fbpx
ملف عـــــــدالة

الدعاوى الكيدية… تصفية الحسابات

نافذون يجرون خصومهم إلى المحاكم بسوء نية

المؤكد أن ظاهرة التقاضي بسوء نية غير محصورة على الفئات ذات المستوى الثقافي والتعليمي المحدود، وإنما تشمل أشخاصا متعلمين متعلمين مدركين لفلسفة القانون ووجود المحاكم، ورغم ذلك كله يعتبرون أنفسهم فوق الجميع، ولا يجوز لأحد أن يتحداهم في قضية كانت، وإلا فإن مصيره «سيكون هو الحبس». والواقع أن كثيرا من المواطنين لا يترددون في الإصرار على استغلال علاقاتهم مع شخصيات نافذة لجرجرة أقارب لهم أو معارف، لمجرد خلاف بسيط، إلى المحاكم. وبعضهم يدفع مالا إلى منعدمي الضمير للحصول على إقرارات كاذبة أو شهادات طبية مزورة بغرض الزج بهم في السجون، ويعتبر جهاز العدالة المتضرر الوحيد من هذه الخصومات التافهة، لأنها تهدر وقت قضاة المحاكم وتستنزف طاقتهم وقدراتهم في ما لا يخدم تحقيق العدالة، كما تساهم هذه الظاهرة في تراكم الملفات أمام المحاكم، ما يؤثر بشكل سلبي على سير العدالة في قضايا أخرى أكثر إلحاحية وراهنية.
والخطير أن هناك أشخاص لا يترددون في دفع المال للحصول على شهادات طبية مزورة، من أجل توريط شخص ما، تتضمن معطيات كاذبة حول وضعه الصحي نتيجة اعتداء وهمي تعرض له، أو «شراء» شهود زور، مستعدون للإدلاء بإقرارات أو تصريحات أو إشهادات مزورة، وذلك للزج بخصمه في متاهات قضائية، تعتبر العدالة الخاسر الوحيد فيها، بالنظر إلى إهدار وقت ومجهود قضاتها في ملفات تافهة، عوض تركهم يتفرغون لقضايا المواطنين الحقيقية، والبت فيها دون وجع دماغ، بسبب كثرة الملفات التي تتراكم أمامهم يوما عن يوم، والتي يستحيل البت فيها بالشكل الذي ينبغي.
ومنذ سنوات انتبه المشرع المغربي إلى خطورة مثل الأفعال، فأقر لها عقوبات زجرية، للحد من الظاهرة. وقد نص مثلا، في الفصل  445من القانون الجنائي، على أن «من أبلغ بأية وسيلة كانت، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر إلى الضباط القضائيين أو إلى ضابط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيآت مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم، ويجوز للمحكمة أن تأمر علاوة على ذلك، بنشر حكمها كله أو بعضه في صحيفة أو أكثر، على نفقة المحكوم عليه. وإذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب زجرا جزائيا أو إداريا، فإن المتابعة عن الوشاية الكاذبة، تطبيقا لهذا النص، يمكن الشروع فيها، إما عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ ضده أو إعفائه أو عقب صدور أمر أو قرار بعدم متابعته أو عقب حفظ الشكاية بأمر من أحد رجال القضاء أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية. وعلى المحكمة التي ترفع لها الدعوى بمقتضى هذا الفصل، أن تأمر بوقف نظر دعوى البلاغ الكاذب، إذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لازالت جارية».
ولتجاوز هذه الإشكالية التي تهدر وقت العدالة، يستدعي الأمر تكريس سياسة ترشيد الاعتقال والوضع تحت الحراسة النظرية من طرف السلطات القضائية، خصوصا النيابة العامة، وقضاة التحقيق. ويكشف أحد رجال القانون أنه في الماضي لم يكن هناك ما يسمى أو ما يصطلح عليه بترشيد الاعتقال أو الوضع تحت الحراسة النظرية، لأن حقوق الإنسان لم تكن معروفة آنذاك، بل كانت دوريات بوليسية عامة، تنص على اعتقال أناس كيفما كان نوعهم، ولكن مع التطور التشريعي والحقوقي في المغرب، لم يعد بالإمكان الفصل بين ما هو حقوقي وما هو سياسي، وهو الوضع الذي كان يستغله بعض دعاة استغلال النفوذ لتصفية الحسابات التافهة مع خصومهم، وهو الأمر الذي كان ينساق معه القضاء، ليأمر بالإيقاف أو الاعتقال، وقد يصدر أحكاما تعسفية.
وعموما، يبدو أن ظاهرة التقاضي بسوء نية وقد ساهمت الظاهرة في اكتظاظ السجون، بالنظر إلى أن فئة لا يستهان بها من المعتقلين احتياطيا أو المدانين توبعوا ببلاغات كاذبة أو شكايات كيدية من طرف خصومهم، واعتقلوا وحوكموا، حتى ولو لم يكن الأمر يستدعي ذلك.
وهناك مشكلة أخرى تعيق تجاوز هذه الإشكالية، وهي عدم السماح، في كثير من الأحيان، للمتهمين بمناقشة الأفراد الذين يدلون بشهادات ضدهم، أو تفنيد أقوالهم، ولو بالحجة والدليل، وإبراز تناقضاتهم، إذ بمجرد ما يحاول أحد الماثلين في قفص الاتهام الرد على بعض الشهود، بصرف النظر عما إذا كانوا شهود زور أم شهود إثبات في واقعة حقيقية، يتدخل القاضي، رئيس الهيأة، ليأمره بالتوقف عن الكلام، ولزوم الصمت، للسماح للشهود بالإدلاء بإفاداتهم، تحت مبرر أن الفصل 82 من قانون المسطرة الجنائية، لا يجوز للطرف الآخر أن يقاطع الشاهد أثناء إدلائه بشهادته، أو أن يوجه أسئلة مباشرة، وهو ما يعتبره الباحثون طريقة «معيبة» في تدبير الملفات المعروضة على المحاكم، كما يرى ذلك باحثون في العلوم القانونية، باعتبار ذلك يهدر حق المتهم في الدفاع عن نفسه، وهو حق مقدس في نظام التقاضي، يعرض الإخلال به يعرض الحكم للنقض في المجلس الأعلى، ما دام المشرع المغربي منح المتهم حرية مناقشة الشهود بعد أداء شهادتهم.

محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى