حوار

العماري: حزب الاستقلال عذب والد بنشماس (2/2)

إلياس العماري
حدد تموقع “البام” في وسط اليسار وقال إن بنكيران اليوم ليس بنكيران زمان

أكد إلياس العماري أن المؤتمر الحالي لـ”البام” محطة حاسمة لانتخاب أجهزة وهياكل جديدة ديمقراطيا مع مراعاة تمثيلية الجهات، مضيفا أن التمثيلية داخل الأجهزة المنتخبة ستستند إلى الأرضية السياسية الحاصلة على الأغلبية، وهو ما من شأنه حسم

الصراع الدائر بين تيار الأعيان واليساريين. كما حدد قيادي “البام” المعالم الكبرى للمرجعية الفكرية التي سيتبناها المؤتمر في تموقع الحزب وسط اليسار ودفاعه عن الديمقراطية الاجتماعية
المنفتحة على الاجتهاد.  وحذر العماري، في الجزء الثاني من الحوار، حزب الاستقلال من اللعب بالنار في قضية بنشماس،
مؤكدا أن الأمر لا يتعلق باستهداف شخص، بل الريف بأكمله.في ما يلي نص الحوار:

هل ستحسم محطة المؤتمر خلافات وصراعات الأجنحة التي عرفها الحزب في الآونة الأخيرة؟
بكل تأكيد، فبعد المؤتمر التأسيسي الذي شكل محطة للتوافق بين مختلف الحساسيات السياسية والفكرية التي انضمت إلى الحزب، سيكون المؤتمر الحالي محطة حاسمة لانتخاب أجهزة وهياكل جديدة ديمقراطيا مع مراعاة تمثيلية الجهات، وسيمثل داخل الأجهزة المنبثقة منه التوجه الحاصل على الأغلبية، إذ سيحسم الأمر لفائدة القناعة السياسية التي حظيت بقبول غالبية المؤتمرين، وهناك مشروع أرضية سياسية سيعرض للنقاش والمصادقة عليه في المؤتمر.

مطلوب من “البام” توضيح مرجعيته الفكرية وخطه السياسي، هل مشروع الأرضية السياسية يتضمن إجابات عن هذا المطلب؟
الخط السياسي للحزب واضح منذ البداية، وهو الذي كان سببا في ميلاده، ويتمحور حول مساهمة الحزب في تنمية هذا البلد من مستويات مختلفة، بمعنى آخر المساهمة في بلورة السياسات العمومية وتنفيذها بما يستجيب لتطلعات المواطنين، ويضع المغرب في سكة التقدم في محيطه العام، أما مرجعيته فواضحة سياسيا، وتعني أننا سنعمل مع شركاء آخرين من أجل تطبيق سليم للتوصيات أو الاجتهادات أو الحصلية الايجابية التي انتهت إليها مجموعة من القراءات، ومن بينها التوصيات النهائية لهيأة الإنصاف والمصالحة، فضلا عن تقرير الخمسينية الذي رصد الوضع الاقتصادي العام بالبلاد منذ أزيد من خمسين سنة، كما تحدث عن مغرب 2025.
هذا هو جوهر الخط السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أما بخصوص المرجعية الفكرية، فهي ليست كتابا مقدسا، بل هي خاضعة للتطور، واستنادا على ذلك يجد البام نفسه اليوم في وسط اليسار بمضمون فكري يدعو إلى الديمقراطية الاجتماعية المنفتحة، التي تعدمنتوجا إنسانيا غير قابل للتحفيظ من لدن أي جهة كانت، ومنفتح على الاجتهاد.نعيش مرحلة الخيار الثالث، بين الرأسمالية والاشتراكية، تتبناها البلدان الاسكندنافية، التي لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008، لأنها أخذت المضمون السياسي للليبرالية والمضمون الاجتماعي للاشتراكية.لذلك، فإن من يعتقد بانهيار الاشتراكية، فهو يستند على تحليل بليد، لأن هذه البلدان اعتمدت على جوهر الماركسية والليبرالية في حماية نفسها من تبعات أزمة النظام الرأسمالي. التجارب المطبقة للاشتراكية هي التي فشلت، أما المشروع الفكري فما يزال صالحا، والدليل هو رجوع أغلب البلدان الرأسمالية إلى جوهر الماركسية.
يحاول “البام” إذن استيعاب هذا التطور في المنتوج الفكري البشري من أجل رسم معالم مرجعيته الفكرية.

هل وجهت دعوات إلى مستشاري الملك لحضور المؤتمر؟
وجه إلي سؤال خلال الندوة الأخيرة حول ما إذا كان فؤاد عالي الهمة سيحضر مؤتمر الأصالة والمعاصرة، فكان ردي هو أنني أتمنى حضور مستشاري جلالة الملك الجلسات الافتتاحية للمؤتمرات الوطنية لجميع الأحزاب السياسية تأكيدا لحياد المؤسسة الملكية.
حضور مستشاري الملك لمؤتمر البام لا يحتاج إلى دعوة شخصية لأنها مفتوحة أمامهم.     

طالب أعضاء في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية بنكيران بعدم حضور مؤتمر “البام”، فيما دافع هو عن ضرورة طي صفحة الخلافات مع حزبكم فقبل الدعوة، ما تعليقك؟
أحترم أي قرار يتخذه حزب العدالة والتنمية أو أي حزب آخر لقبول أو رفض حضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، فهذا شأن خاص يهم الأحزاب وأحترمه كيفما كان، ورفض الحضور لا يعني وجود خصومة بين البام  وهذه الأحزاب.

يصر قياديو العدالة والتنمية على المعاملة بالمثل، إذ وجه الحزب سابقا الدعوة إلى قياديي “البام” لحضور المؤتمر السادس فرفضوا؟
السياسة لا تعترف بهذا المنطق، كما أن حزب العدالة والتنمية لم يوجه إلي شخصيا أي دعوة لحضور مؤتمره.عموما وجهنا دعوات إلى جميع الأحزاب السياسية حتى يحضر أمناؤها العامون أو من ينوب عنهم.

هل هناك تنسيق بين “البام” والاتحاد في المعارضة؟
أغلبية أعضاء الفريق البرلماني للبام في الغرفة الأولى هم أصدقاء لمناضلين في الاتحاد الاشتراكي، إذ هناك حميمية في العلاقات وتقارب كبير في الخطاب، لأن غالبية برلمانيي “البام” كانوا في الحركة اليسارية بشكل عام، والحركة الاتحادية ليست ملكا للاتحاد فقط، بل ملكا للشعب المغربي بكامله، فكما أن الاستقلال لم يأت به حزب الاستقلال فقط، بل الشعب المغرب بأكمله قاتل، وناضل من أجله، فكذلك الشأن بالنسبة إلى الحركة الاتحادية التي هي تراث مشترك للشعب المغربي والاتحاديون يفتخرون بهذا، وهنا منبع التقارب بين الطرفين الناجم عن الانتماء إلى هذا الفضاء الواسع.

البعض يعتبر أن هناك تجاوزات عرفتها أحداث تازة، كما يجري الإعداد لعريضة توقيعات لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في مجلس المستشارين، ما تقييمك للوضع في تازة، وهل كانت هناك تجاوزات فعلا؟
كنت خارج المغرب عند اندلاع أحداث تازة، لذا تعذر علي تتبع تطوراتها والمتابعة الدقيقة لأحداثها، لكن ما بلغ إلى علمي يفيد أنه كانت هناك فعلا تجاوزات متبادلة، سواء من طرف المحتجين أو القوات العمومية.أعارض أي تجاوز كيفما كان مصدره، وأدعو إلى محاسبة كل من ساهم بشكل مباشر أوغير مباشر في إنتاج هذا الحدث المأساوي، كما أؤيد كل المبادرات التي تتوخى معرفة حقيقة ما حدث، سواء أتت المبادرة من المؤسسة التشريعية أو الحكومة أو المجتمع المدني.

اتهم بنكيران العدل والإحسان باللعب بالنار وتأجيج الاحتجاجات، هل هي بداية المواجهة بين الطرفين؟
بنكيران اليوم ليس هو بنكيران زمان، فهو في وقت مضى كان يتهم الناس بالقيل والقال، وما يصله من معلومات من جهات معينة دون أن يتأكد منها، أما اليوم، فيفترض أن تستند اتهامات بنكيران، بحكم منصبه، على دلائل لا نملكها نحن عامة الناس، علما أن الأجهزة الأمنية تعمل تحت سلطته وتزوده بتقارير ومعلومات تهم عددا من الأحداث والملفات.لما اتهمني بنكيران سامحته لأنني كنت أعلم أنه يفتقد الوسائل والحجج الكفيلة بجعله على علم بما يقول، أما اليوم فإن اتهامه للعدل والإحسان أو أي جهة أخرى، يفترض أن يكون قائما على أساس وعلى معطيات متأكد منها سلفا.وكما يقول الحديث النبوي “من خدعنا في الله انخدعنا له”، ومادام أن رئيس الحكومة على معرفة تامة بما يجري من حوله، فلا يمكن التشكيك في اتهاماته لأي جهة.

ماذا عن اتهام بنشماس بشراء أصوات ناخبين؟
أعرف العصبة المغربية لحقوق الانسان جيدا، فلقد اشتغلت مع مكوناتها لما كنت عضوا في الجمعية المغربية لحقوق الانسان في نهاية الثمانينات ضمن إطار لجنة حقوقية مشتركة، إذ كنت عضوا في لجنة التنسيق، ومسؤولا في جريدة “حقوق الإنسان”.وأحدثت القطيعة بين الجمعية والعصبة إبان حدث اغتيال المناضل عبد الحق اشباظة، وأعرف العصبة أيضا من خلال حدث محاكمة القيطوني الذي سلك مسالك أخرى لالتماس العفو عنه… هذه هي العصبة المغربية لحقوق الانسان التي كنت أعرفها، ومنذ ذاك الوقت لم أعد أعرف عنها شيئا.
لكنني أعرف بنشماس جيدا، والبيان الذي صدر عنه ردا على هذه الاتهامات كفيل بإبراز شخصيته التي ترفض وضع الأغلال في اليد…

هل للملف علاقة بمشكل مكتب التسويق والتصدير؟
ربما يكون الأمر كذلك، وتجدر الإشارة إلى أن المستشار الجماعي الذي نسبت إليه العصبة اتهامه لبنشماس بشراء ذمم منتخبين، نفى جملة وتفصيلا، في بيان حقيقة، المنسوب إليه كما ورد في بلاغ العصبة المغربية لحقوق الإنسان.
هذا الملف مرشح لتطورات خطيرة، إذ اعتبرت سابقا أن خطأ وصف حزب الاستقلال للشهيد بنبركة ب”المجرم” كان درسا استوعبه الاستقلاليون جيدا، لكنه وبعد العودة إلى هذا النوع من الاستفزازات غير محمودة العواقب، أظن ان الأمر مرشح لما هو أسوأ.

كيف؟
أعرف أبناء جلدتي جيدا، لأن المساس ببنشماس ليس مساسا بشخص أو بحزب، بل وضع لليد على جرح لم يندمل بعد.
سمي بنشماس، لأن أباه عذب بشكل وحشي من طرف عصابة حزب الاستقلال سنة 1959 بل حوكم وقضى خمس سنوات سجنا ومات جراء ما تعرض له من تعذيب، ومثله من ضحايا عصابة حزب الاستقلال أشخاص كثر … إلا أن الجيل الجديد من أبناء الريف قبلوا المصالحة وأرادوا طي صفحة الماضي، إلا أن العودة إلى النبش والاستفزاز من طرف منظمة موازية لحزب الاستقلال، يعني الشيء الكثير لدى أبناء جلدتي وستكون له عواقبه غير محمودة..
لو قامت الجمعية المغربية لحقوق الانسان بما قامت به العصبة، وسارت المنظمة والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف على نهجها، لكان الأمر أهون، لأن ليس لهذه المنظمات الحقوقية أي مصلحة من وراء إثارة ملف من هذا القبيل، طالما أنها تقوم بدورها الحقوقي المنوط بها… لكن أن يصدر الموقف المستفز والمجاني عن منظمة موازية لحزب الاستقلال، فهذا يعني أن هناك  مصلحة من وراء ذلك، وأخشى ألا يمر الأمر بسلام…

هل أنت المستهدف من وراء ذلك؟
إذا كنت مستهدفا من قبل حزب الاستقلال، فهذا شرف لا أستحقة ومكانة لا أدعيها، لكنني ومع ذلك، أحترم عقلاء حزب الاستقلال الذين أعرفهم جيدا ويعرفونني جيدا، ومتأكد من أنهم منزهون عن الاصطياد في الماء العكر.يجب على عقلاء حزب الاستقلال أن يضعوا حدا للجهات التي تريد الاصطياد في الماء العكر داخل الحزب.

هل من فضل لآخرين عليك؟
لن أنسى فضل أولئك الذين علموني كيف أحترم الآخرين. هم من يتعرضون اليوم للهجمات والاتهامات من جهات مختلفة، وينتمي أغلبهم إلى اليسار، وبعضهم الآخر يعرفون أنفسهم جيدا. أنا مدين كثيرا لكل هؤلاء الذين علموني ومنحوني الشيء الكثير.لن أنسى أيضا أولئك الذين مدوا لي في يوم من الأيام رغيف خبز في وقت كان فيه الخبز والحرية ممنوعان. إنهم أبناء قبيلتي في الريف، وإن كنت موجودا اليوم في الرباط بفضل هؤلاء أولا وأخيرا.

إحالة ملفات على القضاء استكمال لعمل الحكومات السابقة

إذا صح ما قيل من أن الرميد أحيلت عليه ملفات فساد من الديوان الملكي، حسب ما نسب إليه من تصريحات في هذا الباب، فإن عليه أن يستقيل من وزارة العدل والحريات، إذ ما علاقة الديوان الملكي بهذه الملفات؟ وغريب أن يصدر هذا الكلام من رجل قانون، كما أنه يتناقض مع قناعاته التي ظل يعلن عنها باستمرار، لذا أستبعد أن يقول الرميد كلاما من هذا القبيل.
من جهة أخرى، فإن ما قام به الرميد لحد الآن لا يعدو أن يكون استكمالا لمسار إحالة ملفات على القضاء، علما أنها فتحت في عهد الحكومات السابقة، وتزامنت إحالتها مع تولي حكومة بنكيران مقاليد تدبير الشأن العام، ومن الطبيعي أن يركب الرميد على هذه الملفات ويسوقها سياسيا، لأن أي حكومة تسعى إلى الركوب على ملفات من سبقتها، أي أن تستفيد من ثمار عمل الحكومة السابقة وتنسبها إلى نفسها، كما كان الشأن عليه بالنسبة إلى مشروع رونو وميناء طنجة المتوسطي، لما أدلى بشأنهما كل من الوزير عبد القادر عمارة ورئيس الحكومة بنكيران بتصريحات للتلفزة، علما أن المشروعين معا أنجزا في عهد حكومة جطو.
والأمر ذاته ينطبق على ملفات الفساد التي فتحت منذ سنوات، مثل قضية بنعلو التي استكملت مساطرها القانونية في عهد الحكومة الحالية، رغم أنها لم تنجز مساطرها القضائية، لكن من حق حكومة بنكيران أن تقوم بدعاية سياسية لهذه الملفات، وأن تسنبها إلى نفسها، وهذا أمر طبيعي لأن الحزب السياسي يبيع للناس حتى ما أنجزه آخرون.

أجرى الحوار: رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق