fbpx
ربورتاج

ليلة “السطو” على دار الشباب ببوسكورة

مجهولون استباحوا أبوابها ونوافذها وتجهيزاتها ومنحرفون حولوها إقامة دائمة

استنكر سكان دوار عين الجمعة ببلدية بوسكورة إغلاق دار الشباب خلال 2014 من قبل مصالح الجماعة، حيث سرقت معداتها وتعرضت للتخريب، حتى صارت مكانا للمنحرفين الذين حولوها
إلى “كارتيل” لتجارة المخدرات وممارسة الدعارة، وتجاوز الأمر المعدات ليصل إلى سرقة أمن وطمأنينة العائلات التي تسكن في محيط دار الشباب.
“تا من المكانة ديال الضو داوها”، كان ذلك جوابا كافيا لفهم أن اليأس بلغ أعلى مستوياته، بخصوص إغلاق دار الشباب، مشكل عمر طويلا إلى أن أصبحت آمال المتضررين في حله منعدمة. تلاميذ ضاقت صدورهم من تردي وضعية دار الشباب عين الجمعة ببلدية بوسكورة في البيضاء، التي احتلها منحرفون قاموا بتحويلها إلى مسرح للاغتصاب ومرتع يعج بالمتسولين دون أن تتحرك أي جهة، ما أجبر الضحايا على التزام الصمت وحين يتحدثون يصرخون بشهادات تنزف احتجاجا “كلشي مخرب.. السلطات ما دارت والو.. تا واحد ممسوق لينا”.
“من المسؤول عن تخريب دار الشباب عين الجمعة؟”، لافتة سارع أحد التلاميذ بالمدرسة الابتدائية عين الجمعة المجاورة لدار الشباب، إلى خطها بأنامله بمجرد رؤيته “الصباح”. بناية مهجورة اندثرت صباغتها، ولا تحمل أي إشارة تدل على أنها دار للشباب. في مدخل بابها الرئيسي تستقبلك كلمات نابية وعبارات تشير إلى ألقاب فارين من العدالة والمتسولين، خربشات مكتوبة تملأ جدران قاعات دار الشباب “الشبح”. شهادات تلاميذ وجمعويين جمعتها “الصباح” رسمت صورة قاتمة عن واقع لا يحسد عليه دوار يغرق في بحر التهميش والإقصاء.

بداية الانتكاسة
دار الشباب عين الجمعة ببلدية بوسكورة حديثة العهد، يعود تأسيسها إلى 2008، وهي تابعة لإقليم النواصر، تسلمتها الجماعة الحضرية في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي دبرّت تفويضها لدوار عين الجمعة، سنين قليلة كانت كفيلة بإجهاض أحلام شريحة عريضة من التلاميذ، حيث أغلقت أبواب المؤسسة سنة 2014 لأسباب مجهولة، مخلفة وراءها ضحايا كانوا بالأمس يستفيدون من خدماتها. كل المشاهد الملتقطة، سواء في الأحياء المجاورة لدار الشباب، أو حتى الأحياء البعيدة منها، صارت بمثابة صور ناطقة عن التسيب العارم الذي يغرق فيه دوار عين الجمعة.
لما رأت النور هذه المؤسسة، جهزت بالأبواب والنوافذ والسبورات والطاولات وألعاب الأطفال، فقد كانت وجهة للنساء والأطفال في الدوار على السواء، لأنه كان يتوفر على جناح خاص بدروس محاربة الأمية بالإضافة إلى روض للأطفال، وتشرف المربيات على تسيير أمور الجناحين.
” لم تتوفر دار الشباب منذ البداية على إستراتيجية محكمة تحدد منهجية العمل، وإنما خضعت فقط للإجراءات الترقيعية، إذ وقع إهمال ترتب عنه الوضع الكارثي الحالي الذي تتخبط فيه، وتتحمل الجماعة كامل المسؤولية في ما آلت إليه دار الشباب من سرقة وتخريب ونهب”، يفسر عبد الهادي السلماني، عضو عن المعارضة باسم الأصالة والمعاصرة في المجلس البلدي لبوسكورة، ويضيف أن الأدوار الموكولة للمؤسسة غير محددة، فقد اعتبروها مؤسسة للتعليم الأولي ثم في وقت لاحق مركزا لمحاربة الأمية في حين لم تنجز فيها أي دروس لهذا الغرض.
معدات مسروقة
بمجرد إقفال دار الشباب، تعرضت معداتها للسرقة، “سرقوا النوافذ والطاولات، اقتلعوا الأبواب والصنابير وحتى عداد الكهرباء لم يسلم من النهب”، بلغة منفعلة تتحدث مليكة إحدى القاطنات في محيط دار الشباب عن طبيعة الأشياء المسروقة، تتريث قليلا للتخفيف من حدة كلامها وتواصل “تمت عمليات السرقة في واضحة النهار دون أن تحرك السلطات المعنية ساكنا”.
عبد الله، فاعل جمعوي، يقول في حديثه مع “الصباح” إن “التجهيزات البسيطة من أبواب ونوافذ بيعت في الأسواق أمام مرأى الجماعة دون اعتقال أي شخص رغم فتح التحقيق من طرف السلطات، أما الأجهزة التي زُودت بها دار الشباب إبان إطلاقها فقد اختفت مع إغلاق المؤسسة”.
المعطى نفسه يؤكده عبد الهادي السلماني، المستشار الجماعي، بقوله إن “تجهيزات دار الشباب تعرضت للسرقة، والتي اختفت في ظروف غامضة، حيث لم تحدث معاينة من قبل للشرطة أو الدرك في إهمال تام لمهمتي المراقبة والتتبع الموكولتين لرئيس الجماعة”.
ويوضح الفاعل الجمعوي أن دار الشباب تحكّم فيها أشخاص لهم علاقات قرابة مع أعضاء المجلس البلدي ببوسكورة، غير مبالين باحتياجات التلاميذ أو مستقبلهم لأن ما يهمهم هو التجارة المربحة.
تـســيــب
السرقة لم تقتصر على معدات دار الشباب، بل تعدت ذلك إلى ما هو أخطر، هذه المرة سرقوا الأمن والطمأنينة في الأحياء المجاورة لها، إذ صارت وكرا للصوص وفضاء للدعارة ومرتعا للمتسولين والمنحرفين. استقت “الصباح” العديد من الشهادات التي تشير بوضوح إلى وقوع حالات سرقة واغتصاب وتحرش، سيما أنها تقع بجوار ثانوية إعدادية ومدرسة ابتدائية.
خديجة (45 سنة)، ربة بيت، تصرح أنها تضطر لمرافقة ابنتها التي تتابع دراستها بثانوية الإمام الشاطبي الإعدادية، قائلة “هدشي بزاف، خصني نجيب ابنتي من الإعدادية كل نهار خاصة فالعشية ملي كيظلام الحال”.
يتقاطرون ليلا على المكان، ذكورا وإناثا، يسهرون إلى طلوع الفجر، حيث يحتضن “كارتيلات” المخدرات التي تستغل الفضاء لجلب الزبناء وبيع جميع أنواع المخدرات، كما يشكل قبلة لشبكة الدعارة التي تنشط في الأماكن المهجورة. “أصبح سكان الأحياء القريبة من دار الشباب يتعرضون للسرقة سواء في النهار أو الليل، ثم إن الكلمات النابية تسمع في الأزقة طيلة اليوم”، يقول المعطي أحد القاطنين في محيط دار الشباب المهجورة.
كل الشهادات أشارت إلى جماعة بوسكورة بأصابع الاتهام، محملة إياها مسؤولية إغلاق دار الشباب، وما ترتب عن ذلك من الوضع المأساوي للأسر المحاذية لها، في هذا الصدد، يقول إسلام عبد القادر، نائب رئيس الجماعة، “خصصنا 20 مليونا لصيانة دار الشباب عين الجمعة، لكن المشكل يبقى في غياب الأطر حيث لا نتوفر على أطر كافية لاستخدامها في ظل عدم تقديم جمعيات المجتمع المدني للمساعدة اللازمة، فهنالك خمس دور شباب أخرى تعاني من المشكل نفسه”.
وبخصوص مصير التجهيزات التي اختفت من دار الشباب، أبرز أن التحقيق أدى إلى اعتقال العديد من المجرمين، في حين أن تجهيزات المركز المهمة من حواسيب وغيرها تعرضت للسرقة إلى حد الآن.
مصطفى شاكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى