حوار

معصيد: الحكومة طرحت المدرسة للبيع

معصيد الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم قال إن هناك مخططا ممنهجا للإجهاز على التعليم العمومي

عبر ميلود معصيد، الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم (إ.م.ش)، عن قلقه من مصير المدرسة العمومية، بعد توالي الاعتداءات على الأساتذة، مؤكدا أن الحكومة لا إرادة لها لإصلاح قطاع التعليم والتربية الوطنية، بل هناك مخطط للإجهاز على المدرسة واستكمال بيعها إلى الخواص، عبر عدد من الإجراءات والتدابير التي لم تعد خافية». وقال معصيد، في حوار شامل مع «الصباح»، إنه لا معنى لأي إصلاح خارج الاهتمام بأوضاع نساء التعليم ورجاله المادية والمهنية والاجتماعية، مؤكدا أن الحكومة التي تتحجج بالكلفة الباهظة للإصلاح هي نفسها التي أهدرت على برنامج استعجالي 42 مليارا بلا فائدة.

أجرى الحوار: يوسف الساكت – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

< يعيش المغرب فراغا حكوميا، إثر إعفاء ثلاثة وزراء حملتهم تقارير رسمية مسؤولية الاختلالات وتعثر مشاريع الحسيمة. ما هو الحيز الذي يأخذه هذا الموضوع في تداولاتكم داخل الأمانة العامة للنقابة؟
< بالفعل، يمر المغرب من مرحلة فراغ حكومي، تذكرنا إلى حد ما بـ»البلوكاج» السابق الناتج عن التعثر في تشكيل الحكومة، وهو أمر لا يمكن إلا أن يكون مصدر إزعاج.
كما أن الأوضاع السياسية بمختلف مخرجاتها ومساراتها الحكومية التي تعيشها البلاد حاليا، تشكل دليلا إضافيا على رجاحة التحليلات وأطروحات الاتحاد المغربي للشغل الذي ظل يعتبر ومازال أن الحكومتين (السابقة في عهد بنكيران، أو الحالية في عهد العثماني)، ابتدعتا مقاربة خاصة في الاشتغال. مقاربة تضع مسافات مع البعد التشاركي، ولا تضعا في صلب اهتماماتهما بالقضايا الحيوية والأساسية وذات الأولوية التي لها ارتباط بالمواطنين عموما، والطبقة العاملة على وجه التحديد.
وفي هذا الإطار، وبالعودة، إلى سؤالكم، لا يمكن في الاتحاد المغربي للشغل إلا أن نحيي بحرارة قرار جلالة الملك المتعلق بإعفاء ثلاثة وزراء بناء على تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات المالية، وهو قرار صائب يستمد قوته من تفعيل الوثيقة الدستورية، خاصة الفصل المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة.

< رغم ذلك، هناك حزب مقرب من الاتحاد المغربي للشغل عبر عن انزعاجه من إعفاء وزيرين له من الحكومة الحالية، ووزير من الحكومة السابقة، ولمح بعض قيادييه إلى أنها مجرد تصفية حسابات ليس إلا؟
< شخصيا، لا أشكك في توصيات المجلس الأعلى للحسابات، أو تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، والمفتشية العامة للمالية وبكل تجرد يظهر لي أن النتائج التي وصلت إليها هذه المؤسسات الرقابية، هي أقرب إلى الواقع، وتؤكد أن بعض الوزراء لم يقوموا بواجباتهم في تفعيل مشاريع تخص مستقبل البلد.
وبالتالي، فلا أعتقد أن هذه القرارات تعني أحزابا بعينها، بل بمسؤولين بصفاتهم الحكومية سجلت عليهم ملاحظات في إنجاز مشاريع تنموية وفق المتفق عليه ماليا وتقنيا وإداريا.

< لكن ألا تعتقدون أن ملاحظات أجهزة الرقابة هي تقريبا الملاحظات نفسها التي عبرت عنها الحركة الاحتجاجية بالريف حين رفعت شعارات محاسبة المسؤولين..
< (مقاطعا)، أفهم مغزى سؤالكم، وجوابي أن الاتحاد المغربي للشغل كان ومازال وسيبقى مرتبطا بالحقوق المشروعة للمواطنين، مدافعا عن حقهم في الكرامة والعيش الكريم بكل الجهات والأقاليم ووقفنا دائما إلى جانب المطالب الاجتماعية المشروعة حين لا تكون وراءها خلفيات وأبعاد ما.
في ما يتعلق بأحداث الحسيمة، لم يكن الاتحاد المغربي للشغل، من خلال اتحاده المحلي ومناضليه، غائبا عن الساحة خلال الفترات السابقة، وطالب الحكومة بإيجاد حلول لبعض الملفات والقضايا المشروعة، كما احتضن أسر المعتقلين وقدم عددا من المساعدات ورفع شعارات بإطلاق سراحهم.
الآن، نتمنى صادقين أن يقول القضاء كلمته في هذا الملف، بما يضمن حقوق المعتقلين ويساعد على إيجاد تسوية لهذا الملف، وفق المطالب المشروعة لأبناء المنطقة.

< صادقت الحكومة وأغلبيتها بمجلس النواب على مشروع القانون المالي 2018. وتميز برفع اعتمادات بعض القطاعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم ودعم صناديق. ألا يعتبر ذلك جزءا من مطالبكم؟
< أذكرك أنه في أول اجتماع لنا مع سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، طلبنا منه إشراك المركزيات النقابية في الإعداد المسبق للمشروع وتجويد بعض المقترحات والبنود وإعطاءها لمسة اجتماعية، في إطار احترام المقاربة التشاركية، لكن هذا المطلب ذهب كغيره من المطالب الأخرى أدراج الرياح، ما يجعلنا نجزم أن الحكومة الحالية لا تختلف كثيرا عن الحكومة القديمة ولا تتوفر على أي إرادة لإشراك النقابات واحترام ملتمساتها ومذكراتها، وهذا يظهر من خلال قانون المالية الذي جاء أجوف يفتقر إلى اللمسة الاجتماعية، أكثر من ذلك فسح الطريق لواقع الهشاشة في مجال التشغيل، من خلال التنصيص على التعاقد في الوظيفة العمومية كما يجري في قطاع التعليم الآن، ما ستكون له عواقب وخيمة على جودة المدرسة العمومية.

حصاد”راجل مزيان”

< أعفي محمد حصاد بعد أشهر من تعيينه وزيرا للتربية الوطنية، وذلك على خلفية تدبيره لملف الحسيمة. والملاحظ أن الوزير ترك بصمته في القطاع واشتغل بطريقته الخاصة التي خلفت ردود فعال متباينة. كيف تقيمون اليوم هذه المرحلة؟
< لا يُفهم من جوابي عن هذا السؤال إننا نغتاب الرجل. فهذه ليست أخلاقنا. بالعكس، كانت حواراتنا صريحة مع حصاد. وقلنا له، منذ تعيينه، بأن جميع نقاشاتنا ستكون وجها لوجه.
وللتاريخ، فهذا الرجل عبر عن إرادة لفتح قنوات الحوار القطاعي، خصوصا في الجانب المتعلق بالحركة الانتقالية وطرح معنا عددا من المقترحات والمقاربات، قبل أن يختار تلك المقاربة الشمولية التي نتجت عنها حالات غضب وتسجيل طعون.ورغم ذلك، فهذا لا يمنع من القول إن المسؤول السابق كانت له إرادة لحل المشكل وتقريب عدد من الأساتذة من أسرهم. وبالإرادة نفسها، كان يحدونا أمل كبير، كنقابيين، أن نصل معه إلى تفاهمات وتعاقدات في عدد من القضايا.
أكثر من ذلك، كان مبرمجا أن يعقد معنا لقاء، نحن الكتاب العامين للنقابات، في نهاية أكتوبر الماضي، لدراسة قرارات مهمة، لكن الإعفاء كان أياما قليلة قبل ذلك، ولم يتم اللقاء للأسف.
وللأمانة أيضا، يحسب لحصاد أنه أعاد الروح إلى اللجان الإقليمية والجهوية للحوار والتفاوض على مستوى النيابات والأكاديميات، وهي اللجان التي حذفها محمد الوفا، الوزير الأسبق، بناء على مذكرة مشؤومة.
صحيح أن حصاد تبنى مقاربة معينة اتجهت أكثر إلى الاهتمام بالبنية التحتية للمؤسسات وإعادة الهيبة للمدرسة عبر عدد من الإجراءات، وهو أمر منطقي، لأن لكل مسؤول أسلوب عمله. وهذا لا يمنع من القول إن الرجل ترك بصمته.

قانون الإضراب لن يمر

< ألن يؤثر هذا الالتفاف على قانون المالية على مسار الحوار الاجتماعي الذي يمر من أزمة ثقة بين الحكومة والنقابات؟
< نتوقع ذلك، كما نتوقع أن تتوسع الهوة بين الطرفين في ظل ما هو موجود الآن من معطيات وغياب إرادة جدية لمأسسة الحوار الاجتماعي، وجعله آلية تشاركية للنقاش وحل الملفات وتلبية المطالب المشروعة.
في أول جلسة للحوار الاجتماعي ترأسها رئيس الحكومة الحالي بحضور وزير المالية والاقتصاد الذي قدم عرضا للخطوط العريضة لمشروع المالية ومختلف الإكراهات المالية والاقتصادية، تدخل ممثلو الاتحاد المغربي للشغل الذين أثاروا عددا من النقاط ذات أولوية، منها رفع الأجور والرواتب بعد خمس سنوات من التجميد، ثانيا خفض الضرائب المفروضة على الموظفين والمأجورين، والنقطة الثالثة تتعلق بمساعدة الأسر على تحمل مصاريف التمدرس في التعليم الخاص.
وبعد التداول والنقاش المستفيض حول هذه النقاط، طلب رئيس الحكومة ترك الجلسة مفتوحة لاستئناف الحوار في هذه النقطة، وضرب لنا موعدا بعد 15 يوما، انقضت دون أن تبادر الحكومة لاستدعاء النقابات، بل تمت المصادقة على المشروع في مجلس النواب دون أن يعقد هذا اللقاء المؤجل، ما يقوي قناعتنا أن الحكومة الحالية لا تؤمن هي الأخرى بالحوار الاجتماعي، ومهمتها إتمام مخطط الإجهاز على ما تبقى من حقوق ومكتسبات وتمرير مشاريع أخرى تضاف إلى مشروع إصلاح التقاعد سيئ الذكر، ومن هذه المشاريع إعادة النظر في مدونة الشغل نحو مزيد من الهشاشة، وقانون تنظيم الإضراب، وهما قانونان لن يمرا إلا على ظهورنا.
< في ملف التعليم نبدأ بأحداث العنق الأخيرة التي ذهب ضحيتها عدد من الأساتذة، وهي سابقة في تاريخ المدرسة العمومية.
< ما يحدث من اعتداءات على المدرسات والمدرسين مؤسف ومؤلم جدا، ويدان ومرفوض السكوت عنه. ونعتبر أن أي اعتداء على مدرس، أو مدرسة هو اعتداء على عموم مكونات المدرسة العمومية وأسرة التعليم، كما نعتقد بأن هذه الاعتداءات المتكررة نتيجة طبيعية لخطاب رسمي لا يعمل إلا على إهانة نساء ورجال التربية والتعليم ويحط من كرامتهم وتأليب المجتمع عليهم وقمع احتجاجاتهم وتجاهل مطالبهم، ما عمق أزمتهم الاجتماعية والمهنية.
إضافة إلى ذلك، نحن نرفض النظر إلى مثل هذه الوقائع على أنها جزئية أو منعزلة، بمعنى أننا نضعها في سياق التدهور والاضطراب النفسي والتربوي والأخلاقي المتفشي في منظومتنا التربوية وفي مجتمعنا ككل.

< ملف العنف يرتبط بالإفلاس الشامل لمنظومة التعليم وفشل جميع المقاربات والوصفات التي جربت منذ عقود، أين يكمن الخلل في نظركم؟
< هذا ما أكده جلالة الملك في أحد خطبه، حين قال: «أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة»، وهو التشخيص الذي اشتغل عليه المجلس الأعلى الذي وضع أرضية للإصلاح التربوي والبيداغوجي تمتد إلى 2030.

< هل يمكن الحديث عن إرادة سياسية للإصلاح؟
< لا توجد إرادة من هذا النوع. فبالنسبة إلينا، فلا نرى أي معنى للإصلاح خارج الاهتمام بإصلاح أوضاع نساء التعليم ورجاله المادية والمهنية والاجتماعية ليعتبر المدخل الأساسي والدليل على توفر إرادة حقيقية لإصلاح المنظومة التربوية والنهوض بتعليمنا لكسب رهان التنمية، ولن يتحقق ذلك إلا بمراجعة النظام الأساسي وإنصاف جميع الفئات باختلافها وتسوية وضعياتها.
لا معنى اليوم لأي شيء، دون مواجهة الوضعية الاجتماعية التي فقد فيها المدرس قيمته الاجتماعية، فانتقل من عنصر فعال يؤثر في مجتمعه بفكره وسلوكه إلى شخص يتموضع في أدنى سلم التراتب الاجتماعي، كما فقدت فيها المدرسة أيضا مصداقيتها واضمحل دورها المعرفي والتربوي والأخلاقي والاجتماعي والثقافي.
هناك إرادة اليوم لدفع القطاع إلى مزيد من الخوصصة وبيع المدرسة، بدليل تشجيع الأساتذة على التقاعد المبكر ودفعهم إلى استكمال مسارهم المهني في التعليم الخاص، وفتح الباب أمام مجموعة من الشباب المتعاقدين الذين لا يستفيدون إلا أياما معدودة من التكوين. أين هي الجودة؟ أين إرادة الإصلاح هنا؟

جديد الحركة الانتقالية

< الإرادة يجب أن تسند برؤية مالية كما تعلمون، وسؤالي هل تعتقدون أن الظرفية المالية والاقتصادية التي تمر منها البلاد تسمح بتحملات مالية إضافية لتسوية جميع الملفات المهنية والاجتماعية بالتعليم؟
< نحن شركاء مسؤولون وندرك جيدا الإكراهات المالية والاقتصادية والمشاكل التي تمر منها البلاد، لكن في الوقت نفسه نحن نتحدث عن ملفات معلقة منذ 2003 وسبق أن طرحت على طاولة عدد من الحكومات دون أن تجد طريقها إلى الحل.
فما المانع أن تجلس الحكومة إلى طاولة الحوار والاتفاق على وضع أولويات لحل الملفات العالقة بالتدريج ونحن سنساعدها على ذلك شرط توفر الإرادة. فكم سيكلف مثلا تسوية ملف ضحايا مرسوم 1983؟ أجي نحسبوها دابا. هؤلاء أساتذة يزيد عددهم عن 100 تقريبا، واقترحنا على رئيس الحكومة إصدار مرسوم بشأنهم، ونحن سندافع معه في تسوية جميع الملفات الأخرى بمراسيم. هناك ملف المساعدين التقنيين مثلا، كم سيكلف؟ 60 درهما مثلا للواحد..لا شيء مقارنة مع عائدات الإصلاح، علما أنه لا إصلاح دون كلفة مالية.
وأنت تعرف كم صرف على المخطط الاستعجالي بشهادة رئيس الحكومة الذي تحدث عن 42 مليار سنتيم.

< من الملفات الاجتماعية التي تستأثر باهتمام رجال التعليم، ملف الترقية الداخلية وانتظارات آلاف الأساتذة بعد تقديم طعون في الصيغة الأولى. أين وصل مسار التفاوض مع الوزارة؟
< الأسبوع الماضي عقدت النقابات التعليمية اجتماعا مع مدير الموارد البشرية ورؤساء بعض المصالح حول ملف الترقية الداخلية ومسطرة الطعون والحركة الانتقالية الآلية، خلص إلى إقرار عدد من التعديلات الجوهرية، منها تقليص سنوات الاستقرار وتخفيضها إلى سنة من أجل المشاركة في الحركة الانتقالية الوطنية التعليمية لنساء ورجال التعليم.
هناك أيضا، الرجوع إلى العمل بالمذكرة الإطار القديمة حركة وحيدة وطنيا وجهويا وإقليميا، ثم العودة إلى حركة محلية وإقليمية بدون شروط بمعنى الاستفادة من الالتحاق بالزوج محليا وإقليميا، كما تم إقرار تسقيف محدد للعزاب في 20 سنة في مكان العمل نفسه، يؤهله أوتوماتيكيا للانتقال إلى مقر عمل آخر من اختياره.

في سطور

– من مواليد البيضاء في 1961
متزوج وأب لطفلين
– أستاذ سابق بالتعليم الثانوي
– من أطر الشبيبة العمالية سابقا
– رئيس التعاضدية العامة للتربية الوطنية
– الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم
– رئيس المجلس الإداري للصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي
– عضو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
– ساهم في بلورة الرؤية الإستراتيجية للتعليم 2015-2030
عضو الأمانة العامة للاتحاد المغربي للشغل
– مثل النقابة في عدد من المؤتمرات واللقاءات الدولية خارج المغرب
– رئيسا لعدد من اللجان التحضيرية والتنظيمية لمؤتمرات الاتحاد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض