مجتمع

وكالة التثليج بالبيضاء… علبة أسرار

من الثلج إلى اقتناء التمور وصرف مبالغ مالية في وجبات غذائية بأرقى المطاعم

فجأة، طفت الوكالة المستقلة للتثليج بالبيضاء على سطح الأحداث، بعد التقرير الأخير للمجلس الجهوي للحسابات، فالوكالة يجهل أغلب البيضاويين، دورها، رغم أهميتها الاقتصادية.
تبدو الوكالة المستقلة، مثل ثكنة عسكرية يمنع الاقتراب منها، ورغم وقوعها بمنطقة تعج بالحركة التجارية، فهناك سوق الجملة للخضر والفواكه والمجاز الحضرية وسوق السمك، إلا أنها ظلت عصية على فتح علبة أسرارها، قبل أن يميط تقرير المجلس اللثام عن بعض خروقاتها التي أصابت البيضاويين ب”قشعريرة” الصدمة.
تاريخ الوكالة قديم، وتلعب حسب أحد المستشارين الجماعيين السابقين، دورا كبيرا في الأنشطة التجارية التي تعرفها العاصمة الاقتصادية، إلا أن النبش في ملفاتها شبه مستحيل، حتى بالنسبة إلى المنتخبين، فقد استطاعت أن تبعد نفسها عن كل نقاشات المجلس.
أسست الوكالة المستقلة للتثليج سنة 1969 بقرار المجلس الحضري للمدينة، وقرار وزاري صادر عن وزارة الداخلية، بعد حل شركة التبريد المغربية من أجل إدارة واستغلال مستودعات التبريد في المجازر القديمة (البوطوار)، قبل بناء وحدتها الجديدة بمنطقة سيدي عثمان.
وجاء التحول الكبير للوكالة بصدور قرار بناء وحدة تبريد جديدة تستجيب “لمعايير التبريد والطلب المتزايد”، إذ شيدت الوحدة بسيدي عثمان في شطرين، اكتمل إنجاز الشطر الأول في 1988 بسعة 5 الآف طن، وارتفع إلى 10 آلاف طن في نهاية 1992، في حين بلغت التكلفة الإجمالية للمشروع حوالي 120 مليون درهم.
يقول يوسف الرخيص، مستشار جماعي، إن مجلس المدينة لا يستفيد مطلقا من الوكالة، مشيرا إلى أن ما يميزها أكثر “غياب الحكامة في التسيير”، بل الأكثر من ذلك، فإن البقعة الأرضية التي شيدت فوقها لم يتم تحفيظها إلى حد الآن.
عانت الوكالة من مشاكل عديدة، حسب اعتراف المسؤولين عنها، فقد أدى انتقال المجزرة البلدية من الحي المحمدي إلى سيدي عثمان إلى فقدانها أحد أهم زبنائها في تجفيف اللحوم، ما نتج عنه إلغاء عائدات ضخمة تصل إلى 45 % من رقم معاملاتها السنوي، حينها أعلن المسؤولون عن خطة عمل جديدة تهدف إلى تحسين جودة الخدمات، وتحسين الموارد، وإتقان العمليات، وملاءمة النظام التنظيمي. فهل نجحت في خطتها؟
يفند تقرير المجلس الجهوي للحسابات ادعاءات المسؤولين، فالوكالة تفتقد لمخطط إستراتيجي بإمكانه مواجهة الإكراهات، إذ “لاحظ أنها لا تتوفر على مخطط إستراتيجي من شأنه تحديد معالم تطور نشاطها في ظل المتغيرات المحلية والوطنية والإكراهات التي تميز قطاع التبريد”.
كما عرى التقرير واقع الوكالة التي يجهله، حتى المسؤولون عن مجلس المدينة، فهي لا تتوفر على موارد بشرية مؤهلة، وتغيب الكفاءات الأساسية التي تؤهلهم “للانخراط في تنفيذ أهداف تجارية في حال ما إذا تم تسطيرها”.
وبدل أن ينقـــذ المسؤولون الوكالة من الإفلاس سارعوا إلى سياسة تجارية غريبـة جدا، بشراء، مثلا، تمور مستوردة من زبناء الوكالة، وتوزيعها على المستخدمين ومسؤولي الوكالة وبعض الأشخاص الخارجين عن الوكالة، وبلغت هذه المصاريف سنة 2015 ما مجموعه 48300 درهم، إضافة إلى مصاريف الاستقبال، ففي الأربع السنوات الأخيرة (2012 – 2015)، تم صرف ما مجموعه  141475 درهما، أي بمعدل 35368 درهما سنويا، وتتعلق بأداء مقابل وجبات غداء أو عشاء لشخص أو شخصين في مطاعم تارة عادية وتارة فاخرة، لا عالقة لها بالترويج التجاري.
وتمثل سوء تسيير الوكالة في مجال الاستثمار، إذ نهجت برنامجا استثماريا بمبلغ ناهز 38 مليون درهم، وذلك من أجل الزيادة في قدرة التخزين ورفع الطاقة الاستيعابية من 5 آلاف طن إلى 10 آلاف طن، إلا أن تقرير المجلس الجهوي كشف أن هذا الاستثمار لم يكن ضروريا.
وفي الوقت الذي جال عبد العزيز العماري، عمدة المدينة، في جل مرافق المدينة، إلا أنه استثنى وكالة التثليج، ما جعل المستشار نفسه يؤكد أن الوكالة قلعة محصنة يمنع الاقتراب منها، فالعمدة زار سوق الجملة للخضر والفواكه، والمجازر الحضرية، ثم تفادى زيارة وكالة التثليج، رغم أن المسافة بينهما تقدر بأمتار قليلة جدا.
لم يكلف المجلس نفسه الحد من تخبط الوكالة في تسيير عشوائي، فكل مجالات اشتغالها تعاني، بدءا من الإنارة المنعدمة في بعض غرف التبريد وغير كافية في أخرى، نتيجة عدم الصيانة، رغم أن الوكالة تؤكد صرف مبالغ مهمة، إضافة إلى ضعف المراقبة، خاصة ما يتعلق الشركات المكلفة بالصالح والصيانة.
خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق