حوار

مشقاقة: من المفروض أن يتولى قاض وزارة العدل

رئيس منتدى القضاة قال إن مرحلة الرميد اتسمت بالتدبير المزاجي واستباق الحلول وشخصنة النوازل ونقصان التروي

يرى رشيد مشقاقة، رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين، أنه كان من الأفضل أن يتم إسناد وزارة العدل إلى قاض، وأضاف في حوار مع “الصباح” أن وزير العدل السابق مصطفى الرميد، عند تعيينه أعرب عن رغبة صادقة في إصلاح القطاع، وتحدث بجرأة غير مسبوقة، و “لعل هذا ما أغرى القضاة فعبروا عن آرائهم بكل تجرد واستقلال وجرأة ومسؤولية، لكن البعض منهم نال جزاء سِنِمَّار “. وفي مايلي نص الحوار:

< شهدت الآونة الأخيرة تعيين أعضاء المحكمة الدستورية ووزير جديد للعدل والحريات وتنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، كيف ينظر المنتدى المغربي للقضاة الباحثين إلى هذه المستجدات؟
< الجانب الإيجابي في الموضوع أن حالة الانتظار والترقب انتهت بهذه التعيينات. مما لا شك فيه أننا الآن أمام محكمة دستورية، وقضاة دستوريين. هل تَوَسّمَ التعيين والانتخاب في من أسندت إليهم مهمة قضائية جسيمة الكفاءة وطول المران والتجربة القضائية المفترضة والجرأة ونبذ الانتقائية أم لا، هذا ما سوف يجيب عنه المستقبل القريب !
أما التغيير الذي حصل في وزارة العدل في شخص الوزير، فأنت تعلمين جيدا أن المنتدى المغربي للقضاة الباحثين كان قد أعد مشروعا تتقوى به وزارة العدل بإسناد مهامها إلى قاض بعيداً عن الأحزاب السياسية، وهو اقتراح كان من شأنه أن يعفينا تماما من هذه الازدواجية والتعددية والتضارب، بل والعمل المتكرر الذي سوف يسفر عنه التطبيق العملي لما جاء به القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فقد سبق للمنتدى المغربي للقضاة الباحثين أن أعلن موقفه بهذا الخصوص ورفض المشاركة في الانتخابات، ولا أدل على ذلك أنه تم أخيراً الإعلان عن استمرار وزير العدل الجديد في رئاسة النيابة العامة لمدة نصف سنة وقد تطول في انتظار إقرار نظام ملاءمة القوانين، وهو أمر غريب وعجيب. رئيس النيابة العامة موجود ووزير العدل يباشر مهامه، هذا ما كنا نتنبأ به وقد حصل وفي جميع الأحوال فإننا نقول مع المثل السائر "شيء أحسن من لا شيء".

< انتهت أخيرا ولاية مصطفى الرميد على وزارة العدل كيف تقيمون تلك المرحلة؟
< لا أحد ينكر أنه غداة تعيين مصطفى الرميد أعرب عن رغبة صادقة في إصلاح القطاع، وتحدث بجرأة غير مسبوقة، ولعل هذا ما أغرى القضاة فعبروا عن آرائهم بكل تجرد واستقلال وجرأة ومسؤولية، لكن البعض منهم نال جزاء سِنِمَّار، إذ سرعان ما اكفهرت الأجواء وأنذرت بسوء الحال، ولعل السبب الرئيسي كما أكدنا عليه في العديد من المقالات والبيانات التي اتفقت عليها الجمعيات المهنية يعود إلى التدبير المزاجي والارتجال واستباق الحلول المبسترة وأحيانا شخصنة النوازل ونقصان التروي، ويمكنني أن أعطيك نماذج عن صور الاحتقان التي لم يكن لها داع.
أولا الحرص على نشر العقوبات التأديبية بالصحف والمواقع الالكترونية دون سند قانوني، علما بأن النشر هو عقوبة تكميلية أو إضافية لم يكن الغرض منه سوى التشهير، كما أن تعليل هذه الخطوة بطريقة مزاجية لم يكن له داع مطلق وقد أجابنا الوزير عن هذه الملاحظة حينئذ بقوله "سامحك الله".
ثانيا: الإدلاء بتصريحات مجانية مثل القول بأن الجمعيات المهنية تريد قوانين على المقاس لم يكن لها داع أيضا.
ثالثا: تسوية المنازعات وعدم اللجوء إلى الاحتقان وتلطيف الأجواء في ما يتعلق بما يصدر عن القضاة من أقوال دون قطع أرزاق القضاة بالعزل غير المبرر لم يكن له داع، خاصة متى تعلق الأمر بحالة مرضية أو مجرد رأي أو تظلم قاض من مسؤوله المباشر على إثر خروقات قانونية حاصلة !
رابعا: عدم إشراك الجمعيات المهنية في صياغة قوانين تَهُمُهَا وهي مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية والقانون الأساسي للقضاة. والغريب أن عدم الإشراك هذا لم يكرر مبررا ولا صريحاً، إلى أن فوجئنا بصدور القانونين بالهشاشة التي هما عليها الآن !
خامسا: التشبث بحرمان القضاة المحالين على التقاعد من مزاولة مهنة المحاماة لعامل السن وهو تصرف لا يليق بمن يفترض أنه يعرف ما معنى القضاء والقضاة !
سادسا: الافتقار إلى المنهجية في تدبير ملفات على درجة كبيرة من الحساسية ومنها أجر القاضي وهو ما ساهم بدوره في بلوغ درجة الاحتقان إلى مداها !

< ألا يعد ذلك نوعا من التحامل؟
< هذه فقط بعض النماذج وهي كثيرة جدا، على أن ما كان له تأثير بالغ الخطورة ومؤسف بدرجة أخطر، هو اعتقاد مصطفى الرميد أن ما نقترحه عليه ليست له أي قيمة، فعندما قلت له في لقاء عقد قبل إجراء انتخابات قضاة المجلس الأعلى للسلطة القضائية لماذا بَدَأتُمْ بالانتخابات قبل التعيين ودعونا نطلعكم على سلبيات المرحلة السابقة بدت علامات اللامبالاة بل والاستقواء والاستهزاء على محياه وساهم في هذه الأجواء الكوميدية بعض القضاة، ولعل هذا هو السبب المباشر الذي دفعني أنا شخصيا وقضاة المنتدى المغربي إلى عدم المشاركة في انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية وقد ضمنت كتابي: "القاضي المبني للمجهول " كل المقالات التي عبرت من خلالها عن وجهة نظري ووجهة نظر المنتدى المغربي للقضاة ومنها مقال " القضاة يَتَسَاءَلوُن " "أغدا ألقاك " " بيضة الديك " "إصلاح إيه اللي أنت جاي تقول عليه "، لكننا كنا كمن يؤذن في مَالْطَا.

< تم أخيرا تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتركيبته الجديدة هل هو في مستوى تطلعات القضاة؟
< لا، كانت إرادة إعادة النظر في القانون المنظم للمجلس الأعلى للقضاء فرصة ذهبية لإحداث تغيير نوعي جوهري على مقتضياته وإحداث ثورة تشريعية غير مسبوقة، والأدهى والأمر أن بعض القضاة الذين كانوا يشاركون معنا في الإعداد وقفوا سدا منيعا حتى ضد الفُتَات، فهناك من نادى بنظام "العتبة " في إحداث الجمعيات المهنية كأننا حزب سياسي، وقد أقنعوا بذلك وزير العدل فسمعته يقول إن السماح بإحداث الجمعيات المهنية بدون قيد ولا شرط العدد سيؤدي إلى تكاثرها كالفطريات، ولعل الهاجس الذي كان ينطلق منه هؤلاء القضاة هو السيادة التي دبروا بمفعولها الساحر الشأن القضائي منذ الأزل !

< لكن ألا ترون أنه بالفعل حصل تغيير؟
< نعم كانت الفرصة مواتية للأخذ بنظام مجلس الدولة والنضال من أجله. كانت الفرصة مواتية أيضا لتقييد ما هو مطلق سواء في صلاحيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو رئيسه أو الوكيل العام للملك أو كيفية اختيار الأعضاء الدائمين وشروط الاختيار، ومبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص، ولكن شيئا من هذا لم يقع، بل إننا عندما طالبنا بإحداث حركية بسيطة في الغرفة المدنية الأولى التي تعطي العضوية الدائمة بالمجلس الأعلى للقضاء اتهمنا بأننا نستهدف الأشخاص، لذلك أجبتك عن سؤالك حول مدى ايجابية تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بلا. نحن لم نبلغ بعد مستوى من النضج تختلف فيه الأفكار وتتفق، نحن نُشَخصِنْ الأحداث، فعندما أقول مثلا ما هي المقاييس التي على منوالها أصبح فلان الفلاني أو فلانة الفلانية عضوا بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يعتبرون هذا خطاً أحمر لا يجب الحديث فيه وهذا غير صحيح بتاتا !

< بالرجوع إلى وزارة العدل هل بقي لها دور في تدبير الشأن القضائي؟
< أعتقد، أنه دور قضائي باهت، ويمكن تسميتها "وزارة موظفي العدل " نعم، وفي جميع الأحوال سيكشف التطبيق العملي على الغرائب والعجائب نتيجة هذه الازدواجية غير المحمودة.

< هل أنت متفائل بالوضع الحالي؟
< لست متفائلا، ولا علاقة للتفاؤل من عدمه بتحامل ما على زيد أو عمرو من الناس، فكل منا يملك الوصفة السحرية لبلوغ أهدافه إن هو أراد، وأحيانا نخرج من جلدنا ونعتقد أننا استغفلنا الآخر. لكن لا يصح إلاّ الصحيح. نعم نحن انتقدنا وزير العدل إبان مزاولته لمهامه ولم ينتظر حتى تنتهي ولايته لنتقمَّصَ شجاعة حسان بن ثابت، كما انتقدنا أطراً قضائية سامية خالدة وهي مازالت في مستوى قوتها أو أكثر، فلا مصلحة شخصية لنا بتاتا. الفرصة الذهبية أتيحت لتغيير ما ثبتت عدم فعاليته في تدبير الشأن القضائي قوانين وأشخاصاً. نحن أدلينا بدلونا في واد متحرك التيارات. لم يتحقق سوى النزر اليسير جدا مما كان ينبغي أن تتحقق. الافتقار إلى المنهجية وضعف التكوين والاستقواء، والمزاجية ساهمت في هذا الذي حصل، لذلك اعتبريني إذا شئت غير متفائل.
معضلة القوانين
عندما كان وزير العدل السابق مصطفى الرميد يعدد القوانين التي سوف يُعَدلها خلال ولايته أبديت استغرابي، حول القانونين التنظيميين، القانون الجنائي وقانون المسطرة المدنية والقانون المدني وقانون المحاماة والخبراء والموثقين والعدول، والتنظيم القضائي وغيرها سبحان الله، هذه الترسانة التشريعة التي ظلت خالدة عبر الزمن بقدرة قادر وبعصا سحرية سوف تتغير. ولعل هذا هو داء الارتجال والمجازفة الذي يصيب حركة التشريع فتخرج من الخيمة مائلة. الآن لم تفلح نظرية الوزارة سوى في إخراج قانونين معيبين هما القانونان التنظيميان للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقضاة، ولا أعتقد أن الاسترسال في إصدار الباقي بالمنظور نفسه ومسطرة وزير العدل السابق. فالازدواجية التي تفتق عليها ذهن القائمين على التشريع في بلادنا ستجعل الركح مجالا للجدل وتبادل الأدوار بين وزارة العدل التي مازالت لغاية يومه تتوفر على مديريات حتى على مستوى التشريع، في انتظار تفتق الذهن أيضا على اختراع صيني يدمج ما هو غير قابل للإدماج، وفي انتظار ملاءمة القوانين والمراسيم التي سوف تضع حدا للازدواجية تبقى قوانين الشكل والموضوع معلقة إلى أجل غير مسمى !
غموض يعتري مجال التشريع

لمديرية الشؤون المدنية والجنائية اختصاصات جوهرية سوءا في مجال تشريع وكل مَالهُ اتصال بالشأن القضائي الخالص أو ماله علاقة بالمهن القضائية. وإذا كانت أمَانَةَ المجلس الأعلى للقضاء بنص القانون التنظيمي ستنتقل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن المديريات مازالت على حالها، ولابد من صياغة دقيقة وحساسة تخلق انسجاما بين هذه المديريات ووزارة العدل من جهة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهي عملية معقدة جدا، أضف إلى ذلك أن مؤسسة التفتيش القضائي بدورها يجب أن تنضم إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وليس هناك نص بهذا المعنى في القانون التنظيمي يقضي بإحالة اختصاصاتها على المجلس الأعلى للسلطة القضائية. إذا لم يتم تنظيم ذلك بدقة سيكون لنا أكثر من مشرع، ويبدو أن حكاية جحا الذي سئل عن أذنه اليسرى فمد إليها يده اليمنى تنصب علينا، إذ كان ممكنا إسناد مهمة وزارة العدل لقاض يجمع بين يديه كل هذه الاختصاصات بما فيها رئاسة النيابة العامة، وكفى الله المؤمنين القتال.
في سطور
– رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين
– رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالرباط
– لديه عدد من الكتب والمؤلفات في المجال القضائي

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق