ربورتاج

الكتب الدينية… القنبلة الموقوتة

بعضها يتضمن أفكارا وتفسيرات متشددة ترجع لفقهاء الوهابية المتطرفة

اجتاحت ظاهرة بيع الكتب الدينية المستوردة من السعودية، الأرصفة ومحلات بعض الكتبيين في العديد من المدن المغربية. عناوين ذات طابع تكفيري، تشجع على التطرف، تعج بها طاولات الباعة المتجولين، وتغري المارة باقتنائها.
الساعة جاوزت الخامسة عصرا بدقائق. حركة دؤوبة تسري بشارع محمد الخامس بالرباط. فئات من أعمار مختلفة تعبر الشارع، منهم المستعجل الذي لا يلقي بالا لما حوله، ومنهم من يتوقف عند جل محلاته متطلعا، من خلف الزجاج، لما تعرضه، ويتنقل أيضا بين “فرّاشات” الباعة المتجولين.
لم تعد تقتصر سلع الباعة المتجولين على الملابس الخفيفة أو المنتجات الغذائية، بل صارت أرصفة شارع محمد الخامس مستقرا لسلع أخرى بدأت تغزو جنباته، عبارة عن كتب صارت تعرض ب”العرام”، يتحلق حولها المارة متفحصين ما تحتويه.
المشهد يبدو عاديا في البداية، بحكم أن هذه “الفراشات” جعلت العديد من العناوين في متناول عموم القراء، لكن ما لا يبدو عاديا هو طبيعة بعض الكتب الدينية التي تعج بها طاولات الباعة المتجولين، تغري المارة باقتنائها، خاصة أنها كتب ذات طابع تكفيري مستوردة من السعودية.

الكتب الدينية… ملاذ للاسترزاق
“أحكام تمني الموت”، “كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد”، “أحاديث أشراط الساعة” وغيرها، كتب دينية تباع في أرصفة الشوارع، سيما المحاذية للمساجد. نساء محجبات بجانبهن أطفال صغار، تتعالى أصواتهن تحت شمس حارقة، يحثثن الشباب على اقتناء هذه الكتب بثمن مناسب.
عائشة، 45 سنة، تتحدر من حي “القامرة”، إحدى النسوة اللائي يمتهن بيع الكتب الدينية على بعد خطوات قليلة من مسجد “بدر” بالرباط، تفترش حصيرا باليا، تضع فوقه الكتب التي تبيعها، وبعض الأقراص المدمجة لترتيل القرآن، إضافة إلى المسك والعطور والسواك. تجلس متكئة على جدار المسجد، واضعة فوقها مظلة لحجب خيوط الشمس الملتهبة نهارا، وأمامها لافتة مكتوب عليها: “أقسم أن لي فتاتين يتيمتين”.
“ليس لدي ما أفعله،غادرت مقاعد الدراسة في مستوى الرابعة إعدادي لظروف اقتصادية، وأنا أزاول هذه المهنة بطلب من أبي”، بلغة هادئة تجيب عائشة عن سبب بيعها للكتب الدينية، وتضيف بصوت خافت “أبي كان يشتغل في سوق شعبية يبيع الكتب، وكنت أرافقه إلى أن تعلمت الحرفة وشرعت بدوري في بيعها أمام المساجد لأنها تلقى رواجا، خاصة في صفوف العجزة”.
يقول سعيد لكحل، باحث في الشأن الديني والحركات الإسلامية في حديث مع “الصباح”، إن “بعض القنوات الفضائية والإذاعات الخاصة تنشر ثقافة دينية متخلفة، تجعل المواطن متعطشا وعلى استعداد لتقبل هذه الكتب وكذلك الاطلاع عليها. هذا الوضع نتيجة حتمية لإستراتيجية أسلمة مؤسسات المجتمع، التي بدأت في سبعينات القرن الماضي”.

صعوبة ضبط المحتوى
عائشة ونساء أخريات، اخترن مهنة بيع الكتب، خاصة الدينية منها لأنها تناسب توجهاتهن العقائدية. نساء يضعن نقابا أسود بالكامل، يرافقهن أطفال في عمر الزهور، يبعن كتبا تدور في فلك الدين. أصوات مرتفعة لمرتلي القرآن تخرج من أبواق المذياع إلى الشارع. المتعلمات منهن يغتنمن فرصة بيعهن للكتب طيلة النهار للاطلاع عليها، لكنها لا تروق هشام (عشرون سنة) الذي يلمحهن يوميا في طريق عودته من الكلية.
هشام الذي يبدو عليه استياء من بيع هذا الصنف من الكتب، عبر عن ذلك لـ “الصباح” بقوله “يستغلون الدين لتسويق كتبهم التي تنشر التطرف والوهابية في صفوف الشباب، وكلها مستوردة من الخارج في حين نغفل إنتاجات علمائنا المعتدلة”.
لمعرفة كيف تنتشر الكتب الدينية المتطرفة، سألنا الباعة المتجولين، فكان أغلبهم يقول إنه مجرد بائع ولا علاقة له بمصدر هذه الكتب، إلى أن صرح لنا أحد الباعة بأنه يجلب كميات وافرة من هذه الكتب التي تدخل إلى المغرب عبر الميناء عن طريق حاويات يتم الترخيص لها باعتبارها مصنفات أدبية من قبل الجمارك دون التدقيق فيها، حيث يسلم المستورد إلى الجمارك لائحة بأسماء الكتب التي يدخلها في الوقت الذي يدخل كتبا أخرى بكميات وافرة لا تناقش عناصر الجمارك تفاصيل هويتها ونوعيتها، إذ يكتفي مسؤولو التفتيش بالأسماء والأرقام الموجودة في جداول مرفقة دون التأكد من صحتها ومطابقتها.

هاجس “التطرف” لدى الشباب
“يجب مراقبة طبيعة الكتب الدينية التي تباع خارج المكتبات لأنها قد تشكل خطرا على المجتمع” يقول هشام، طالب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متسائلا “لماذا أغلب الإرهابيين يكونون متدينين؟” يتريث قليلا للتخفيف من حدة لغته ويواصل، “بعض الكتب الدينية تنتج التطرف الديني”.
الوعي بخطورة بعض الكتب الدينية عند شريحة الشباب المغربي واقعي وله براهينه التي لا تحتاج إلى تعمق كبير في الأعداد الهائلة التي تبايع ما يسمى بـ “داعش”، حتى يركن أصحابه مطمئنين إلى قناعة تبرر لهم النفور منها.
يرى سعيد لكحل، الباحث في الشأن الديني أن خطورة هذه الكتب تتجلى في نشر الغلو والفكر المتشدد، وخلق ثقافة دينية متخلفة، خاصة أن المغرب تحول في العقد الأخير إلى مزبلة لدور النشر السعودية، مبديا استغرابه من وجود كتب تتبنى الفكر المتطرف في العديد من معارض الكتب، لأن ذلك من شأنه أن يخلق أجيالا تعادي قيم الانفتاح والتعايش.

سلطة المراقبة
تداول الكتب الدينية بالمغرب، ليس وليد اليوم، معطى أكده إدريس الكنبوري، الباحث في قضايا الفكر الإسلامي، إذ أكد أن استيراد الكتب الوهابية يعود إلى بداية القرن العشرين، حيث كان الحجاج يحضرون معهم بعض النسخ من مؤلفات محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية.
وأضاف أن “الكتب بدأت تدخل بكثرة وبشكل منتظم بالنظر للعلاقات التي كانت تربط السعودية والمغرب، إذ كانت توزع الأشرطة وآلاف الكتيبات الصغيرة من قبل المركز الثقافي السعودي مجانا لمواجهة الحركة القومية، غير أن تفجيرات 2001 دفعت إلى ضبط هذا المجال من خلال حظر العديد من العناوين سواء في الأسواق أو معارض الكتب”.
مصطفى شاكري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق