقاش العميق للوضع السياسي وتقييم ما جرى ويجري في البلاد له أهميته القصوى في تحديد التنسيقات والتحالفات. وفي هذا الإطار، أشير إلى أننا خلال انعقاد المجلس الوطني للحزب بعد انتخابات 2007 اقترحنا فكرة فدرالية اليسار، التي تهم فرقاء اليسار في المعارضة و اليسار المشارك  في الحكومة، وكان أملنا أن يتم تعميق النقاش حول هذا المقترح، بدءا بتقييم الأوضاع، ثم الوصول إلى الشكل التنظيمي الذي كنا نتوخاه، أي فدرالية اليسار، وهو شكل أقل من الاندماج
وأكثر من التحالف، لأننا كنا مقتنعين بضرورة إعادة بناء اليسار، في سياق الظروف الجديدة التي تعرفها بلادنا، لكي نتمكن من الدخول في دينامية نضالية جديدة، لكن، مع الأسف، لم تتجاوب كل الأطراف مع المقترح، لأن هناك من يعتبر أن وضع اليسار عاد، فيما نتبنى نحن القناعة بأن اليسار يعيش أزمة، وأن هناك حاجة إلى إعادة بنائه من أجل تقويته، وفي نظرنا من الصعب أن نتصور تقدم المغرب بدون يسار قوي وحركة ديمقراطية قوية لدفع البلاد في اتجاه الدمقرطة والتحديث والعدالة الاجتماعية.

ما رأيكم في الدعوات التي تنادي بعقلنة المشهد السياسي وتجميع القوى السياسية في ثلاثة أقطاب؟
المشكل مع هذه الدعوات أنها تفصل بين عقلنة المشهد الحزبي، من جهة، وعقلنة ودمقرطة النظام السياسي للبلاد ككل. يجب النظر إلى الحقل السياسي في شموليته، ثم هناك أولويات. إذا كان النظام السياسي للبلاد يعرف اختلالات، وإذا غابت قواعد المنافسة الشريفة بين الأحزاب، كيف يمكن أن نتقدم في عملية عقلنة ودمقرطة المشهد الحزبي. أذهب إلى حد القول إنه لا جدوى من الأحزاب إذا كان القرار السياسي يصدر خارجها وخارج الحكومة، وصلاحيات الحكومة محدودة. ما جدوى الأحزاب إذا كان جزء محترم من الحكومة تشكل من التقنوقراط. الأولوية لبناء قواعد سليمة لبناء ديمقراطي، وتنافس سليم ونزيه، ولربط بين صناديق الاقتراع والقرار السياسي. إذا سرنا في هذا الاتجاه، فإن الأمور ستتجه  بنفسها نحو العقلنة في ما يخص المشهد السياسي.هناك إحساس بالقلق لدى مناضلي الحزب، ولدى المواطنين يجعلنا نبحث عن  أدوات  وآليات الاستهاض الاستراتيجي. إن هذه المسألة تتحكم فينا أكثر مما تتحكم فينا مسألة الانتخابات،هذه هي الحقيقة. أكيد أن أملنا هو أن نتقدم في كل محطة انتخابية، ولكن إذا ركزت على هذه المسألة  فقط، فإنني سوف لن أعكس ما يحدث حقيقة داخل الحزب.

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق