fbpx
ربورتاج

الثلـوج … مسالـك الكسـب والمـوت

معاناة لا تنتهي لرحل غارقين وسط الثلج وبياضه يخفي آلامهم وفرصة للكسب المضاعف

وفاة راعي غنم بجبل بويبلان، فاجعة قد تتكرر في جبال الأطلس المتوسط حيث مئات الرحل يواجهون موتا يتربص بهم عن سبق إصرار، كلما تساقط الثلج بكمية كبيرة، تزيد من معاناتهم وماشيتهم المهددة بالنفوق، في غياب أي التفاتة رسمية تخفف عنهم “ما نزل”. مآس قد تستنسخ بجبل هبري وميشلفين وتمحضيت وكل منطقة نائية بهذه الرقعة البعيدة عن أعين المسؤولين وقلوبهم، المغطاة بثلوج
فيها نفع للأرض والشجر والمنعشة لجيوب ممتهني مهن موسمية، دون رعاة مهددين في حياتهم وصحتهم كما قطيعهم مصدر رزقهم.

أغلبهم مستأجرون لرعاية ورعي قطيع كبار الفلاحين، حيث الكلأ. لكنهم لا يجنون إلا قليل منتوج يخسرون كثيره لما يكسو البياض الجبال حدادا على “موتهم”، في غياب حيل تنجيهم من مصير غامض “كتب” لهم في غياب موارد بديلة.

سخط امرأة

بخطوات متعثرة في مسار يزداد شقاء في كل شتاء، تقدمت نحوهم كما لو كانت في انتظار زوار يحركهم فضولهم للنبش في حياة رحل تتقلب حياتهم بتقلب الطقس، ما ألفته طويلا منذ استقرت وعائلتها بدوار ميجموعن آيت علي ويعقوب إرشلاون في الطريق إلى جبل هبري.

“ما كاين والو. الرحمة د الله”.. جملة نطقتها بلكنة أمازيغية فاضحة أصلها، وصدمت سائليها ممن تعرفت على أحدهم مألوفة زيارته كلما كست الثلوج الموقع، مسترسلة في قص فصول حياة لا تتغير إلا نحو الأسوأ، رغم تغير الطقس ومسؤولين لا يعنيهم أمر رحل بهموم كبيرة.

تفاعل “السين” و”الجيم” بينهم، زاد من حيرتهم لصمت رسمي رهيب حيال رعاة حكمت عليهم الظروف، ليس “بضرب القرعة والكاس” كما غنى الفنان عبد العزيز الستاتي، إنما لعيش “عيشة الدبانة فالبطانة” كما غنت فرقة ناس الغيوان، دون بعث روح في حياتهم الضائعة.

مرت سنون على أول زيارة، وتغيرت الأجواء والطقس والوجوه، ولم تتغير حياة امرأة ساخطة على أوضاع مأساوية ألفتها بعذاباتها تزداد شتاء أمام خطر الموت السريع المحدق، أو ذاك البطيء بنفس رتابة حياتها التي لا تتغير إلا مؤقتا، بزيارة ضيوف يزرعون في فؤادها الأمل.

600 درهم شهريا لعلاج ابنها الأكبر التلميذ بالقسم الرابع ابتدائي بمدرسة تمحضيت، من داء الصرع، و400 درهم لعلاج الأصغر، مصاريف قارة تخصم من أجرة شهرية لا يتبقى منها إلا 900 درهم غير كافية لأكل أسرة تحلم بظروف أحسن ورأفة لحالها من أولي الأمر.

خوف متنوع

الخوف واحد ولو تنوعت أسبابه باختلاف الخائفين. امرأة أربعينية يخيفها مرض ابنيها وموت يتهددهما وكل الرحل. غرباء وسط ثلوج يدمي بياضها قلوبا ونفوسا متوجسة، أو شباب انهمكوا في بناء عشوائي بالبلاستيك، قرب مقر الأشغال العمومية، وخافوا “طلعة” الوافدين.

تصوير خوفهم ممنوع كما التأريخ لبنائهم “عشا” بلاستيكيا يخفف عنهم معاناة الثلج وينقذهم من موت متربص في غياب أدوات ووسائل الصد. عبثا حاولوا إقناع الزوار، بمبرر الهندام لالتقاط صور قد تؤرخ لموتهم في حياتهم، دون امرأة كانت أكثر شجاعة منهم.

“لا شيء يمكن أن نخفيه. الحالة واضحة”، “قالو: شنو عندك العطار. قاليه: كلشي على ظهر الحمار”. عبارات أفصح من كلام شباب صدوا رغبة ملحة لاكتشاف حياتهم الصعبة وسط الثلوج بنفس درجة برودة أيامهم، بلفت الانتباه لأقدم شاحنة شاركت في المسيرة الخضراء.

شاحنة يستغلها مشغلهم رعاة تكشف سحناتهم درجة بؤسهم، لنقل الكلأ لأغنام يرعونها بنصيب أقل مما ينتجون، في قطيع انتشر بعيدا بحثا عن مرعى قريبا من مركز المياه والغابات، حيث تناثرت قطع الثلج حاجبة الحشائش وحلم راع تسلح بعصا ثبت بها ظهره المنحني شقاء وتعبا.

لم يمنع الرجل التقاط الزوار صوره وقطيعه، ولا نبشهم في حياته وحده الأعلم بقساوتها ولا يحجبها شيء إلا خوفه من نفوق قطيعه أو أن يغطي الثلج جسده كما وقع لراعي دوار تانشراركت بتازة، طيلة أسبوع قبل أن يعثر عليها في نفس يوم زيارة “الصباح” لجبال إفران.

هموم مشتركة

مهما تباعد مسقط رؤوسهم ومواقع استقرارهم على طول الطريق الوطنية رقم 13 إلى ميشلفين، فإنهم يشتركون في نفس الهموم ويتقاطعون في سخطهم على إهمالهم من طرف مسؤولين لم يضعوهم بعد ضمن أجندة مبادرات ومساعدات في مناسبات محددة.

“ما عطاونا والو. حتى الزيت والسكر، قالو لنا ما من حقناش نستافدو”تقول زوجة راعي قطيع كساب كبير مقابل ربع المواليد وكبشا صغيرا في عيد الأضحى، بمرارة جعلت دموعها تنساب على خديها حارقة حلمها بوضع أفضل مما هي عليه وأبناؤها الثلاثة، من بؤس شديد.

وذاك حال هؤلاء الرحل ممن يطالبون بالعودة إلى ديارهم التي هجروها مكرهين، خاصة من مناطق آيت لياس وآيت عبدي بطريق الرشيدية أو آيت عرفة بتمحضيت وجلهم لا يستفيدون من الإعانات على قلتها، اللهم مما تجود عليهم أحيانا جمعيات من أفرشة ومواد غذائية.

يعيشون مما يوفرون من مداخيل هزيلة وما يتوفر لهم من إمكانيات، ولا يطمعون فيما يبدو مستحيلا اللهم إن توفرت إرادة حقيقية للتعامل بالعطف اللازم عليهم، على الأقل بمساعدتهم على تدريس أبنائهم المحرومين من كل ما يحلم به الأطفال في مثل سنهم…

“نتمنى توفير سيارة للنقل المدرسي تنقل أبناءنا إلى المدارس بأزرو أو تمحضيت” يحلم راع متحدر من دوار البقرين بقيادة عين اللوح، ويستقر قريبا من جبل هبري. لكن تحقيق ذلك وحلم تمدرس أبناء الرحل، مؤجل إلى حين توفر الإرادة لدى مسؤولي القطاع بإقليم إفران.

قسـاوة حيـاة

رغم ظروفهم الصعبة وقساوة حياتهم، فكرمهم متجذر ومتأصل أصالة انتمائهم لقرى متباعدة لفظتهم بحثا عن أرزاق بين مواليد مواشي لهم فيها نصيب مهما تباين. بترحاب كبير يفتحون أبواب “براريكم” ، في وجه طارقها دون خوف أو خجل، مؤمنين بمصائرهم.

في إرشلاون حضنت تلك المرأة الساخطة على ثبات أوضاعها وابنيها، فضول زوارها، فشرعت باب “بيتها” في وجههم، وأعدت نارا أوقدتها بنبتة “جيغيغ” كما نطقتها، والتفت حول مجمر وحده أنيس هذه الأسرة الفقيرة وحاميها كلما تهاطل الثلج بكثافة وانخفضت درجة الحرارة.

لهب النار وحده القادر على حماية الأجساد التي نخرها المرض والمرمية وسط الثلوج، من الموت الوشيك، كلما قل الحطب ووسائل صد البرد القارس الذي لا يرحم فاقد إمكانياتها أمام أثمنتها الملتهبة وتضييق مصالح المياه والغابات الخناق على حالمين بالحطب والتدفئة. “نجمع أغصان الأشجار اليابسة فقط، ولا يسمح لنا باستعمال الشاقور أو تقطيع الأشجار. نعاني كثيرا لأجل توفير الحطب” يقول راع قطيع من نحو 300 رأس، دب وسط الحقول المقابلة لجبل هبري حيث تجمع عشرات السياح المغاربة للتزحلق على ما تبقى من ثلوج ذابت سريعا.

هؤلاء تعوزهم إمكانيات اقتناء الحطب سلاحهم الوحيد لدرء برد يهدد حياتهم، بأثمنة فاقت 1200 درهم للطن، خاصة في غياب وسائل التدفئة باستعمال الكهرباء الذي تفتقد إليه “براريكم” اللهم من استعمال بعضهم الطاقة الشمسية للإضاءة وتشغيل التلفاز.

مصادر الرزق

بقدر قساوة الثلج في حياة هؤلاء الرعاة الرحل المستقرين بإفران، فهو ضارة نافعة لهم بما يوفره من مداخيل موسمية يستعان بها للعيش، من مهن تنتعش بتهاطله بكمية كافية لصبغ الجبال المحيطة ببياض محرك لعجلة تنمية “جيبية” طيلة أشهر، يتمنونها دائمة بدوام الثلوج.

كراء الخيول للقيام بجولات والتقاط صور وسط الثلوج، حيل مجدية يلجأ إليها كبار أبناء الرحل وأولئك من دواوير مجاورة، ممن يتنافسون على استقطاب الزبناء سيما بمحطتي جبل هبري وميشلفين وما بينهما من مواقع على الطرق إلى أزرو، بشكل لا يخلو أحيانا من أحداث عنف.

مدخولهم يزداد من ذلك وكراء قطع خشبية يصنعونها بأنفسهم وسيلة للتزحلق ب20 درهما سومة قابلة للمراجعة حسب شطارة كل زبون، كما الأمر بالنسبة لأحذية التزحلق العادية منها والخاصة، وكل خدمة يعرضها شباب يعتبر العطلة فرصة لا تعوض لكسب مادي مضاعف.

الزحف إلى أماكن التزحلق، يزداد من أكتوبر لمارس وكلما تهاطلت الثلوج، ما يؤكده شاب من منطقة حجيرت بآيت أوفلا بزايدة، يشغل زملاءه بنسب متفاوتة من مداخيل كراء وسائل الترويح عن النفس لزوار مفتتنين بثلج يغريهم في رحلاتهم ويقسو على الغارقين فيه.

ويؤكد أن هذه المهن تغري شبابا من مناطق بعيدة، ومنهم وافدون من بنصميم وأنفكو وآيت مرغاد من خنيفرة، يبيعون منتوجات محلية خاصة العسل البلدي مقابل أرباح تتضاعف بتضاعف رقم زوار المناطق المكسوة بالثلوج التي تهاطلت مبكرا هذا العام.

إعداد: حميد الأبيض – تصوير: أحمد جرفي (موفدا الصباح إلى إفران)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى