fbpx
ملف عـــــــدالة

الحكم القضائي ليس دائما عنوانا للحقيقة

أشيبان: التقاضي لتحقيق مصلحة غير مشروعة يرتب المسؤولية التقصيرية

يرى مصطفى أشيبان، دكتور في الحقوق ومحام بهيأة البيضاء أن نظرية التعسف في استعمال الحق تجد إطارها القانوني العام في نطاق المسؤولية التقصيرية وفي إطار القواعد العامة للمسؤولية المدنية، إذ يمكن ترتيب هذه المسؤولية عن كل إخلال بمبدأ الامتناع عن الأضرار بالغير والالتزام بذلك. ويذهب إلى أنه إذا  كان صاحب الحق متمتعا بالشرعية، فإن لهذا الحق وطريقة

استعماله حدودا وقيودا يتعين مراعاتها وإلا سقط في حمى المسؤولية التقصيرية سيما ارتكاب الخطأ في مواجهة الغير، وهذه القيود تتمثل في عدم استعمال الحق بقصد الإضرار بالغير (سوء النية) وعدم استعمال الحق تحقيقا لمصلحة مشروعة قليلة الأهمية بالنسبة إلى حجم الضرر المتسبب للغير ثم عدم استعمال الحق تحقيقا لمصلحة غير مشروعة.

قال الدكتور مصطفى أشيبان،  إن بعض التشريعات الخاصة تضمنت مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق نذكر منها على سبيل المثال القانون المتعلق بتنظيم العلاقة الكرائية لمحلات السكنية والمهنية والقانون العقاري وقانون المسطرة المدنية ومدونة الشغل.
وأنه بالرجوع إلى الفصل 17 من قانون 6.79 المتعلق بكراء المحلات السكنية والمهنية والصادر بشأن تنفيذه ظهير 25 دجنبر1980 والذي ينص على أنه «يحق للمكتري بعد إفراغه المحل باختياره تبعا للإشعار أو تنفيذا للحكم القاضي بالتصحيح أن يطالب المكري بتعويض يعادل الضرر الذي لحقه إذا ثبت أن السبب غير مطابق للواقع»، فيمكن اعتبار هذا الفصل صريحا ومهما ضمن ما أحدثه المشرع لحماية المكتري من تعسف المكري في استعمال حقه المخول له للمطالبة بالإفراغ.
ويضيف أشيبان لقد ارتأى المشرع أن يتدخل بصفة صريحة ليعطي الحق للمكتري لمطالبة المكري بتعويض كل الأضرار اللاحقة به من جراء إفراغه من العين المؤجرة.
ذلك أن المشرع افترض أن بعض الملاك قد يستغلون الحقوق المخولة لهم بمقتضى القانون للمطالبة بإفراغ المكترين، وراء أسباب غير واقعية، وهذا اعتراف ضمني من المشرع بأن الحكم القضائي قد لا يعبر عن الحقيقة دائما، بل إن الحقيقة تبقى دائما نسبية والحكم القضائي ليس دائما عنوانا للحقيقة.
وزاد المتحدث نفسه أنه إذا كان المكتري أفرغ المحل باختياره بعد توصله بالإنذار بالإفراغ، اعتمادا على السبب المضمن فيه والذي لا يد له فيه، أو أنه أفرغ محله تنفيذا لحكم المحكمة التي صححت الإشعار بالإفراغ، ثم تبين أن السبب الذي أسس المكري عليه طلبه يخالف ما قام به فعلا، فإن للمكتري الحق في رفع طلب إلى المحكمة المختصة للمطالبة بتعويض لكافة الأضرار الحاصلة له من جراء الإفراغ، اختياريا كان أم قضائيا بناء على الفصل 17 المذكور أعلاه.
وقد جاءت نصوص أخرى في قانون 6.79 المتعلق بكراء الأماكن السكنية والمهنية يستفاد منها صراحة أخذ المشرع فيها بمبدأ عدم  التعسف في استعمال الحق، فمن ذلك أنه يحق للمكتري مراجعة الكراء داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام العقد في حالة مبالغة السومة الكرائية أو عدم تناسبها مع المردودية المشروعة لرأس المال الذي يمثل القيمة الحالية للعقار ولرأس المال المستثمر فعليا أو لا تتناسب مع المزايا أو المنافع التي قد توفرها العقارات المكراة من حيث موضعها وظروف تجهيزها للمكتري سواء بالنسبة إلى سكناه أو بالنسبة إلى محل ممارسة مهنته، وهذا ما نص عليه الفصل 2 من قانون 6.79 في فقرته الأخيرة الذي جاء فيه أنه يمكن الحكم بتعويض لصالح المكري قيمته تتراوح بين شهر واحد، وثلاثة أشهر من وجيبة الكراء على المتعسف في استعمال حق مراجعة الكراء المخول له إذا رفض طلبه.
كما أن اشتراط المكري على المكتري أداء كفالة تفوق وجيبة شهر ضمانا لتأدية الكراء أو تعويضا عن الأضرار الناتجة عن الأفعال المحدثة في الشيء المكتري يدخل في باب التعسف في استعمال الحق طبقا للفصل 4 من قانون 6.79 المذكور أعلاه.
وبناء على ما ذكر، يضيف أشيبان، يستنتج أن الفصل الرابع يجيز التعويض عن التعسف الذي يقوم به المكتري، ولكن لا يجوز للمكري أخذ أية ضمانة عليها مسبقا لأن أضرارها من جنس الضرر الاحتمالي فيمكن أن تقع أو لا تقع، ولذلك يحق المطالبة بتعويضها بها عند انتهاء العلاقة الكرائية.
وأفاد المتحدث نفسه أن كل دعوى متعلقة بمراجعة وجيبة الكراء قبل مرور ثلاث سنوات على الأقل من تاريخ إبرام العقد، أو من تاريخ آخر، تعتبر مراجعة قضائية أو اتفاقية داخلة في مجال التعسف في استعمال الحق طبقا للفصل الخامس من ظهير 1980/12/25 الذي أحال على تطبيق هذه الأحكام على مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الثاني من الظهير المذكور.
وأوضح مصطفى أشيبان، أن القانون العقاري، وحالة القانون 2 يونيو 1915 الذي عرف في فصله التاسع الملكية العقارية بأنها حق التمتع والتصرف في عقار بطبيعته أو بالتخصيص على أن لا يستعمل هذا الحق استعمالا تمنعه القوانين أو الأنظمة، فإن الفصل 48 من ظهير التحفيظ العقاري ينص على أن كل طلب للتحفيظ أو تعرض عليه ثبت صدوره عن تعسف أو تكدير أو سوء نية، يوجب ضد صاحبه غرامة تتراوح  بين عشرة دراهم وألف درهم بقطع النظر عن التعويض المستحق للأطراف المتضرر والذي يقدر بمدى جسامة التعسف وقيمة العقار المتعرض عليه وآثاره.
ويلاحظ أن المحكمة المعروض عليها ملف التحفيظ هي المختصة في النظر في التعسف الحاصل من جراء ذلك مع الحكم بالتعويض والغرامة، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل المذكور بقولها: «إن المحكمة التي أحيل عليها طلب التحفيظ، لها صلاحية الحكم بالغرامة والبث في طلبات التعويض».
كما أن قانون المسطرة المدنية أيضا، يشير أيضا  في الفصل 164 من قانون إلى أنه «إذا رأت المحكمة أن الاستئناف لم يقصد منه إلا المماطلة والتسويف وجب عليها أن تحكم على المدين بغرامة مدنية لا تقل عن عشرة في المائة من مبلغ الدين، ولا تفوق 25 في المائة من هذا المبلغ لفائدة الخزينة».
ونص الفصل 376 من ق. م. م المتعلق بالمسطرة أمام المجلس الأعلى على ما يلي: «يحكم على الطرف الذي خسر الدعوى بأداء المصاريف، غير أنه يمكن توزيعها بين الأطراف.
ويجب على المجلس إذا تبين له أن طلب النقض يكتسي صبغة المجازفة أو التعسف، أن يحكم على الطالب بأداء غرامة مدنية لصالح الخزينة لا تتجاوز ثلاثة آلاف درهم».
يحق للمجلس أيضا أن يبت في الطلب الذي يمكن أن يرفعه إليه المطلوب ضده النقض للمطالبة بتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب رفع الطعن التعسفي غير أن هذا المقتضى قليلا ما يتم الانتباه إليه من طرف العموم بل وقلما يتقدم المتضرر بطلب التعويض مما ينبغي تفعيل هذا النص وممارسة الحق المترتب عليه قصد معاقبة المتعسف.
وإذا كان المقصود مما ذكر، حسب أشيبان، هو الامتثال لقواعد حسن النية كما ينص على ذلك صراحة الفصل 5 من ق.م.م، فإن استعمال حق التقاضي بسوء نية قصد الإضرار بالغير يؤدي إلى ترتيب المسؤولية التقصيرية، وفي هذا الصدد سبق للقضاء المغربي أن بت في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بما يلي: «أن إجراء حجوز لدى الغير في آن واحد ضمانا لتنفيذ حكم احتمالي منشئ لحق رغم  أن قدرة وفاء المدين المزعوم متوفرة، وان المبالغ المحجوزة تفوق بكثير التعويضات المطلوبة أمام القضاء من طرف الحاجز يشكل خطأ من شأنه أن يستوجب تعويض المحجوز عليه عن الضرر» قرار 4738 بتاريخ 1951/1/15 .
أما في ما يتعلق بمدونة الشغل، فمن المنصوص عليه أنه لا يمكن إنهاء عقد الشغل غير المحدد المدة بسبب تمييز في الجنس أو اللون أو العقيدة أو الرأي السياسي أو الانتماء النقابي (المادة 9 من المدونة) أو لممارسة حرية من الحريات العامة التي يضمنها الدستور أو النصوص الخاصة كالحرية النقابية وغيرها.
وهكذا وفي حالة إنهاء عقد الشغل من أحد طرفيه بطريقة تعسفية وجب التعويض الطرف الآخر المتضرر طبقا للمادة 41 من المدونة، ويعد تعسفا كل إنهاء ناتج عن استعمال رخصة غياب أو مطالبة العامل بدين في ذمة مشغله كما يعد تعسفا كل تغيير جوهري لمحل عقد الشغل.

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى