تحقيق

شركات التنمية… الغول

شركات التنمية… الغول

أسسها ولاة بالبيضاء منذ 2008 لتجويد تدبير اختصاصات الجماعة قبل أن تتحول إلى “غول” يحكم المدينة

ما هي حصيلة شركات التنمية بالبيضاء بعد 10 سنوات من تأسيس أول تجربة فوتت لها اختصاصات المشاريع الكبرى والتهيئة وتنفيذ برامج التنمية؟ وما هو عددها الحقيقي وأهدافها وقوانينها الأساسية وماهي الاختصاصات الذاتية المفوتة إليها؟ وأي قيمة مضافة لشركات تتحكم في مفاصل المدينة ومصير سكانها؟ ولماذا تفضل العاصمة الاقتصادية هذا النمط من التدبير وتتخلى، بالتدريج، عن التدبير المباشر، أو التدبير المفوض؟ وهل هناك بالفعل “صفقة ما” يتخلى فيها المنتخبون عن اختصاصاتهم لفائدة هذه الشركات مقابل “التفرغ” للتنشيط المحلي ومهرجانات القرب؟

يعود تأسيس أول “شركات للتنمية المحلية” بالبيضاء إلى 2008، حين قررت ولاية جهة البيضاء الكبرى (في عهد الوالي محمد القباج) إنشاء شركة مساهمة تحت اسم “تهيئة الدار البيضاء” مهمتها تنفيذ المخطط التوجيهي للتهيئة والتعمير (سداو)، وهو مشروع ضخم اعتبر، آنذاك، أنه أكبر من امكانيات جماعة، أو جهة بعينها ويتعلق بفتح 25 ألف هكتار جديدة أمام التعمير، منها 5 آلاف هكتار مخصصة للأنشطة الصناعية والتجارية وإنجاز عدد من المشاريع.

شركات مساهمة

واتفقت الأطراف المؤسسة للشركة، بعد تحديد أهدافها المحصورة في التتبع والدراسات والإشراف، على تحديد رأسمالها في 40 مليون درهم، موزعة على الجهة بـ5 ملايين درهم والجماعة الحضرية بـ10 ملايين درهم ومجلس المدينة بـ5 ملايين درهم والوكالة الحضرية بـ10 ملايين درهم والشركة القابضة للتهيئة، 5 ملايين والبنك المركزي الشعبي بـ5 ملايين درهم.

في 2008 أيضا، أسست ولاية البيضاء الكبرى شركة أخرى أطلقت عليها اسم شركة “نقل الدار البيضاء” كلفت بتنفيذ المخطط الحضري للمدينة وتسهيل الولوج إلى وسائل النقل الجماعي، والإشراف على الخط الأول من الطرامواي الذي يبلغ طوله 28 كيلومترا الذي قدرت تكلفته بـ6.3 ملايير درهم.

ووزعت مساهمات الشركة على الدولة بـ40 مليون درهم وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاجتماعية بـ20 مليون درهم ومثلها لمجلس المدينة و15 مليون درهم لكل من الجهة وصندوق الإيداع والتدبير والبنك الشعبي و10 ملايين لمكتب السكك الحديدية و5 ملايين لمجلس العمالة.

وخلافا لشركة “تهيئة الدار البيضاء” (التي تتحكم في الحصة الكبرى لمخطط تنمية البيضاء 2015-2020)، قبلت شركة “نقل البيضاء” بالتحول إلى نظام شركات التنمية المحلية المنصوص عليها في الميثاق الجماعي السابق والقانون التنظيمي الحالي، وكيفت عددا من فصولها القانونية مع المقتضيات، دون أن تلتزم بالنصوص الأساسية التي تجعل منها مجرد شركة تابعة للجماعة وليس إلى شركة مستقلة تفعل ما تشاء، ومن ذلك عدم احترامها مرسوم الصفقات العمومية (2/12/349) الذي يفرض وجوبا قرارا لوزير الداخلية الذي يحدد شروط الاتفاقيات والصفقات المبرمة مع الجماعة الحضرية وتحديد شكلها أيضا، وهي العملية التي لا تتم في المطلق.

قاعدة خرق القانون

ولا تشكل الشركات الأخرى، حتى تلك المؤسسة في إطار مقتضيات الميثاق الجماعي وقرارات مجلس المدينة في 2014، استثناء في تجاوز القانون، ونعني بالضبط “البيضاء للتراث”، و”البيضاء للخدمات” و”البيضاء للتنمية” و”البيضاء للتنشيط والتظاهرات” التي تشتغل منذ 2014 (تاريخ تأسيسها والمصادقة عليها في دورة لمجلس المدينة) خارج دائرة الهيآت المنتخبة التي لا تعرف عنها أي شيء بالمطلق عدا الميزانيات والأموال التي تضخها في خزائنها في شكل اتفاقيات مباشرة خارج القانون.

وتشكل هذه الشركات، التي لا يحضر مديروها العامون لاجتماعات المجلس ودوراته إلا من أجل تسلم أموال الاتفاقيات، نموذجا لتجاوز القانون وغموض الصفقات العمومية التي تحوم حولها شبهة إهدار المال العام (لوغو البيضاء الذي كلف 300 مليون سنتيم، بينما ستنجزه جهة البيضاء-سطات بـ5 ملايين سنتيم فقط)، والتدخل في اختصاصات الجماعة والمقاطعات وإنجاز مهام لا تدخل في صلب اختصاصات مجلس المدينة (التنشيط الرياضي/مارتون البيضاء)، ثم مواجهة التوظيفات خارج المعايير، حتى تحولت الشركات إلى حديقة خلفية للمتقاعدين.

ونشير فقط على سبيل المثال لا الحصر إلى أن مصالح الجماعة الحضرية لا تتوفر على أي محضر أو تقرير حول أشغال واجتماعات هذه الشركات كما تؤكد على ذلك الفقرة 5 من المادة 131 من القانون التنظيمي الذي يحدد أجل 15 يوما للتوصل بالمحاضر، كما يحاط المجلس علما بكل القرارات المتخذة في شركة التنمية عبر تقارير دورية يقدمها ممثل الجماعة بأجهزة هذه الشركة.

180 درجة

يوجد حزب العدالة والتنمية في واجهة تدبير هذه “الورطة”، إذ أضحى العمدة (لاعتبارات سياسية وإدارية مختلفة) واحدا من أبرز المدافعين عن هذه التجربة، مرددا عبارته الشهيرة “شركات التنمية مجرد أدوات اشتغال توجد تحت المراقبة ولن نسمح بأي تجاوز”.

ويعتبر هذا الموقف الحالي متناقضا بـ180 درجة مع موقف الحزب في الفترة السابقة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام عن هذا التحول، ويذكي إشاعات وجود “صفقة ما” تقضي أن يوفر منتخبو “بيجيدي” أشكال الدعم لهذه الشركات، مقابل استفادتهم من كعكة التنشيط المحلي ومهرجانات القرب.

وكشفت وثيقة حصلت عليها “الصباح”، في سياق هذا التحقيق، كيف كان “بيجيدي” من أشرس المعارضين لهذا النمط الجديد في التدبير، وذلك حين طرح محمد ساجد، العمدة السابق، أربعة مقترحات لتأسيس شركات جديدة تهتم بالتنشيط الثقافي والرياضي المحلي، وأخرى للحفاظ على تراث المدينة وتثمينه، وثالثة للاهتمام بتتبع ومراقبة الخدمات المباشرة، أو المفوضة، وشركة رابعة لتدبير مواقف السيارات.

وتظهر الوثيقة نفسها الموقف الحازم للعدالة والتنمية من شركات التنمية المحلية، واعتبرها “وسيلة لتهريب اختصاصات المجالس المنتخبة وتقويض أركان الديمقراطية المحلية وتهميش دور المنتخب المحلي”.

ميثاق مستثمرين

وطالبت “الوثيقة” الموقعة من عبد الصمد حيكر، بصفته السابقة رئيسا لفريق حزبه في مجلس المدينة، أن يكون رئيس مجلس إدارة الشركات وجوبا وحصريا من أحد ممثلي الجماعة الحضرية، إعمالا لروح دستور 2011 الذي نص على التدبير الحر ومبدأ التفريع وتأكيد الدور التنفيذي لرؤساء المجالس المنتخبة، علما أن هذا الموقف “الصارم” المعبر عنه قبيل انتخابات 2015 الجماعية، لم يعد مطروحا بعد تسلم العدالة والتنمية زمام المدينة، ولم ينبس بنصف كلمة عن ترؤس والي جهة البيضاء-سطات المجالس الإدارية في ثماني شركات.

وكتب الرئيس السابق للفريق مذكرة في 10 صفحات نبه فيها إلى مخاطر إحداث شركات جديدة للتنمية المحلية (5 شركات) تضعها قوانينها الأساسية في خانة الخارجة عن القانون، وبالضبط المادتين 140 و141 من الميثاق الجماعي السابق، الذي يحصر تدخل هذه الشركات في الأنشطة ذات الطبيعة التجارية والصناعية، التي تدخل ضمن اختصاصات الجماعات المحلية ومجموعاتها باستثناء تدبير الملك الخاص الجماعي.

وقالت الوثيقة إن الشركات تقع، حسب مقتضيات تأسيسها، تحت طائلة البطلان، مطالبا بضرورة التقيد بالمقتضيات القانونية ومتطلبات الديمقراطية المحلية واللامركزية وعدم المساس بأدوار المنتخب المحلي.

ورفعت مذكرة العدالة والتنمية السقف عاليا أمام محمد ساجد، العمدة السابق، رغم مشاركة الحزب في الأغلبية الجماعية السابقة، حين طالبت بعرض وثيقة “ميثاق المساهمين” في كل شركة على حدة، والكشف عن مساهمات جميع الأطراف في رأسمالها، وعرض ذلك على الدراسة والتصويت في دورة استثنائية، أو عادية.

كما طالب حيكر أيضا المجلس السابق التقيد بواجب المعلومة وتوزيع جميع الوثائق الأساسية الخاصة بهذه الشركات، من قبيل ميثاق المساهمين واتفاقيات الإنجاز ودفاتر التحملات وعرضها على أنظار المجلس، مع ضمان تمثيلية مشرفة لمجلس الجماعة الحضرية داخل المجالس الحضرية، ثم مد المجلس الجماعي بمحاضر دورية في 15 يوما من تاريخ اجتماعات الأجهزة المسيرة لهذه الشركات، إعمالا لنصوص الميثاق الجماعي.

أكثر من ذلك، طالب حيكر بضرورة الالتزام بدراسة مخطط تنمية البيضاء الذي أطلقه الملك بغلاف استثماري ضخم ناهز 33.6 مليار درهم ويغطي 2015 – 2020 على أنظار المجلس الجماعي (المادة 36 من الميثاق الجماعي السابق)، حتى لا تكون شركات التنمية وغيرها من الآليات الأخرى ملزمة بتنفيذ اختيارات الجماعة والمنتخبين، وليس شيئا آخر.

“بريسطاسيون”… أم الشركات!

حذر مستشارون بمجلس مدينة البيضاء من “تغول” شركات للتنمية المحلية، خصوصا تلك التي تضع يدها على الاختصاصات الأساسية المخولة للجماعة الحضرية بموجب القانون التنظيمي 14-113، ومختلف الخدمات والقطاعات والتجهيزات والأنشطة التي تدبرها على نحو مباشر وغير مباشر، أو تقييم وتتبع القطاعات العمومية المسيرة عن طريق التدبير المفوض.

وقال المستشارون، في تصريحات لـ”الصباح”، على هامش المنتدى الأول للنظافة بالبيضاء، إن “تكديس” القطاعات الحيوية في جهة واحدة، هي “شركة البيضاء للخدمات” أوقع مسؤوليها في عدد من الهفوات والأخطاء، مؤكدين أن التقارير التي يتوصل بها رئيس الجماعة، أو والي جهة البيضاء-سطات تحمل في طياتها “تنقيطا سلبيا” قد يعصف، في أي وقت بالمدير الحالي ومساعديه.

وأوضح أعضاء مجلس المدينة أن الشركة تحولت إلى “غول كبير” التهم جميع القطاعات، بدءا بقطاع النظافة الذي كانت تشغل فيه مهمة المراقبة قبل أن تنتقل إلى التسيير غير المباشر عبر شركتين لجمع الأزبال (فرنسية ومغربية) تسلمتا المنطقتين 1 و3 مباشرة بعد فسخ العقد مع شركة “سيطا بلانكا”.

وإلى جانب التدبير “غير المباشر” لقطاع النظافة، تتسلم شركة البيضاء للخدمات مهام تسيير قطاعين حيويين هما، المجازر الحضرية وسوق الجملة للخضر والفواكه، إضافة إلى سوق السمك، وتضع يدها أيضا على مهام الإشراف على جميع القطاعات المفوض لها (عبر آلية المراقبة والتقييم والتتبع)، ومن ذلك قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل.

وتشرف الشركة نفسها أيضا (عبر وحدة تتبع خاصة)، على إنجاز المشاريع والبرامج و”دفتر تحملات” صرف القرض الدولي الضخم الذي بدأت المدينة تتسلم أقساطا منه من البنك الدولي ويصل مجموعه إلى 189 مليار سنتيم، ثم الإشراف على مسطرة أداء فوائده وأقساطه، حسب الشروط المنصوص عليها بين الطرفين.

وأدلى المستشارون بمعطيات أخرى حول “تغول” هذه الشركة التي تحتفل هذا الشهر بسنواتها الأربع (تأسست بموجب مقرر جماعي يحمل رقم 49 بتاريخ 30 أبريل 2014)، مؤكدين أن “كازا “بريسطاسيون” مخول لها أيضا توفير جميع الوسائل البشرية والمادية لتحسين خدمات الشركات الأخرى المفوض لها قطاعات، كما تقدم تقارير دورية حول مدى نجاعة التدبير المباشر ووضع مذكرات مقترحات، ناهيك عن المهام المرتقبة، من قبيل الإشراف على برنامج محاربة الفئران والقوارض ومصلحة حفظ الصحة، وأيضا الإشراف على جهاز الشرطة الإدارية التابعة للمقاطعات الـ16.

وقال المستشارون إن هذا “الخليط” من المهام والخدمات، وقلة الموارد البشرية والأطر الكفؤة والتوظيفات “غير المدروسة” حول شركة البيضاء للخدمات إلى معرقل لمشاريع أساسية في المدينة كما عطل اختصاصات الجماعة الحضرية، ما يطرح سؤال “القيمة المضافة” لشركة مماثلة حافظت على “الثقافة” نفسها في تدبير الملفات والبرامج!!!

إنجاز: يوسف الساكت

الأخطاء الجسيمة بالنظافة

قدمت مصادر “الصباح” نموذجا على هفوات وأخطاء الشركة بقطاع النظافة الذي مازال يراوح مكانه، رغم تمتيع مديرها العام بجميع الصلاحيات والإمكانيات المالية (14 مليار سنتيم) لإنجاح المرحلة الانتقالية التي شارفت على الانتهاء، دون إنجاز المهم، أي إعداد مشروع لدفتر التحملات بتشاور وتنسيق مع رؤساء المقاطعات.

وأكد المستشارون أن المسؤول الأول عن الشركة راكم سبع خطايا على الأقل:

*المغامرة باستقلالية الشركة (شركة مساهمة) وعدم الحفاظ عليها بعيدا عن الحسابات السياسية والحزبية وحسابات المصالح بمجلس المدينة.

*تراخي المدير في التصدي لعمليات الترويج “المكشوف” لشركتي نظافة بعينهما، وتزكية عملهما من قبل رؤساء مقاطعات، ما اعتبروه نوعا من أنواع الضغط لقبول ملفاتهما في طلب العروض الدولي المقبل، بل والتهييء للفوز به.

* تعبيد الطريق أمام وضع دفتر تحملات الجديد على مقاس شركات هي نفسها التي فشلت في إيجاد موضع قدم لها في العرض الدولي السابق لـ2013، ما يضرب في الصميم، حسب منتخبين، مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص.

*إبعاد المسؤولة الجديدة عن القطاع، وكذا المفوض له، واتخاذ قرارات بعيدة عنهما، خصوصا في ما يتعلق بمسطرة إعداد مشروع دفتر التحملات، ما يعزز فرضية وجود مخطط سري بين مسؤولين في الشركة وبعض أعضاء مكتب الجماعة لإعداد وثيقة على المقاس.

*التغاضي عن بند “الغرامات”، أو التخفيف منها على الأقل، ومراجعة أسعار “الطوناج”، مما قد يحرم الجماعة “الفقيرة” من مداخيل إضافية، علما أن أحد الأسباب التي عجلت برحيل شركة “سيطا” مطالبتها العمدة بمراجعة الجزاءات المالية في حالة عدم الوفاء بالتزامات، ما كان يرفضه، حتى وصلت الغرامات إلى 500 مليون سنتيم.

*عدم امتلاك رؤية، أو تصور إستراتيجي للقطاع، رغم مرور أربع سنوات على تدبيره ومراقبته والإشراف عليه من قبل”كازا بريسطاسيون”. وقالت مصادر “الصباح” إن خير دليل على هذا التخبط، الدعوة إلى تنظيم منتدى نظري تشخيصي أعاد النقاش حول النظافة إلى نقطة الصفر، وصدرت عنه توصيات لا أحد سمع بها، أو كيف ستنفذ.

*دخول الشركة في دوامة من المشاكل اليومية وتفضيلها الحلول السهلة والترقيعية للتعامل معها، ما يعتبر مصدر إنهاك ويثقل حركتها في وضع رؤية واضحة للقطاع، ناهيك عن الإشكالات التي تطرحها عمليات التوظيف من “الخارج”، والتخلي التدريجي عن أطر الجماعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق