أسواق

درب غلف… سوق شعبي للتكنولوجيات الحديثة

يستقبل الزبناء المهووسين بمنتوجات “هاي تك”من مختلف مناطق المغرب

تعتبر “جوطية” درب غلف محج الباحثين عن أحدث ما أنتجته التكنولوجيا الحديثة سواء في ما يتعلق بأجهزة الاتصال أو ألعاب الفيديو أو أجهزة التلفزيون الحديثة، كما أن أصحاب المحلات فيه أصبحوا من أمهر مصلحي هذه الأجهزة. بعض الظرفاء أصبحوا يسمون هذا السوق  “سيليكون فالي” المغربية على غرار مدينة “سيليكون فالي” الأمريكية، التي تقع  شمال كاليفورنيا، والمشهورة باحتضانها أكبر الشركات العالمية المتخصصة في إنتاج البرامج المعلوماتية وما جد من منتوجات التكنولوجيا الحديثة، وذلك لأن محلات جوطية درب غلف، خاصة تلك التي تعرض المنتوجات الإلكترونية والمعلوماتية، تعرض، هي بدورها، آخر ما أنتجته التكنولوجيا في هذا المجال.
فالهاتف المحمول “آي فون” (i phone)، الذي يعتبر من آخر ما أنتجته  الشركة الأمريكية “آبل” عرض للبيع في جوطية درب غلف جاهزا للاستعمال قبل تسويقه بفرنسا وألمانيا ومجموعة من البلدان الأوربية الأخرى، وذلك بسعر لا يتعدى 6 آلاف درهم، وكلما ظهر مولود جديد من هذا الجيل من الهواتف تجده في هذا السوق “العشوائي”، الذي أصبحت سمعته تتعدى المستوى المحلي، إذ يقصده مواطنون من مختلف مناطق المغرب من أجل اقتناء ما يرغبون فيه، خاصة ما يتعلق بالتجهيزات الحديثة المتعلقة بتكنولوجيا الاتصالات وقطاع السمعي البصري والخدمات التي يقدمها أصحاب المحلات التجارية الموجودة فيه في هذا المجال، من قبيل قرصنة الأفلام السينمائية والوثائقية وتحميلها على الأقراص المدمجة،  وكذا حل شفرات بعض القنوات المشفرة مهما بلغت درجة تعقيدها والاحتياطات الاحترازية التي تقوم بها هذه القنوات التلفزيونية. فقبل أن ينجح مسؤولو الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في جلب اهتمام المشاهدين من أجل اقتناء باقة قنواتها الأرضية الست، استطاع “هاكرز” جوطية درب غلف أن يجدوا حلا للراغبين في التقاط هذه القنوات دون حاجة إلى شراء الجهاز اللاقط، وذلك من خلال ما يعرف بعملية “الفلاشاج”، إذ يصبح بالإمكان التقاط هذه القنوات على القمر الصناعي “هوتبورغ” بواسطة أجهزة البارابول اللاقطة العادية، ولا تكلف هذه العملية سوى عشرات الدراهم.
العاملون في هذا السوق استطاعوا أن يتكيفوا مع أحدث المستجدات في عالم التكنولوجيا الرقمية والمعلوماتية، بل منهم من قرر تأهيل نفسه بالتكوين في هذا الميدان سواء عبر المراسلة أو من خلال الاحتكاك بالمهندسين والتقنيين المتخصصين في المعلوميات وتقنيات الاتصالات. كما هو الحال بالنسبة إلى (هشام. أ) الذي يحكي أنه بعد حصوله على الإجازة في الفيزياء وبعد عدم تمكنه من الحصول على وظيفة في القطاع العام أو الخاص، طلب منه والده، الذي يملك دكانا بجوطية درب غلف، أن يسجل نفسه في إحدى المؤسسات التي تقدم تكوينا في الإلكترونيك، وقد تكفل والده بمصاريف التكوين، وبعد حصوله على الدبلوم حول نشاط محل والده التجاري من تجارة الملابس إلى إصلاح وبيع كل التجهيزات المتعلقة بالاتصالات وقطاع السمعي البصري. وتضاعف مدخول المحل، حسب (هشام . أ)، أربعة أضعاف على ما كان عليه في السابق.
ومن خلال النشاط التجاري المتنامي والإقبال الملحوظ على كل ما يعرض بهذا السوق، أصبح سعر المحلات التجارية بهذه المنطقة يضاهي ما هو عليه الأمر في الشوارع الراقية بالدار البيضاء مثل شارع المسيرة بالمثلث الذهبي. مرد ذلك إلى أن المحلات التجارية تحقق رقم معاملات يمكن أن يتعدى 800 ألف درهم في السنة بالنسبة إلى بعض الأنشطة المربحة، وغالبا ما لا يقل رقم المعاملات عن 200 ألف درهم.
الغريب في الأمر أنه على عكس ما يعتقد الكثير من الناس، فإن تجار الجوطية يؤدون بدورهم الواجبات الضريبية، على غرار نظرائهم في القطاع المهيكل، ويتوفرون على سجل تجاري وعلى رقم “الباتانتا”، غير أنهم يؤدون للقباضة التابعين إليها ضريبة جزافية تتراوح عادة ما بين 5 و10 آلاف درهم في السنة، ويمكن أن يصل مبلغها بالنسبة إلى بعض الأنشطة التي تعرف رواجا مثل الإلكترونيك والهواتف إلى حوالي 50 ألف درهم في السنة.
ومن المؤكد أن تجار جوطية درب غلف لا يصرحون بمدخولهم الحقيقي، كما أن مراقبي إدارة الضرائب يصعب عليهم التأكد من صحة المعطيات التي يدلي بها هؤلاء التجار، ما دام أن مجموعة من نشاطات هذه المحلات لا تكون دائما قانونية، لذا تكتفي السلطات بما يصرح به هؤلاء التجار. الكل يعلم أن القرصنة في هذا السوق تعد نشاطا مربحا، خاصة في ما يتعلق بالبرامج المعلوماتية، إذ يفضل مستعملو الحواسيب الشخصية اقتناء البرامج المعلوماتية من “جوطية” درب غلف، نظرا لسعرها المتدني بالمقارنة مع السعر الحقيقي للبرنامج الأصلي.
لقد أصبح هذا السوق العشوائي، ظاهريا، يقلق أكبر شركات البرامج المعلوماتية، إذ سبق لمسؤولي وممثلي شركة “مايكرو سوفت”  العالمية بالمغرب، أن عبروا للسلطات المغربية عن قلقهم من تنامي ظاهرة قرصنة البرامج المعلوماتية والخسائر التي تتكبدها الشركة من هذه الممارسات، لكن السلطات لم تحرك ساكنا واكتفت بتنظيم أيام دراسية حول الظاهرة وآثارها على الاستثمار والاقتصاد الوطني وقدمت عددا من الوصلات التحسيسية عبر القنوات العمومية، لتحسيس المواطن بخطورة الإقبال على هذه المنتوجات المقرصنة، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
كما أن المسؤولين المحليين حاولوا في العديد من المرات هيكلة هذا السوق، لكن لحد الساعة لا يلوح أي مشروع في الأفق، علما أن الأرض التي يوجد عليها ترجع إلى ورثة خواص، الذين يطالبون لعقود باسترجاع أرضهم.
ويجري حاليا التفكير في سيناريوهين لإعادة هيكلة هذا السوق، سواء عبر التفاهم مع الملاك الأصليين للأرض وتعويضهم، من أجل هيكلة السوق، أو نقل هذا التجمع التجاري إلى مكان آخر، فلم تعد السلطات المسؤولة تقبل بالاستمرار في الوضع الحالي، سيما أن رقم معاملات السوق الحقيقي يقدر بملايير الدراهم، مع ما يعنيه ذلك من خسارة لخزينة الدولة.

عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق