fbpx
حوار

إنريكو ماسياس: الجزائـر مثخنـة بالجـراح

إنريكو ماسياس قال إن الصويرة نموذج مصغر للأندلس زمن الازدهار

حل الفنان والنجم العالمي إنريكو ماسياس، نهاية أخيرا، بالمغرب ضمن فعاليات مهرجان “الأندلسيات الأطلسية” بالصويرة، إذ أطل على جمهورها في حفل تاريخي استعاد فيه المطرب الثمانيني مجموعة من أغانيه وأيضا شذرات من أغاني اليهود المغاربيين. وبعد انتهاء الحفل وفي الفندق الذي كان ينزل به خص المغني الفرنسي والجزائري الأصل “الصباح” حصريا بهذا الحوار، رغم التعب الذي كان باديا عليه، تحدث فيه عن انطباعاته عن زياراته للمغرب والصويرة. كما استعاد صاحب رائعة “لوريونتال” محطات من مساره الفني الذي تقاطعت فيه السياسة بالموسيقى والمنفى وإسرائيل بالثورة الجزائرية، وعشق قسنطينة مسقط رأسه بالغناء للحب والسلام والأطفال، وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب (موفد “الصباح” إلى الصويرة)

< ما هو انطباعك حول زيارتك الحالية للمغرب؟
< ليست أول مرة أزور فيها المغرب، لكنها المرة الأولى التي أزور فيها الصويرة التي سمعت الكثير عنها وعن تاريخها المرتبط بالتعايش والتساكن بين المسلمين واليهود، كما أنها في الفترة الأخيرة صارت ملتقى للعديد من الأنشطة الثقافية والفنية التي تعبر عن هذا المنحى وتشكل بيئة لترجمة فكرة التسامح عن طريق الإبداع والفن والبحث عن كل ما هو مشترك. كما أنني سعيد بما يحققه أندري أزولاي الابن البار لهذه المدينة والذي يشرف على تنظيم تظاهرات كبرى بها مثل مهرجان الأندلسيات الأطلسية الذي تشرفت بالحضور إليه، واستمعت كثيرا بالعروض المقدمة فيه وبالأصوات الرائعة التي تتحف جمهوره. بالنسبة إلي ما يفعله أزولاي هنا هو ما أحلم به أن يتحقق في العالم بأسره، فإذا به يتجسد في الصويرة، كما كان الأمر في الأندلس خلال أوج ازدهارها ومجدها حين كانت مهدا للتعايش، قبل أن تسقطها الملكة إزابيلا الكاثوليكية التي ارتبط اسمها عبر التاريخ بطرد العرب والمسلمين واليهود من الأندلس وبداية محاكم التفتيش.

< ما الذي شدك أكثر إلى الصويرة خاصة أنها المرة الأولى التي تزورها؟
< جئت إلى هذه المدينة للمشاركة في هذا المهرجان، منجذبا إلى سمعتها الطيبة وما سمعت عنها بأنها نموذج مصغر للتعايش بين الثقافات والأديان الذي وجدته مجسدا على أرض الواقع وليس مجرد شعارات فارغة وعبارات مسكوكة للاستهلاك، فمثل هذه الملتقيات الفنية تقرب المسافات المتباعدة بشكل وهمي بين الحضارات والديانات. أسعدني كثيرا أن أرى هذا الحب الجميل بين اليهود والمسلمين أمازيغا وعربا، لأنه قبل وبعد كل شيء فنحن جميعا إخوة، وأبناء النبي إبراهيم عليه السلام. أعتقد أنه من الرائع أن تكون الصويرة نموذجا ومثالا للسلام المنشود بين إسرائيل وفلسطين واليهود والمسلمين.

< لازمتك تيمة "النفي" و"المنفى" في العديد من أغانيك حتى أنك لقبت بها، كما أنها ارتبطت بقصة حزينة في مسارك كيف تستعيدها؟
< فعلا اضطررت في ظروف مؤلمة إلى مغادرة بلدي الجزائر منذ أزيد من 56 سنة، وهي مدة ليست بالهينة، غادرت بعد أن شعرت بالخطر وبالأسى على اغتيال معلمي وصهري الفنان الراحل الشيخ ريمون في يونيو 1961، أي قبيل بضعة أشهر على استقلال الجزائر، هذا الشيخ الذي التحقت بفرقته الموسيقية وعمري لا يتجاوز الخامسة عشرة، وكنت لا أفارقه، ولن أنسى أبدا اللحظات التي قضيتها معه وما تعلمت منه، لكن الظروف التي اغتيل فيها كانت مؤشرا على تغيرات جذرية في النظر إلى اليهود بالجزائر، وهو ما يعني نهاية حقبة وبداية أخرى بالنسبة إلى الطائفة اليهودية، فلم يعد أمامي خيار، حينها، سوى الهجرة مكرها من الجزائر، التي ظلت تسكن دمي وروحي ووجداني وفني، حتى أنني غنيت لكل المنفيين في العالم وصرت رمزا لهم.

< هل يمكن القول إن مسارك الفني نغصته مشاكل السياسة؟
< أنا فنان ولست سياسيا..
< (مقاطعا) لكن قضايا السياسة رمت نفسها في طريقك وجعلتك تعيش منفى لم ينته بعد؟
< ربما لكنني في العمق لا أعتبر نفسي مطربا سياسيا، كل ما يهمني هو الفن والموسيقى والحياة والإنسان، وحينما استدعاني الرئيس المصري الراحل أنور السادات تحولت من مطرب المنفى إلى مطرب السلام، وبهذا المعنى قد أصير مغنيا سياسيا لأن السياسة تعني بالنسبة إلي السلام والدعوة إلى الإخاء بين الناس.

< لكن رغم ذلك ما زالت قضية عدم تمكنك من دخول الجزائر مجددا تسكنك؟
< لا يهم.. فأنا أتفهم ما مرت منه الجزائر، التي عاشت بذاكرة مثخنة بالجراح ومثقلة بالمآسي مع الاستعمار الفرنسي، فطبيعي أن تعيش البلاد جملة من المشاكل التي تحول دون تصالحها مع ذاتها ومكوناتها بشكل طبيعي، لكن لن يستمر ذلك إلى الأبد. عاجلا أم آجلا ستصلح الأمور وينتصر الانفتاح. أشعر بذلك.

< كيف تتابع تطور الغناء الجزائري من "الشيوخ" إلى الأشكال الحديثة، وألا ترى أن البقاء والانتشار في النهاية كان لنمط الراي على حساب التراث؟
< تربيت وسط التراث وتشبعت بالمالوف والغرناطي وغناء الشيوخ، خاصة مع معلمي الشيخ ريمون الذي تحدثت عنه، وكان والدي سيلفان غرناسيا الذي كان موسيقيا وعازف كمان ضمن فرقته، وحرصت على الوفاء لمعلمي من خلال إعادة تقديم مجموعة من أعماله، كما قدمت أعمالا بنكهة أخرى مغايرة وذات بعد كوني وعالمي، إلا أن الراي رغم أنه انتشر أكثر فإنه ليس فنا متجذرا ولا يمكن أن يشكل بأي حال امتدادا لما كان يقدمه "الشيوخ".

< كلمة أخيرة عن معنى "أطفال كل العالم"؟
< حلمي أن يعيش كل أطفال العالم متحابين بينهم دون حقد أو ضغينة أو كراهية. قد يبدو الأمر نوعا من الطوباوية والمثالية، لكن هذا ما سيحدث فعلا.

إسرائيل والثورة الجزائرية

< هناك قضيتان تخللتا مسارك الفني هما "الثورة الجزائرية" ودولة "إسرائيل" ماذا يمكن أن تقول عنهما؟
< بالنسبة إلى إسرائيل طبيعي أن يتحدد موقفي منها انطلاقا من عقيدتي اليهودية، دون أن يعني ذلك أنني أساند مواقف الدولة السياسية بشكل مطلق، فأنا فنان لكل العالم ولا يمكن أن أدعم إلا القيم التي توحد البشر وتحول دون التفرقة وإشاعة الحقد والكراهية، وإسرائيل دولة تتوجه إلى السلام ومن أجل العيش فيه، رغم أن منطقة الشرق الأوسط تعيش قلاقل وحروبا، لكن السلام هو الذي سينتصر في النهاية ولن يستمر أمد الحرب إلى ما لانهاية. أما قضية الثورة الجزائرية فهي معقدة وخضعت لتصفية حسابات عديدة واتهامات بالتخوين كان من جرائها اندلاع مآس جديدة للاضطهاد والاغتيال والطرد والنفي، لتأخذ منحى تراجيديا بعد استقلال الجزائر أفضى إلى ظهور الأصوليين مطلع التسعينات وزعزعتهم لاستقرار البلاد. الجزائريون عانوا في تاريخهم بسبب الاستعمار الفرنسي ومن بعضهم البعض، لكن الأمور الآن تسير في اتجاه الأحسن، سيما أن البلد غني بثرواته ومن حق كل الجزائريين الاستفادة منها.

طفل كل البلدان

رغم أن اسمه ارتبط بالغناء الفرنسي أكثر من المغاربي، إلا أن اسم "إنريكو ماسياس" يظل عصيا على التجاوز أو التجاهل، في سياق استحضار رموز الغناء المغاربي اليهودي.
الفنان الفرنسي/ الجزائري الذي دخل العالمية من أوسع أبوابها، وعانق المجد الغنائي في أبهى حلله، ما زال مصرا على ربط الصلة بجذوره وأصوله الجزائرية، وما زال الحنين يستبد به لزيارة مسقط رأسه قسنطينة، الذي وجد نفسه ممنوعا من زيارته بسبب مواقفه وتصريحاته المثيرة للجدل بشأن الصراع العربي الإسرائيلي، أو انتقاده للسلطات الحاكمة في الجزائر تارة، ومغازلته إياها تارة أخرى رغبة منه في كسب عطفها.

إنريكو ماسياس واحد من الأسماء الفنية المثيرة للجدل، إذ رغم أن قسما من الجمهور الجزائري والعربي ناصبه العداء بسبب مواقفه من إسرائيل، رغم تصريحه أنه لم يكره الفلسطينيين يوما، فإن الإقبال على أغانيه لم يفتر، ما جعلهم يرحبون بفنه ويرفضون شخصه.

رأى إنريكو ماسياس، واسمه الحقيقي غاستون غريناسيا، النور سنة 1938 بمدينة قسنطينة الجزائرية، وكان والده سيلفان أحد أشهر عازفي الكمان بالجزائر، وعضوا بالفرقة الموسيقية التابعة للشيخ ريمون، عميد المالوف الجزائري.

كان سيلفان وراء تشجيع ابنه على ولوج مجال الموسيقى، من خلال إلحاقه بالفرقة وعمره لا يتجاوز الخامسة عشرة، فكان بذلك قريبا من الشيخ ريمون الذي ظل إنريكو يعتبره مثاله الأعلى وقدوته في مجال الفن، لدرجة أنه ارتبط به عن طريق المصاهرة عبر زواجه من ابنته "سوزي".

في قسنطينة تربى إنريكو على عشق المالوف والأغاني التراثية الجزائرية التي كان يتغنى بها اليهود والمسلمون على حد سواء، إلا أن تعلقه الشديد بأستاذه الشيخ ريمون، جعله يفكر في مغادرة الجزائر بعد اغتيال أستاذه سنة 1961، معتبرا أن هذه الحادثة مؤشر على أن وجود مجموعة من اليهود المقربين من فرنسا لم يعد مرغوبا فيه في الجزائر، التي كانت تعيش على فورة الثورة والتحرير التي انتهت بحصول الجزائر على استقلالها خلال السنة الموالية، وهو الاستقلال الذي حمل معه متغيرات كثيرة تهم مسألة التعايش بين اليهود والمسلمين بالقطر الشقيق.

اختار غاستون غريناسيا إذن المنفى، ومغادرة مسقط رأسه في اتجاه فرنسا، وكان أول إجراء قام به هو تغيير اسمه إلى "إنريكو ماسياس" وبدء صفحة جديدة في الحياة والفن، أدت به إلى اختياره الفرنسية لغة للغناء، وبها بنى مجده الفني الذي لم تكن الطريق إليه معبدة، إذ عانى إنريكو في بدايات وجوده بفرنسا شظف العيش، واضطر إلى الاشتغال موسيقيا جوالا وبمطاعم وملاه متواضعة، إلى أن أتيحت له فرصة تسجيل أسطوانته الأولى بعنوان "وداعا بلادي" سنة 1962.

وتواصلت أسطوانات إنريكو ماسياس بعدها، مثل ألبوم "أطفال كل العالم" التي فتحت له أبواب قاعة "الأولمبيا" الباريسية الشهيرة، التي أحيى بها حفلا تاريخيا أعلنه نجما فوق العادة في الأوساط الفرنكفونية، قبل أن يدشن أولى جولاته الفنية بكل من اليونان وتركيا ولبنان وموسكو التي أحيى بها حفلا أواسط الستينات أمام أزيد من 120 ألف متفرج في ملعب "دينامو"، ثم سهرات أخرى بأربعين مدينة روسية، قبل أن يختم جولته في اليابان.

بعد أن ضمن نجاحا كبيرا في جولته الأولى بأوربا وآسيا، يمم إنريكو ماسياس وجهه شطر الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، حيث أحيى حفلات جعلت نجمه يسطع هناك، ويغدو واحدا من رموز الغناء العالمي خلال فترة نهاية الستينات والسبعينات، إذ حصل سنة 1976 على الأسطوانة الذهبية عن ألبومه الغنائي الذي حمل عنوان "سحقا لمن يجرح طفلا" وتنازل عن عائداتها لفائدة "اليونيسيف"، كما غنى سنتين بعدها بمصر أمام الرئيس أنور السادات، الذي كان يراهن من خلال هذا الحفل على تشجيع التقارب العربي الإسرائيلي. كما منحت الأمم المتحدة إنريكو ماسياس، بداية الثمانينات، لقب "مغني السلام" ونال عدة أوسمة شرفية بفرنسا، وكان ماسياس من السباقين إلى فكرة الديوهات الغنائية العالمية التي أجراها مع كل من ميكائيل ميرو وداني بريان والشاب خالد والشاب مامي وغيرهم.

ع. م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق