fbpx
حوار

بلفقيه: هذه مظاهر فشل النموذج التنموي

بلفقيه خبير البام قال إن هناك خللا في تدبير العلاقة بين البعدين الإستراتيجي والإجرائي للسياسات العمومية

أكد سمير بلفقيه، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة أن مشروع القانون المالي لـ 2018 يفتقر كسابقيه إلى أي لمسة إبداعية، وظل حبيسا للمقاربة المحاسباتية بين المداخيل والمصاريف، ورهينا لفرضيات خارجة عن إرادته، ناهيك عن افتقاره إلى لمسة سياسية تحيله على التصريح الحكومي.
وأوضح بلفقيه، رئيس اللجنة الاستشارية للتنمية الاقتصادية لجهة الرباط ـ سلاـ القنيطرة أن المشروع يكرس اختلالات النموذج التنموي. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني

< ما هي في نظرك التحديات التي تواجه مشروع القانون المالي في ظل تحكم التوازنات وضعف الابتكار لإحداث الاستثمار المنتج؟
< يرتكز مشروع قانون مالية 2018 على عدة فرضيات منها تحقيق معدل نمو 3.2 % من الناتج الداخلي الخام، ومعدل عجز الميزانية في حدود 3 %، ومحصول 70 مليون قنطار من الحبوب، وأخيرا معدل 380 دولارا للطن بالنسبة إلى الغاز. كما يتوقع المشروع إحداث 19 ألف منصب مالي، و20 ألف منصب في إطار التعاقد.
في اعتقادي لم يحمل المشروع أي جديد، وظل يفتقر كسابقيه إلى أي لمسة إبداعية، حيث ظل حبيسا للمقاربة المحاسباتية بين المداخيل و المصاريف، وظل رهينا لفرضيات خارجة عن إرادته، ناهيك عن افتقاره إلى لمسة سياسية تحيله على التصريح الحكومي.
من جهة أخرى، جاء المشروع ليكرس مرة أخرى اختلالات النموذج التنموي من باب غياب الاستقرار الجبائي والإنصاف الضريبي، في ما يتعلق بالرسوم الجمركية بين نظام التبادل الحر والنظام الموحد، حيث يصل الفارق بينهما إلى حوالي 20 نقطة، ما سيؤدي لا محالة إلى زعزعة الثقة لدى المستثمرين، ورفع أسعار بعض المواد المستوردة.

< أثار موضوع رفع الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة إلى المحروقات الكثير من الجدل. كيف تقرأ هذا الارتباك في السياسة الضريبية؟
< كما قلت سابقا، فإن مشروع القانون المالي 2018 تطبعه السمة المحاسباتية المحض، ففي الوقت الذي يطالب المواطن شركات توزيع المحروقات، باعتماد أسعار تتلاءم مع أسعار الأسواق الدولية للنفط، هاهي الحكومة تأتي بإجراء يهدف إلى رفع الضريبة على القيمة المضافة على المحروقات من 10 إلى 14 %، ما يعني ارتفاع الأثمان بالنسبة إلى المستهلك، وبالتالي ضرب القدرة الشرائية للمواطن.

< ألا ترى أن هذا الإجراء يتناقض مع توصيات الإصلاح الجبائي؟
< صحيح، هذا الإجراء يأتي في تناقض صارخ مع توصيات المناظرة الوطنية للإصلاح الجبائي المنعقدة في 2013، والتي تحدثت عن حصر الضريبة على القيمة المضافة في نسبتين فقط 10 و20 %.
وهنا لابد من التأكيد على ضرورة التعجيل والإسراع في إنهاء الإصلاح الجبائي وعدم المساس بالمقتضيات الضريبية كل سنة، لأن ذلك من شأنه تحسين مناخ الأعمال، وتوفير نظام جبائي مستقر ثابت يحفز المستثمرين الأجانب، ويمكنهم من توقع واجباتهم وحقوقهم الجبائية طيلة فترة إنجاز مشاريعهم الاقتصادية.

< تحدث الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان عن فشل النموذج التنموي. أين تكمن اختلالات النموذج الحالي؟
< يرتكز النموذج التنموي على ركيزتين: نموذج النمو الاقتصادي، والنموذج الاجتماعي، ويهدف إلى إحداث الثروة وتوزيعها بشكل عادل ومنصف اجتماعيا ومجاليا.
صحيح، أنه يمكن التأكيد بأن النموذج التنموي الحالي، استنفد دوره، ولم يعد قادرا على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها الاقتصاديات العالمية، وأيضا التحولات المجتمعية الداخلية.

< بماذا تفسر ضعف النمو رغم تشجيع الطلب الداخلي؟
< بخصوص نموذج النمو الاقتصادي، نجد أن السياسة الاقتصادية المعتمدة حاليا ليست وليدة اليوم بل تم اعتمادها منذ عقود، حيث ارتأت الحكومات السالفة نهج سياسة اقتصادية مرتكزة على دعم الطلب الداخلي. ومكن تطبيق الإستراتيجية الاقتصادية المبنية على دعم الطلب الداخلي فقط من تحقيق نسبة نمو لا تناهز 3.8 % معدلا للفترة الممتدة ما بين 2006 و2016 أي النسبة نفسها المسجلة ما بين 1999 و2005، في حين أن نسبة البطالة تفاقمت إلى ما يزيد عن 10 % سنة 2016.
كما أن تزايد الطلب الداخلي لم ينعكس إلا جزئيا على العرض والمنتوجات المحلية، لأن الحصة الأكبر من الطلب الداخلي موجهة لفائدة السلع المستوردة ، مما يفسر محدودية نسبة النمو المحققة. والدليل على ذلك ارتفاع الواردات من 211 مليار درهم إلى 433 مليارا، أي بوتيرة 12 % سنويا ما بين 2006 و2014.
دعم الاستهلاك وتراجع الادخار

أدى تفضيل الطلب الداخلي للمنتوجات المستوردة إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، وبالتالي إلى تعميق عجز ميزان الأداءات. فالتركيز المفرط على دعم الاستهلاك(80 في المائة من النمو المسجل يتعلق فقط بالاستهلاك)، أدى إلى تراجع الادخار العمومي بل إلى اندثاره كليا ما بين 2010 و 2013، إذ لم تعد الحكومة تقوى على تمويل ميزانية تسيرها بالمداخيل العادية، وبالأحرى تحقيق ادخار عمومي، لأن فائض ميزانية التسيير الذي بلغ حوالي 22 مليار درهم سنة 2007 سرعان ما تحول إلى عجز، ابتداء من 2010 ، حيث ناهز 2 مليار درهم، ليتفاقم في 2014 بوصوله إلى 17 مليار درهم.
من ناحية أخرى، فإن الاستثمار الذي يمثل أكثر من 30 % من المائة من الناتج الداخلي الخام، بحوالي 300 مليار درهم (فقط 3 ملايير دولار)، يبقى عاجزا عن توفير مناصب شغل كافية لاستيعاب العدد المتزايد من الوافدين على سوق الشغل، وضمان شروط العيش الكريم . ويعاب على هذه الاستثمارات أنها تركزت بحوالي 65 % في قطاعات غير موجهة للتصدير، ضمنها قطاع العقار الذي استأثر بـ 45 % من هذه الاستثمارات، في حين أن الصناعة لم تستفد سوى من 23% سنة 2012 و 6 % ما بين 2006 و2010.
الفوارق الاجتماعية تزداد اتساعا
< ما هي أبرز مظاهر فشل النموذج التنموي؟
< من بين التناقضات الصارخة في النموذج التنموي الحالي، انعدام الاستقرار الجبائي، واستمرار هيمنة القطاع غير المهيكل، والذي يتجاوز رقم معاملاته 410 ملايير درهم 40 % من الناتج الداخلي الخام توجد في الاقتصاد غير المهيكل)، وهو ما يحرم الدولة من موارد جبائية ضخمة.
ومن بين القضايا التي تسائل النموذج التنموي تفاقم حجم المديونية العمومية، الذي بلغت أرقاما قياسية، تجاوزت 82 % من الناتج الداخلي الخام ومديونية الخزينة 65 %، أي خمس نقط فوق المعدل المسموح به دوليا، وهو 60 %.

< ماهي كلفة استمرار الارتهان بالأمطار وأسعار المحروقات؟
< ظل الاقتصاد الوطني مرتكزا على عوامل خارجية، لا علاقة لها بإرادته، من قبيل التقلبات المناخية وآثارها على معدل النمو، وأيضا أسعار مواد الطاقة في السوق الدولية والهبات الخارجية.
ومن جهة أخرى، لا يؤدي النمو الاقتصادي المسجل إلى آثار اجتماعية، من حيث توفير فرص الشغل والحد من الفوارق المجالية والتوزيع العادل للثروة. وبالفعل،لا تنسجم الوضعية الاجتماعية مع صورة المغرب من حيث الاستثمارات، إذ أن الفوارق الاجتماعية تزداد اتساعا، في ظل التوزيع غير العادل للثروة، ويكفي هنا الإشارة إلى الخدمات الاجتماعية، إذ يتمركز 40 في المائة من الأطباء بين القنيطرة والبيضاء، كما أن 10 في المائة من المغاربة يستحوذون على أكثر من نصف الثروة في المغرب.

هذه وصفتي لنموذج تنموي جديد
< ما هي السبل لتصحيح هذه الاختلالات، وكيفية بلورة نموذج جديد يجيب عن الانتظارات المجتمعية؟
< في اعتقادي، التفكير في بلورة نموذج تنموي جديد، يجب أن يرتكز على حرية المبادرة وتقديس العمل مع القطع مع اقتصاد الريع، وعلى التضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والمساواة مع توجيه تنافسية النسيج الاقتصادي المنتج نحو تصنيع البلاد دون إغفال الفلاحة في الدرجة الثانية لأنهما يعدان القطاعين القادرين، بامتياز على إنتاج سلع قابلة للمبادلات الخارجية وجلب النقد الأجنبي.
من جهة أخرى، يجب على النموذج التنموي المنشود أن يقر بأن ربح رهانات العولمة رهين بربح معركة التنمية المحلية، لأن العولمة ستكسب في المجال المحلي، وليس بالضرورة على الصعيد الوطني والدولي، وهذا ما يعني ربح معركة تنزيل مشروع الجهوية و ميثاق اللاتمركز.
أعتقد كذلك بأنه يجب الرفع من حسن تدبير العلاقة التكاملية بين البعد الإستراتيجي والإجرائي، في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، وهذا ما يجعل العلاقة ملتبسة بين دور الفاعلين المنتخبين داخل المؤسسات التمثيلية والحكومة من جهة، والمؤسسات الاستشارية أو غير المنتخبة والإدارة من جهة أخرى، وهو أمر يسائل الحكومة على مدى قدرتها على الإبداع والاقتراح، حيث تصبح رهينة تصورات وقرارات خارجة عن إرادتها.

< تراهن الدولة على دور حاسم للقطاع الخاص في التنمية، في وقت يشكو فيه إكراهات تحد من فعاليته. كيف تقيم دوره في التقليص من أزمة التشغيل؟
< يساهم القطاع الخاص في مجال الاستثمار بحوالي 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، أي ما يعادل 120 مليار درهم، ويوفر حوالي 92 في المائة من مناصب الشغل، لكن يعاني هو الآخر أعطابا تحد من دينامية الاستثمار، ومنها عدم استقرار السياسة الجبائية، وغياب ما يسمى الإنصاف الجبائي بين المستثمرين، حيث تساهم فقط 2 % من المقاولات بأكثر من 80% من مجموع مداخيل الضريبة على الشركات، وغياب التمويلات الكافية. كما أن الاستثمار الخارجي يظل محدودا، ولا يتجاوز 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، جلها يذهب إلى الاستثمار في العقار.

< فشل النموذج التنموي له بعد آخر يتعلق بالتربية والتكوين، والذي بات يطرح إصلاحا عاجلا. أين تكمن علاقة النموذج التنموي بمنظومة التربية؟
< الأكيد أن الجميع يقر اليوم بأن منظومة التربية والتكوين، أو بالأحرى النظام التعليمي بالمغرب أصبح غير قادر على مواكبة التحولات المجتمعية التي يعرفها المغرب، ومسايرة المعطيات الاقتصادية العالمية، فقد أضحت المدرسة تنتج في بعض الأحيان، نقيض ما أنشئت من أجله، من قبيل اتساع ممارسات الانحراف والتحرش والإدمان على المخدرات، وهذا ما يحيلنا إلى الحديث عن دور المدرسة وقدرتها على الحفاظ على الهوية المغربية، وترسيخ منظومة قيم منفتحة على الآخر ومعتزة بتاريخها وذاتها، وهو فشل ستكون لها انعكاسات سلبية على المجتمع برمته. إن العلاقة المباشرة بين النموذج التنموي ومنظومة التربية تكمن في تكوين جيل من الشباب المتشبع بقيم المواطنة والمسؤولية وبطموح مشروع، متسلح بمؤهلات فكرية وعلمية تمكنه من الإبداع و الإنتاج والانخراط المواطن في أجرأة مشروعنا المجتمعي: مشروع تربوي تنموي.

غياب الحس الاستباقي

< ما هي أسباب فشل النموذج التنموي في رأيك، ولماذا تأخر الإقرار بذلك إلى اليوم؟
< أضاع المغرب الكثير من الوقت خلال عقود من أجل بلورة نموذج تنموي واضح المعالم، يساهم الجميع في بلورته، وظلت أغلب السياسات الاقتصادية والقرارات المرتبطة بها ظرفية تحكمها إكراهات اللحظة، وتستجيب لمعطيات خاصة، بعيدة عن التصور الإستراتيجي الذي يفرضه وضع النموذج الاقتصادي الذي يجيب عن الحاجيات المجتمعية. ومن أسباب الفشل غياب الحس الاستباقي في بلورة السياسات العمومية في مجموعة من القطاعات، وتفشي مظاهر الريع والرشوة والفساد والبيروقراطية في دواليب الاقتصاد والإدارة، والمجتمع برمته، وضعف آليات الحكامة، ومحدودية الانخراط المسؤول للمواطن ومختلف الفاعلين، حيث طغت اللامبالاة تجاه النموذج الاقتصادي، من قبل مختلف الفاعلين والمؤثرين في النقاش العمومي.

في سطور

– من مواليد 1974
– متزوج وأب لطفلين
– باكالوريا في العلوم الرياضية
– إجازة في علوم الرياضيات التطبيقية بجامعة محمد الخامس بالرباط
– دبلوم الدراسات المعمقة في علوم الرياضيات التطبيقية في مجال الهندسة، جامعة باريس دوفين
– دكتوراه من جامعة مونبوليي بفرنسا تخصص تحليل المعطيات وهندسة الأنظمة التقريرية
– شهادة التأهيل الجامعية للإشراف على الأبحاث العلمية
– أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط
– أستاذ التعليم العالي بمدرسة المهندسين للمعادن بفرنسا وبجامعة ليل الفرنسية
– أشرف على تكوينات في مجال الأمن الالكتروني
– نائب برلماني سا
– عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة
– رئيس اللجنة الاستشارية للتنمية الاقتصادية لجهة الرباطـ سلاـ القنيطرة
– رئيس سابق للجنة الدائمة للحكامة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
– نائب رئيس المركز الدولي للرياضيات التطبيقية
– نائب رئيس مركز شمال إفريقيا للسياسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى