ملف عـــــــدالة

الخصائص المشتركة لممتهني تزوير شهادات العمل

الدكتور شكري: المقاربة الأمنية وخلق مناصب شغل لمواجهة الظاهرة

يرى الدكتور عبد الجبار شكري، أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس، أنه لمواجهة ظاهرة تزوير شهادات العمل لابد من اعتقال المتورطين ، وتطبيق الترسانة القانونية بقوة بأقصى العقوبات في حق كل من ضبط يمارس
تزوير الشهادات والنصب على المؤسسات أو المواطنين، ومحاولة القضاء على العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية من خلال فتح فرص المعالجة لعلماء النفس وعلماء الاجتماع المغاربة لمعالجة الظاهرة.

< ماهي في نظركم ظاهرة تزوير شهادات العمل؟
< إن عملية تزوير شهادة العمل معناه إعطاء لشخص ما شهادة تدل على أنه كان يعمل بتلك المؤسسة في حين أنه لم يسبق له أن اشتغل بها على الإطلاق، وتتخذ الظاهرة شكلين:
المستوى الأول: أن يلجأ الشخص إلى أي مؤسسة، سواء كانت عمومية أو خاصة تنجز له شهادة عمل، وإن لم يسبق له أن اشتغل فيها ويقوم أحد العاملين بالمؤسسة بتزوير شهادة العمل، مقابل رشوة يؤديها له صاحب الشهادة.
أما الشكل الثاني: في تزوير شهادة العمل وهو أن الشخص نفسه صاحب الشهادة يأخذ شهادة عمل لشخص آخر فيقوم بتزويرها بتقنيات ووسائل معينة.
وظاهرة تزوير شهادة العمل هي جريمة يعاقب عليها القانون، لأنها تقضي على مصداقية شهادة العمل الأصلية، فتخلق نوع من الشك وعدم الثقة عند الناس، وتنتج عن عملية تزوير شهادة العمل نتائج وخيمة منها، أولا الشك وعدم الثقة في شواهد العمل المقدمة من طرف أصحابها، وثانيا: زعزعة مصداقية ومشروعية مؤسسات الدولة، ثالثا انهيار مشروعية التعاقد بين المشغل والعامل.
< هل ظاهرة تزوير شهادات العمل في المغرب لم تكن موجودة قبل ارتفاع نسبة العاطلين؟
< ما يمكن قوله في هذا الإطار إن التزوير كان موجودا في المغرب في كل المجالات، ولهذا اضطر المشرع المغربي أن يسطر مجموعة من القوانين التي تحرم التزوير وسطر مجموعة من العقوبات بالنسبة إلى كل مزور في أي مجال من المجالات، وهنا يمكن القول إن تزوير شهادة العمل كانت موجودة ومنتشرة، لكن زادت نسبتها المائوية نتيجة ارتفاع نسبة البطالة وعدم الشغل في السنوات الأخيرة نتيجة سياسات الحكومات المتعاقبة في مجال التشغيل التي نتجت عنها قلة فرص الشغل.
< ماذا يعني في نظركم ارتفاع نسبة تزوير شهادات العمل؟
< إن ارتفاع نسبة تزوير شهادة العمل لها مجموعة من الدلالات السيميولوجية، إذ نجد أن فعل تزوير شهادة عمل يدل على مايلي:
أولا: أن ارتفاع نسبة تزوير شهادات العمل يدل على أن نسبة الجريمة ارتفعت بشكل ملحوظ في المجتمع المغربي، التي أصبح يمارسها بعض الأشخاص في مختلف القطاعات والمجالات، ومع مختلف الفئات والأشخاص في المجتمع المغربي.
ثانيا: إن انتشار جريمة التزوير في المجتمع المغربي، يدل على وجود انحراف يتنامى بشكل قوي في مجتمعنا، وهذا النوع من الانحراف، يعتبر خروجا عن قواعد المجتمع، المتمثلة في المرجعية الدينية، وفي منظومة القيم والتقاليد والأعراف، والخروج كذلك عن منظومة القيم الإنسانية العليا.
ثالثا: إن تزوير شهادة العمل تدخل ضمن الجريمة التي هي بطبيعتها تدخل في مجال الانحراف، فهي انعكاس لوجود خلل في المؤسسات الاجتماعية وفي منظومة القيم بمعنى أن الخلل في الأصل ناتج عن عدم توازن المجتمع نفسه ويضر في الوقت نفسه بالمجتمع ذاته، زادت نسبة جرائم التزوير بشكل عام، كلما كانت عوامل وآليات الخلل متزايدة في المجتمع، إذا بالنسبة إلينا مجتمعا مغربيا، فإن ارتفاع نسبة جريمة التزوير فيه يدل ليس على وجود خلل واحد فقط، وإنما عن وجود اختلالات متعددة تبين أن المجتمع المغربي لم يعد مجتمعا متوازنا يحافظ على تماسكه انطلاقا من مقوماته الذاتية أي من خلال وظائفه.
< ماهي الأسباب السيكولوجية التي تدفع إلى تزوير شهادات العمل؟
< هناك مجموعة من الأسباب النفسية، منها أولا من وجهة نظر التحليل النفسي أن التزوير بشكل عام وتزوير شهادة العمل يدخل ضمن النصب والاحتيال على الآخرين، وفي هذه الحالة فإن الجهاز النفسي للشخص المزور يتكون من ثلاثة أنساق نسق اللاشعور ونسق الأنا ونسق الأنا الأعلى، وفي تفسيري أن من أسباب وجود التزوير هو أنه يرجع إلى أحد النسقين السيكولوجيين اللاشعور أو الأنا الأعلى، ففي حالة أن التزوير الذي يرجع إلى نسق اللاشعور، فإن التزوير يشكل موضوع رغبات ليبيدية مكبوتة تدفع الأنا إلى تحقيق رغبة ليبيدية مكبوتة، لأنه ينتج وهما شبقيا يجعل المزور يبني عليه عالم من الافتراضات الوهمية والمنسفة لواقعية ذات المزور. أما في حالة أن هذا التزوير، يرجع إلى نسق الأنا الأعلى، فالأمر مختلف تماما، ففي هذه الحالة، يدخل الثراء والغنى كنموذج للأنا الأعلى والذي يشكل معيارا من المعايير الواعية الموجهة لسلوك الأنا في علاقته بالواقع وفي علاقته باللاشعور، مما يؤدي بالأنا إلى استحضاره في عمق كينونته الواعية، مما يجعله يلجأ إلى تزوير شهادة عمل للحصول على عمل يتوهم أنه سيحصل منه على أموال تجعله يعيش وهم الثراء. لكن في كلا المرجعيتين النسقيتين، فإن الأنا يمارس التزوير المعبر عن خلل نفسي.
ثانيا: إن اللجوء إلى تزوير شهادة عمل هو تعويض نفسي براجماتي في تصريف الشعور بالنقص المزعج له، وكتعويض سيكولوجي أيضا نتيجة ضعفه أمام إكراهات الواقع بمختلف آلياته القمعية في تحقيق الرغبات اللبيدية المكبوتة في اللاشعور التي لم تجعله يحقق طموحاته.
ثالثا: إن تزوير شهادة العمل هو تعويض للأنا في شعوره بالنقص بعدم حصوله على شهادات مؤسسية بسبب وضعه الاقتصادي الفقير المنحرف عن النموذج المثال في الأنا الأعلى.
رابعا: أن المزور لشهادة العمل يعيش سادية مرضية وعدوانية مفرطة، فهو يتلذذ من بتعذيب الآخرين من خلال النصب عليهم بشهادة مزورة.
خامسا: أن المزور يتميز بشخصية منحرفة ومتهورة مندفعة يغلب عليها منطق اللذة الذي يلغي تماما منطق العقل والواقع في تقدير وتقييم عواقب الأمور.
< ذكرتم الأسباب النفسية هل هناك أسباب اجتماعية هي التي وراء تزوير شهادة العمل؟
<أولا إن ارتفاع نسبة البطالة في المجتمع المغربي وقلة فرص الشغل تدفع بالبعض إلى تزوير شهادة عمل للحصول على شغل. ثانيا دخول السيرة الذاتية  في المنظومة الإدارية والعلمية للترشح  كعنصر أساسي في تقييم المرشح تدفع بالمترشح إلى تزوير شهادة العمل لإعطاء وزن وقيمة لسيرته الذاتية. ثالثا إن أي شخص لايمكن أن يعيش أنطولوجية معيشية نفسية واجتماعية منفردة ومنغلقة على نفسها ومنفصلة عن أنطولوجية المعيش اليومي للذات الجماعية، ففي لحظة الانعزال المطلق للشخص في أنطولوجيته النفسية والاجتماعية، تحضر في وعيه أنطولوجية الذات الجماعية، من خلال التفكير القصدي الموجه إلى جزء أو عنصر أومظهر من هذه الأنطولوجيا. فعلى حد تعبير جان بول سارتر إن الجحيم هو الآخر. إن الوعي الشقي للذات في سيرورته المتواصلة من خلال الآخر يخلق في الذات استراتيجية التجاوز والتعالي وتغييب الوعي الشقي، وذلك من خلال اندماج الذات في الجماعة بشكل إيجابي، ولكن ايجابية هذا الاندماج لا تتم إلا بتسلق موقع طبقي أو الحصول على شغل مما يدفعه إلى تزوير شهادة عمل يحاول أن يثبت فيها كفاءته المهنية.
رابعا رغم وجود العدم الانفصالي القائم بين الشخص والذات الجماعية على مستوى المعيش اليومي يضطر الأنا لحماية نفسه من جحيم الذات الجماعية بأن يتعالى عليها بميزة ما. إن في التعالي، إبادة للوعي الشقي للشخص، الذي يؤسسه الخوف والرعب الذي ينتج عن علاقة العداء بين الأنا والذات الجماعية. إن التعالي على الذات الجماعية هو تعويض لعدوانيتها وفي ذلك يضمن المزور اندماجه في الجماعة وتوافقه معها ويعمل على تقويض العداء الواقعي الذي قد يؤسسه سوء التفاهم والاصطدام في سيرورة المعيش اليومي بسبب انزلاق الأنا وانغلاقه.
خامسا إن الأشخاص الذين يزورون شهادات العمل هم أصلا يتحدرون من الطبقة الاجتماعية الفقيرة، فيدفعهم الحرمان والحاجة إلى التزوير من أجل الحصول على شغل.
سادسا أما الذين يمارسونه من الطبقة الميسورة فهم أصلا منحرفون اجتماعيا وخارجون عن القانون.
6ـ  من خلال كل عمليات التزوير التي تنشرها الصحف المغربية، يلاحظ أن المزورين للشهادات ينتمون إلى كل الفئات الاجتماعية في المجتمع المغربي كيف تفسرون هذه الخاصية؟
الإجرام والانحراف لا يخص فردا معينا دون آخر ولا يخص كذلك طبقة اجتماعية دون أخرى، فهو قد يصيب مختلف الأشخاص ومن طبقات اجتماعية مختلفة في حالة إذا ما توفرت العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية المؤدية للانحراف والإجرام، ومن هنا قد نجد ظاهرة التزوير موجودة عند جميع فئات المجتمع من الفقير إلى الغني، من الرجل العادي الأمي إلى الرجل المسؤول في هرم السلطة في قطاع ما.
أجرى الحوار: خالد العطاوي

> هناك مجموعة من الخصائص المشتركة التي يشترك فيها الذين يمارسون التزوير وهذه الخصائص، ومنها الكذب، فالمزور يتقن الكذب إلى درجة لا يمكن أن تكتشف تناقضه في خطابه.
ثانيا يكون المزور أنيقا في هندامه مؤدبا في سلوكاته يتظاهر بالتدين والتقوى والمعرفة الدينية والفقهية، وله قدرة على التحايل والمراوغة.
وهناك مجموعة من الطرق لمواجهة ظاهرة التزوير الشهادات وهي أن تكون المقاربة الأمنية قوية جدا في هذا المجال، وأن تكون الدولة قريبة جدا من المؤسسات والمواطنين الذين تعرضوا للنصب بواسطة تزوير شهادة وذلك بإجراء مكثف ودقيق لاعتقال المتورطين، وتطبيق الترسانة القانونية بقوة وبأقصى العقوبات في حق كل من ضبط أنه يمارس تزوير الشهادات والنصب على المؤسسات أو المواطنين، ومحاولة القضاء على العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية من خلال فتح فرص المعالجة لعلماء النفس وعلماء الاجتماع المغاربة لمعالجة الظاهرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق