fbpx
بانوراما

سجال في التدين … الأعمال والعقائد

سجال في التدين 4

ما معنى أن أكون إنسانا متدينا؟ هل يعني التوقف عن التفكير وخلع العقل عند باب المسجد، قبل الدخول مثلما أخلع النعل، هل يعني شل الإرادة أو تسليمها للشيخ أو السلف، هل معناه فقد الوعي والإغراق في الغيبوبة، عند سماع ذوي الأدعية الصاخبة؟ هل معناه أن يكون المسلم كارها للدنيا نابذا للحياة، لاعنا للمتع محتقرا للجسد متشبعا بثقافة الموت والكآبة؟
أسئلة جريئة يطرحها سعيد ناشيد، الباحث المختص في قضايا الفكر الديني، ويحاول مناقشتها من خلال عناوين ومظاهر عدة تحت عنوان التدين العاقل، وهي قراءة مستفزة تسائل العقل الإنساني في علاقته بالدين، من قبيل طرح علاقة الإسلام بالفطرة.

يتساءل ناشيد “متى كان الرقص ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان الاختلاط أو الغزل والتغني بالحب ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان السؤال والتساؤل والشك والاندفاع نحو المجهول ضد الطبيعة البشرية؟
يقول الباحث ناشيد “عندما تملي علينا تصوراتنا الدينية واجبات ضد طبيعتنا الإنسانية، فإننا ندفع بأنفسنا إلى أحد الخيارين، إما ممارسة النفاق الاجتماعي، بحيث نعيش حقيقتنا في الخفاء، ونرضي السلطة الآمرة في العلن، أو أننا نلزم أنفسنا بما لا يلزم فنشل عقلنا ونشوه طبيعتنا ونخرب فطرتنا.
ويبقى البديل هو أحد الخيارين، إما النفاق الذي قد يبلغ حد الانفصام أو التعصب الذي قد يبلغ درجة الغلو في الدين. وأما الحل، حسب ناشيد، فهو ما يسميه خيار التدين العاقل.

المطلوب إعادة نقل مركز الثقل الديني من «الإيمان الصحيح» إلى «العمل الصالح»

يؤكد جان جاك روسو ضمن كتابه الأشهر “في العقد الاجتماعي” أن السلام لا يكون بين شخصين يعتقد كل واحد منهما بأن الله غاضب على الآخر. هنا بالذات تكمن معضلة السلام بين الأديان، وبين الطوائف الدينية. الأدهى من ذلك والأمر، هو حين يظن أحدهما بأن الله سيبقى غاضبا على الطرف الآخر الذي لا يشاركه الدين والمعتقد نفسهما حتى ولو تلقى منه معاملة حسنة، حتى ولو كان ذلك الآخر قد آواه وأكرمه، حتى ولو كان ذلك الآخر قد أنقذ حياته مرة ومرات، بل يبقى ذلك الآخر في كل أعماله وأحواله مستحقا لسخط الله وكراهيته، فقط لأنه بمحض الصدفة لا يؤمن بالعقيدة “الصحيحة”.
لقد ركز الموروث الفقهي على مجال العبادات، فجعلها أولى أولويات الدين، وجعل الصلاة أول ما يسأل عنه العبد عند القبر، مع إضافة أسئلة تكميلية في العقيدة: من ربك؟ من رسولك؟ ما دينك؟ ونحو ذلك. بهذا النحو انتقل مركز الثقل من مجال الأعمال والمعاملات إلى مجال العقائد والعبادات.

وقد تشدد الخطاب الديني في هذا الأمر لدرجة صارت فيها مجالسة صديق لصديق لا يصلي، أو مصافحة زميل لزميل غير مؤمن، أو معايدة جار لجار غير مسلم، تعتبر مشكلة فقهية.
إن التشدد في العقائد والعبادات لا يعني أن الخطاب الديني ترك مجال الأعمال والمعاملات الاجتماعية والسياسية والإنسانية جانبا، بل ألحق بالعبادات كل الأعمال التسلطية التي تخدم إرادة الهيمنة والنزوع إلى التسلط، سيما بالنظر لحاجة عصر التوسعات الإمبراطورية إلى عسكرة المفاهيم الدينية- جاعلا الجهاد عبادة، والحجاب عبادة، والطاعة عبادة، ولزوم الجماعة عبادة، والبيعة في السراء والضراء والمنشط والمكره عبادة، إلخ…

المطلوب من الرؤية الإصلاحية اليوم العمل على إعادة نقل مركز الثقل الديني من مجال “الإيمان الصحيح” إلى مجال “العمل الصالح”. وهنا لن نعدم وجود مستندات داخل الخطاب القرآني، وداخل التراث الديني، وداخل الفطرة الإنسانيّة أيضا.

ويؤكد الخطاب القرآني بنحو واضح وصريح بأن الجزاء الأخروي يتم على أساس العمل الصالح والمعاملة الحسنة، ولا يشترط في مستوى العقائد والعبادات سوى شيء واحد، الإيمان بالله والبعث “إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ” البقرة 62.

وداخل التراث الديني، هناك أدلة كثيرة، من بينها أن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي على سبيل المثال، كان يرى المعصية نوعين: معصية لازمة ومعصية متعدية (وقد ورد هذا التصنيف في الباب السادس من كتاب الحلال والحرام ضمن كتابه الأشهر “إحياء علوم الدين”). أما المعصية اللازمة فإنها تخص علاقة الإنسان بالله، وفيها يملك الله حق الشفاعة، من باب ترك الصلاة مثلا، أو حتى الكفر على سبيل المثال. غير أن المعصية المتعدية، فإنها تخص علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، من باب الظلم في كل أحواله، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، ونحو ذلك، وهي أعلى ضررا وأشد ضراوة؛ لأن الّذي يملك حق الشفاعة فيها ليس الله بل هو ذلك الإنسان المظلوم نفسه، أي الضَّحية.

وطالما أن الإسلام دين الفطرة كما يقال، فإن الفطرة السليمة لا تسمح لنا بأن نتصور أن الله سيعاقب مخترع لقاح الجدري الذي أنقذ ملايين البشر، فقط لأنه قد يكون سمع بالإسلام ولم يسلم !.. أو أن الله سيعذب امرأة جاهدت طيلة حياتها في سبيل رعاية وتعليم صغارها في ظروف شاقة، فقط بسبب متعة مسروقة في بعض ليالي الشقاء !..

برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى