حوار

الغزلي: تطبيق القانون لايعني خنق المتعهدين

رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري قال إن الجميع يطلب من القطاع العمومي أكثر من قدراته

أكد أحمد الغزلي، رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، أن الإعلام السمعي البصري لم يصل بعد إلى مستوى نموذجي يجعله حاضنا لضمان التعددية السياسية، مشيرا في الآن ذاته إلى وجود صعوبات هيكلية باعتراف المتعهدين أنفسهم.

وأضاف الغزلي في حواره مع “الصباح” على هامش الندوة التي نظمت الأسبوع الماضي بمدينة فاس حول “تدبير التعددية السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري خلال الفترة العادية والفترة
الانتخابية” أن الجميع يطلب من القطاع العمومي أكثر من قدراته. وفي سياق آخر يقول الغزلي إنه رجل مدافع على قيم الحرية، لكنه في الآن ذاته حريص على الحفاظ على سيادة القانون وضمان
توازن في القطاع في إشارة للتجاوزات التي تشهدها بعض المحطات الإذاعية. كما تحدث الغزلي في الحوار التالي عن الإعلام الإسباني وتجاوزاته وعن ملف الجزيرة وعلاقة الهاكا بالمتعهدين
الخواص، وبالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة على خلفية قضية المعلق الرياضي “ريباك”.

< أشارت بعض التدخلات خلال الندوة الموضوعاتية حول “تدبير التعددية السياسية في وسائل الاتصال السمعي البصري”، إلى بعض الإكراهات التي تحول دون احترام مبدأ التعددية، كيف ترون هذا الأمر؟
< بصفتي رئيسا للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، وبعد ست سنوات من الممارسة كمقنن للمجال، حاولنا طيلة هذه المدة وضع نظام يخول لجميع تيارات الفكر والرأي التعبير عن نفسها في الإعلام السمعي البصري العمومي والخاص بشكل منصف. وخرجنا من خلال هذه التجرية بمجموعة من المعطيات. فيما يخص النقط الإيجابية، أولا، وضعنا ترسانة قانونية ومعيارية وتنظيمية تضمن التعددية. هذا أمر مهم جدا، فبرغبة سياسية من الدولة، وضعنا ترسانة قانونية تمنح الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المهنية والجمعيات ذات البعد الوطني حق الولوج إلى وسائل الإعلام بشكل منصف خلال الفترات العادية.
ثانيا، بعد ست سنوات من العمل الميداني، سجلنا نوعا من الارتياح لدى المتعهدين والأحزاب والنقابات، ونتلقى الكثير من رسائل الشكر والامتنان بخصوص العمل الذي نقوم به في هذا الإطار، وإن كنا لا نحيطه بخرجات إعلامية واسعة، لأن هدفنا ليس هو رمي أنفسنا بالورود… هناك مسار للتغيير تعيه كل الأطراف، كما أن المتعهدين أصبحوا شركاء لنا.. هي ثقافة تبنى.. ربما ليست ناضجة بما يكفي، لكنها موجودة، وتسير في الاتجاه الصحيح.
أما النقط السلبية فمرتبطة بالأساس بطبيعة النشاط السمعي البصري، لأنه لم يصل بعد إلى المستوى النموذجي ليكون وعاء حاضنا لضمان التعددية السياسية.
وعندما أتحدث عن طبيعة النشاط السمعي البصري، أقصد علاقة وسائل الإعلام السمعي البصري مع المجال المجتمعي والاقتصادي والسياسي، والوعي الذي يجب أن يكون لدى المتعهدين بخصوص الدور الذي يلعبونه داخل المجتمع.
ما أريد قوله هو وجود مشكل هيكلي يحد من ضمان تعددية التعبير عن التيارات من طرف وسائل الإعلام السمعي البصري التي لازالت تتلمس طريقها نحو مستوى يؤهلها لتكون في تناغم مع تحديات المجتمع وتطوره، واليوم لم يتحقق بعد هذا الوعي. المتعهدون ليسوا الوحيدين المسؤولين عن هذا الوضع، فوسائل الإعلام السمعي البصري ليست إلا انعكاسا لمجتمع في تطوره، يحركها في تحولاته، فرافعات المجتمع يجب أن تكون ثقافية واقتصادية وسياسية، كما على وسائل الإعلام السمعي البصري أن تعي بأنها عنصر أساسي في تحول المجتمع وتطوره ويكون هذا الوازع دائما حاضرا في مسارها وأدائها.
إجمالا، أعتقد أن هناك تطورا، فقبل 8 سنوات كنا في إطار مختلف تماما. لكننا لم نصل بعد إلى الوعي الكامل بهذه المهمة الأساسية. وهو واقع طبيعي بالنسبة إلي. لأن أصعب عنصر في التغيير هو تغيير العقليات، إنه أمر يتحقق في امتداد مع الزمن وفي تكامل بين جميع الفرق.
يجب أن لا ننسى معطى آخر مهم جدا، هو أننا ربما نطلب من القطاع العمومي أحيانا أكثر من قدراته لأسباب عدة: اقتصادية وسياسية وثقافية… يجب ألا ننسى أنه ولمدة غير بعيدة كانت الإذاعة والتلفزة المغربية مرتبطة بشكل مباشر بوزارة الداخلية والاتصال… ولست أدري إن كان ممكنا أن نصنع الجديد من خلال القديم!
أكثر من هذا، لنأخذ مثالا من قناة فرانس 5، التي تنتمي إلى «مجموعة فرانس تلفزيون» العمومية، فقناة المعرفة هذه تحقق حوالي 5 في المائة من حصص المشاهدة، لكنها في المقابل تسير بميزانية سنوية تبلغ 170 مليون أورو، أي حوالي 2 مليار درهم. في حين أن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بكل قنواتها تسير بحوالي نصف هذه الميزانية.
التلفزيون هو أيضا معادلة مالية، ولابد من ميزانية كبيرة للحصول على صورة جميلة ومضمون جيد ومواد مختلفة جذابة.

< أسمح لي بالمقاطعة.. نحن ندخل هنا في إشكال فلسفي في العمق: هل وسائل الإعلام السمعي البصري ملزمة بالنزول إلى مستوى العامة أم أن دورها هو الرقي بهم إلى الأعلى؟   
< الأمران معا، وفي الآن ذاته. فمن الناحية الاقتصادية وسائل الإعلام مجبرة على تلبية أذواق الشرائح الواسعة من المجتمع من أجل تحقيق نسب جيدة من المتابعة وبالتالي الحصول على مداخيل إشهارية تضمن لها الاستمرار والبقاء والمنافسة. لأن وسائل الإعلام عندما تصبح نخبوية تتقلص حصص متابعتها وإن كانت ذات مضمون جيد. وأعطيكم مثالا بالقناة الفرنسية الألمانية «أرتي».
لكن وفي الآن ذاته، وفي إطار عمل المتعهدين العموميين كأداة للتغيير ومواكبة التطور، عليها أن تجر إلى فوق، أي إلى الأفضل. المعادلة تكمن إذن في تحقيق التوازن بين الهاجس الاقتصادي ومهام المرفق العام.

< على ذكر المتعهد العمومي، هناك من يقول إن علاقتكم بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون عرفت منعطفا كبيرا في الآونة الأخيرة مع إصداركم لعقوبة مالية ضدها في ما أصبح يعرف بقضية المعلق الرياضي «ريباك»…
< لا أعتقد أن ما حدث كان منعطفا، فتعامل الهاكا مع المتعهدين سواء كانوا عموميين أو خواص طبعته دائما إرادة حقيقية في التعامل بالمساواة مع الجميع لأن منطلقات الهيأة الفلسفية تفرض عليها هذه المساواة.
فعندما أقول إن مرجعيتي الوحيدة كمقنن مع المتعهدين هي القانون الذي يحمي المتعهدين أنفسهم ويحمي المقنن في علاقته مع محيطه المتشعب المدسوس بالمخاطر المؤسساتية، أقول إن المساواة ضرورية لأنها تضع الجميع على قدم المساواة أمام المساءلة القانونية.
من ناحية الممارسة يمكن أن تلاحظوا التوازن حتى في القرارات الخاصة بالمتعهد العمومي والخواص. دون أن ننسى منهجية المواكبة والتدرج والمرافقة التي نتبعها مع الجميع.
إن تحصين عمل الهيأة من مؤاخذات ومساءلات مشروعة وغير مشروعة، يتم عبر ربط قراراتها بمقتضيات قانونية لا غبار عليها.

< الملاحظ أنكم انتقلتم إلى السرعة القصوى مع المتعهدين الخواص مع القرار الأخير اتجاه هيت راديو والقاضي بتخفيض مدة الترخيص الممنوح للمتعهد. كيف ترون المرحلة الجديدة؟
< أولا، قرارنا في حق «هيت راديو» لم يكن مفاجئا، فعندما استقبلنا مسؤولي الإذاعات الخاصة لتوقيع دفاتر التحملات الجديدة ومنحهم توسيعات البث في ماي 2009 أخبرناهم بصريح العبارة أننا منحناهم ما يكفي من الوقت ليستأنسوا بالقطاع الجديد وليتموقعوا فيه بشكل صحيح وطبيعي وليحققوا توازنهم الاقتصادي، باعتبار أن التجربة جديدة بالنسبة إلى الجميع. واليوم حان الوقت للانتقال من مرحلة الاستئناس إلى مرحلة النضج. فمنحنا لهم توسيع مجال البث في إطار دمقرطة الولوج إلى وسائل الإعلام السمعي البصري، سيدفع بالمقابل المقنن ليصبح أكثر صرامة. صحيح أنني رجل مدافع على قيم الحرية، لكن في الآن ذاته حريص على الحفاظ على سيادة القانون وضمان توازن في القطاع حتى لا تنقطع الصلات.
وأظن أن البعض يعتقد أن الحرية مطلقة لا حدود لها، فيما نحن مع تحقيق المزيد من المكتسبات لكن دون الإخلال بالتوازن.

< هناك حديث عن تقييم الهاكا لتجربة المحطات الإذاعية خصوصا أن بعضها فقد هويته الأولى…
< صحيح، الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري تقوم الآن بعمل عميق وبحث دقيق في إطار تقييم تجربة الإذاعات الخاصة من زاوية الهويات، وكذلك فيما يخص التزاماتها بتوسيع البث. توصلنا إلى ملاحظات أولية تخص إعادة نظر بعض المتعهدين في هويتهم التي انطلقوا بها لاعتبارات اقتصادية ومالية أساسا.
التقييم جار إذن، والعمل الذي ستقوم به الهيأة تواصلي مع المتعهدين المعنيين، مبني على الاستماع إليهم، والإنصات لإكراهاتهم، فنحن لسنا مطبقين عميان للقانون بحذافيره لخنق المحطات الإذاعية وقتلها، بل نبحث عن توازن وطريق سوي لضمان استمرار هذه المحطات وفي الوقت نفسه الامتثال للضوابط القانونية والتعاقدية معهم. وسنراسلهم قريبا بخصوص هذا الموضوع.
أجرى الحوار : جمال الخنوسي
(موفد الصباح إلى فاس)

 


” الجزيرة ” زاغت عن مسارها

أكد رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري أن الهاكا قطعت صلتها بملف الجزيرة منذ مدة. وأشار الغزلي أن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري حاولت إدخال الجزيرة قانونيا إلى المجال السمعي البصري المغربي خصوصا في ما يتعلق ب”نشرة المغرب العربي”.
وأضاف الغزلي، «شارفنا على الوصول إلى مبتغانا من خلال وضع هذه النشرة تحت المراقبة والنظرة المتفحصة خلال تغطيتها لانتخابات سنة 2007، وعقد اتفاق ثنائي مع مكتبها بالرباط سيجبره على الالتزام بما تلتزم به إذاعة «سوا» اليوم، حيث وضعنا له دفتر تحملات بعد أن أصبح شركة مساهمة خاضعة للقانون المغربي. أكثر من هذا عرضنا عليهم بث ثلاث ساعات، إضافة إلى «نشرة المغرب العربي»، في إطار مشروع عام لم يكتمل».
وأكد الغزلي أن «الجزيرة» لم تلعب اللعبة كما يجب، «وبدأت في أول الأمر بشكل جيد لكنها زاغت في ما بعد عن المسار المتفق عليه. ولما ارتأينا أن الأمر أصبح يتجاوز مجال اختصاص هيأة تقوم على قوانين مضبوطة، قطعنا الصلة بشكل نهائي ولم تعد موجودة بالنسبة إلينا».
أما على المستوى الشخصي، يقول الغزلي، «إغلاق مكتب الرباط لا يعني أن الجزيرة لم يعد لها وجود في البيوت المغربية. رغم أنني أعتقد أن صورة «الجزيرة» اليوم غدت باهتة داخل المغرب، وتشهد منافسة من طرف قنوات أخرى في المقاهي والبيوت والفنادق».
ويختتم رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري حديثه بالقول، «إن «الجزيرة» محطة لا يمكن التعامل معها انطلاقا من متغيرات أو معطيات سمعية بصرية فقط، بل هناك أيضا معطيات أخرى أكثر تعقيدا تتداخل في الملف.

تعامل “أنتينا 3” مع أحداث العيون متخلف

وصف أحمد الغزلي، رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، جزءا من الإعلام السمعي البصري الإسباني ب»المتخلف». وقال الغزلي، «أستغرب كيف أن بلدا أحمل له كل التقدير والإعجاب توجد فيه قناة تلفزيونية تتميز بكل هذه الرداءة» في إشارة إلى القناة الإسبانية «أنتينا 3» وتعاملها المضلل مع الأحداث التي شهدتها مدينة العيون أخيرا. وأضاف، «هذه قناة لا يمكنها أن توفر حتى الحد الأدنى من التعامل الديونطولوجي مع الخبر، خصوصا أن الأمر يتعلق بجار تربطه مع إسبانيا علاقة متميزة ومتقدمة».
وأكد رئيس الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري أن كيفية تعامل الإعلام السمعي البصري الإسباني مع أحداث العيون خارج اختصاص الهيأة باعتبارها مؤسسة ضبط وطنية مغربية لها ضوابط تتحكم في أدائها، واختصاصها ينحصر في وسائل الإعلام التي تبث من داخل التراب الوطني.
وأضاف الغزلي، «أما باعتباري متتبعا ورجل اختصاص، فتعامل بعض وسائل الإعلام الاسباني السمعي البصري متخلف، لأن الصورة التي يحملها المغاربة عن إسبانيا، والمسار الذي قطعته في تحولاتها بعد الجنرال فرانكو، بالنسبة إلى العديد من الفاعلين والاقتصاديين والسياسيين، يجعلها نموذجا في بعض معالم الديمقراطية وفي الانفتاح والتطور الاقتصادي والاندماج مع أوربا. إنها بالنسبة إلينا جار يحتدى به، ويمكن أن نستلهم منه بعض الأشياء».
وأشار الغزلي أنه اعتبارا لهذه الأمور «تربطنا علاقات فردية مع مسؤولين إسبانيين ذات قيمة عالية، وعلاقاتنا متميزة باعتبار أننا ننتمي إلى محيط سوسيو ثقافي واحد. وأنا شخصيا تربطني علاقة طيبة ومتميزة مع كل رؤساء هيآت التقنين الجهوية في إسبانيا خصوصا كطالونيا ومنطقة الأندلس».
وأكد الغزلي أن إسبانيا، خلافا للمغرب، لا تتوفر على مؤسسة ضبط وطنية، «ولو كان الأمر كذلك، لكنا لفتنا انتباهها في إطار انتمائنا إلى الشبكة المتوسطية لنقول لها إن إعلامها متخلف أكثر من اللازم… لسوء الحظ ليس لدينا مخاطب يحمل هذه الصفة وهذا الاختصاص».
ونفى الغزلي أن يكون تعامل القناة الاسبانية «أنتينا 3» مع أحداث العيون خطأ تقني، معتبرا إياه «موقفا عدائيا وخطوة متعمدة». معللا موقفه من «أنتينا 3» بأن حملة القناة الاسبانية تنبني على توجهات متخلفة: «فهي وسيلة إعلامية تعيش في كنف اليمين الاسباني، ويحركها جرح تاريخي لم يلتئم بعد، ليس في ارتباط مع التاريخ المعاصر وقضية الصحراء فحسب، بل بتاريخ الأندلس القديم. أضف إلى ذلك الإهانة التي لحقت بهم خلال المسيرة الخضراء. لا يمكن إلا نصف هذا الصنف من الإعلام بالتخلف. ف»أنتينا 3» تعبر عن موقف معاد للمغرب يحمل الحقد والعنصرية، وتلعب على الوتر الحساس الشعبوي (21 في المائة من حصص المشاهدة في إسبانيا وثالث قناة في الترتيب العام)، إنها أداة في يد الحزب الشعبي الاسباني في إطار حملته الانتخابية».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق