fbpx
تحقيق

“مقاولتي”… الطريق إلى السجن

 

 

 

 

 

 

 

اختلالات المواكبة والتتبع عصفت بمشاريع 800 مقاول

لطالما كان ملف التشغيل جمرة تتقاذفها الحكومات المتعاقبة، فمعدل البطالة في البلاد ظل يتأرجح لعقود بين 9 % و10، ولم تفلح الإستراتيجية والمؤسسات المختلفة في تحريك بركة العطالة الآسنة، إذ أن أحدث تقارير المندوبية السامية للتخطيط بخصوص حالة سوق الشغل، كشف فقدان الاقتصاد الوطني 37 ألف منصب شغل صاف، واستقرار معدل البطالة عند 9.4 وطنيا خلال السنة الماضية. هذه المعطيات تكرس فشل جميع البرامج الخاصة بإنعاش التشغيل، بغض النظر عن ارتباط الشغل بمكونات ماكرو اقتصادية أخرى، خصوصا برنامج “مقاولتي”، الذي عاد إلى الواجهة أخيرا، بعد صدور 800 مذكرة بحث وطنية في حق حملة مشاريع ضمن هذا البرنامج، حولتهم من مقاولين شباب إلى ملاحقين من قبل العدالة، بعد أن غرقوا في مستنقع الديون.
هذا البرنامج، الذي خصصت له إمكانيات مالية مهمة، قبل إطلاقه الرسمي في 2006، كانت تراهن عليه الدولة، لغاية مواجهة جيوش العاطلين التي تتزايد سنويا، من خلال إحداث 30 ألف مقاولة، لكن هذا الحلم سرعان ما تبخر، لأسباب واختلالات عدة، تعرض إلى بعضها المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، اللذان أعلنا وفاة البرنامج، دون أن تلقى تحذيراتهما آذانا صاغية من قبل الحكومات المتتالية، خصوصا حكومتي عبد الإله بنكيران (2011 و2016)، التي وجدت في المشاريع الاجتماعية سلاحا للتسويق السياسي، إلا أنها تغاضت عن هذا البرنامج- الفضيحة، كما يصفه أعضاء التنسيقية الوطنية لمقاولي “مقاولتي”، الذين يستعدون الشهر المقبل، إلى تنظيم محاكمة صورية للبرنامج الوطني، الذي زج بعدد كبير منهم في السجون.
“الصباح” سبرت أغوار “مقاولتي”، في محاولة للإجابة عن أسئلة السببية بين الغاية والنتيجة في هذا البرنامج الذي كلف الدولة الملايير.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

رحلة البحث في خبايا برنامج “مقاولتي”، تبدأ من تشخيص الوضع الراهن للبرنامج، الذي تم توقيفه بشكل نهائي في فبراير 2015، لتعلن السلطات نهاية كابوس عمر لمدة 11 سنة، ولم يستفق منه بعد عدد كبير من المقاولين، خسروا ممتلكاتهم بسبب إفلاس مقاولاتهم وتعثر مشاريعهم، التي كانت أغلبها هشة، إذ تقاطرت مذكرات البحث والتبليغات بأحكام الحجز على هؤلاء المقاولين خلال الأشهر الماضية، ضمن حملة شرسة للتحصيل، قادتها البنوك المنخرطة في البرنامج، وهو الأمر الذي يعلق عليه أحمد فتح الله، عضو التنسيقية الوطنية لمقاولي “مقاولتي”، باستغراب، في اتصال مع “الصباح”، موضحا أن البنوك كانت سببا مباشرا في فشل أغلب مشاريع “مقاولتي”.
وأكد المقاول الشاب أنه كان يفترض بالبنوك توفير التمويلات اللازمة، التي حددها المرسوم المؤطر للبرنامج في سقف 250 ألف درهم (25 مليون سنتيم)، داخل أجل 90 يوما، لفائدة المشاريع التي مرت بجميع مراحل الدراسة ونالت قبول اللجنة الخاصة بمعاينة وتتبع المشاريع، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق، فعمرت ملفات بعض المقاولين سنــــــوات طويلة على مكــاتب الوكالات البنكية، مشـــــددا على اضطــــراره شخصيا سنة ونصف سنة، بعد المرور على ثلاثة بنوك، لغاية الحصول على قرض، علما أن التمويلات التي تلقاها بعض المحظوظين من حملة مشاريع “مقاولتي” لم تتجاوز في أغلبها 50 ألف درهم (خمسة ملايين سنتيم).
وشدد حسن. ر، أحد ضحايا برنامج “مقاولتي” في آسفي، عن اضطراره في ظل بطء مساطر حصوله على التمويل البنكي اللازم، بعد أن حظي مشروعه بالموافقة من قبل اللجنة الجهوية المكلفة بدراسة وتتبع المشاريع، إلى استدانة مبالغ مالية مهمة من الأصدقاء والأقارب، وبيع بعض ممتلكاته من أجل الانطلاق في تنفيذ مشروعه، الأمر الذي رمى به مع مرور الزمن في مستنقع المديونية، ما أفقده جميع مدخراته بعد فشل مشروعه، فيما لم يتوصل حتى الآن بمبلغ القرض الذي طلب، بسبب عدم توفره على الضمانات المطلوبة وارتفاع هامش المخاطر في المشروع الذي يريد تمويله، يتعلق الأمر بمقاولة لتصنيع الأبواب والنوافذ في هذه الحالة.

“من الخيمة خرج مايل”

كانت الوعـود الوردي تلف برنامج “مقاولتي” منذ 11 سنة، إذ يطمح إلى مساعدة الشباب من حاملي المشاريع، الذين يتراوح حجم استثماراتهم بين 30 ألف درهم و250 ألفا، على إحداث مقاولاتهم الخاصة، من خلال مصاحبتهم قبل وبعد إحداث المقاولة، فيما امتدت الوعود التمويلية في هذا الشأن، إلى ضمان القروض من قبل الدولة في حدود 85 % من قيمــة القرض، وتفويض تدبير الضمانــة الممنوحة من قبــل صنــدوق الضمان المركزي إلى البنوك، إضافــة إلى منح تسبيق بــدون فــوائد أقصاه 10 % من حجم الاستثمار، على ألا يتعدى المبلغ 15 ألف درهم، قابلة للتسديد على مدى ست سنوات، مع إعفاء من الأداء خلال ثلاث سنوات الأولى.
“هذه الوعود ظلت حبرا على ورق”، يؤكد “سفيان. ز”، أحد ضحايا برنامج “مقاولتي” في خريبكة، موضحا أن المواكبة التي حصلوا عليها لم تتجاوز فترة الإعداد للمشروع، إذ يقدم المقاول الشاب فكرة المشروع إلى غرفة التجارة والصناعة الجهوية، التي تستدعيه في حال حظيت فكرته بالقبول لديهم، من أجل الخضوع لتكوين، يستمر في أحسن الأحوال إلى غاية شهر، ويركز بشكل أساسي على تدريب المقاول على عرض فكرة مشروعه أمام اللجنة الجهوية لدراسة وتتبع المشاريع، دون أدنى اهتمام بتحسين قدرات المقاول في تدبير مشروعه، وتمكينه من المعارف اللازمة لإحداث مقاولة والتعامل مع الجوانب المحاسباتية والتدبيرية، ومعالجة مشاكل التسويق والعوائق التي تلاحق السير العادي للمقاولات الناشئة، موضحا أن أسباب فشل البرنامج، يمكن اختزالها في المثل الشعبي القائل، “من الخيمة خرج مايل”.
وبهذا الخصوص، يتحدث “عز الدين طنان”، استشاري في بورصة البيضاء، خبير في التدبير المقاولاتي، في تصريح لـ”الصباح”، أن التدابير التي اعتمدتها الدولة في مصاحبة المقاولين الشباب، شابتها مجموعة من الاختلالات، إذ استندت في هذا الشأن إلى أطر غير مكونة بمجال “الكوتشينغ” المقاولاتي، إلى جانب عدم التزام الموارد البشرية ببرامج المواكبة التي تم تسطيرها من قبل السلطات، والتي تتضمن دراسة السوق، عبر تكوين نظري يستهدف تمكين المتبارين من الأدوات التطبيقية لإنجاز هذه الدراسة، إضافة إلى تحقيق ميداني، يحفز المقاولين الشباب على النزول إلى الميدان لجمع المعلومات حول المشروع، زيادة على تكوين في مبادئ تقنيات القيادة، والمساطر الإدارية والمالية، وكذا تصور مخطط الأعمال، قبل تقديم ملف طلب تمويل المشروع إلى البنك من أجل التمويل.
خلال تقريرهم السنوي خلال 2009، لاحظ قضاة المجلس الأعلى للحسابات، أنه في بعض الشبابيك التي خصصت لاستقبال المشاريع والتفاعل معها ضمن برنامج “مقاولتي”، لم يكن الأشخاص المكلفون بمصاحبة حاملي المشاريع متفرغين لهذه المهمة، كما تبين كذلك أن هناك نقصا في تأطير حاملي المشاريع، خصوصا في مرحلة التمويل، فنسبة المشاريع الموافق عليها من قبل البنوك لم تتعد 29 % من إجمالي عدد المشاريع، التي تمت مصاحبتها من قبل الشبابيك المذكورة، خلال الفترة بين 2006 و2008، مشددين على غياب أي مواكبة بعد إحداث المقاولة.

البنوك… كعب أخيل

أيوب ركيتي، مقاول شاب، يرقد حاليا في مستشفى ابن طفيل في مراكش، بسبب مرض عضال، ألم به بعد خسارة مشروع تأسيس مقاولة متخصصة في مجال المعلوميات، ومعهد للتكوين المستمر في هذا التخصص، في طاطا. تقدم الشاب الذي استنفد محاولاته للحصول على عمل قار، إلى شبابيك الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”، لغاية اقتناص فرصة إحداث مشروعه الخاص، ليتوفق في الحصول على قبول من الوكالة واللجنة المكلفة بدراسة وتتبع المشاريع، ليصل إلى مرحلة “البلوكاج”، كما يسميها ضحايا حملة مشاريع “مقاولتي”، يتعلق الأمر بالحصول على التمويل اللازم من البنوك، التي كانت شريكا أساسيا عند إطلاق البرنامج في 2006، علما أن هذا النوع من القروض مضمون من قبل الدولة بنسبة تصل إلى 85 %. ظل المقاول ينتظر سنة كاملة دون أن يحصل على قرض من قبل البنك.
تحرك أيوب بناء على توجيهات مسؤول بنكي، إلى اكتراء محل يحتضن مشروعه، في انتظار الحصول على القرض، الذي جاء متأخرا، بعد أن راكم المقاول الشاب متأخرات كبيرة، من فواتير الماء والكهرباء والكراء والضرائب، أضيفت إليها الأقساط الشهرية للقرض، التي لم يتردد البنك في المطالبة بها، ورغم إصراره على مواصلة مشروعه والحفاظ على حياة المقاولة طيلة سنتين، إلا أنها سرعان ما قيدت في سجل الوفيات، لتصدر إحدى المحاكم أخيرا، حكما بإخضاع هذا المقاول لمسطرة الإكراه البدني، من أجل استخلاص قيمة الدين الذي في ذمته.
وأقر قضاة جطو بمسؤولية البنوك عن تعثر مشاريع برنامج “مقاولتي”، ذلك أنه رغم وجود ضمانة الدولــة، فرضت المؤسسات الائتمانية على حملة المشاريع المساطر والضمانات نفسها، الموجهــة إلى طالبي القروض العادية، إذ اشترطت رهن الأصل التجاري لحامل المشروع في اسمها، ما يعني ضرورة التوفر على محــل تجــاري مسبقا، مشيــرين إلى أن نسبة تمويل المشاريع المودعة لدى البنوك، لم تتجاوز 21 %، علما أنه قبل وضع أوتوماتيكي لمعالجة ضمانــة الدولة بين صندوق الضمان المركزي وباقي البنوك، كانت مؤسسات التمويل تستغرق زمنا طويلا قبل الإدلاء بقرارها، ما انعكس سلبا على مدة إحداث المقاولة، التي وصلت إلى 290 يوما في المتوسط.
تورطت جمعيات القروض الصغرى “بنوك الفقراء” في الاختـــلالات المالية لبرنامج “مقاولتي”، إذ استفادت من تسبيقات مرتبطة بالأهداف، تقـدر بـ30 %، بالنسبة إلى تلك المرخص لها بفتح شبابيك لفائدة البرنامج، بلغت قيمتها خمسة ملايين و769 ألفا و100 درهم (ما يفوق نصف مليار سنتيم)، تحديدا حوالي 577 مليون سنتيم. وبالنظر إلى ضعف منجزات جمعيات مثل “الأمانة” ومؤسسة التنمية المحلية والشراكة “فونديب” و”زاكورة” خلال الفترة بين 2006 و2007، كان يتعين عليها إرجاع تسبيقات غير مستغلة إلى الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، إذ بلغت قيمتها ثلاثة ملايين و231 ألفا و100 درهم (أي حوالي 323 مليون سنتيم).

محاولة تقويم فاشلة

أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الذي غطى الفترة بين 2006 و2008، على عدم تجاوز عدد المقاولات المحدثة ضمن برنامج “مقاولتي” ألفا و415 مقاولة، من أصل 30 ألفا كانت مستهدفة، أي بمعدل إنجاز لم يتعد 5 %، ونبه قضاة جطو، إلى أن عدد المقاولات التي تم إنشاؤها لا يمثل سوى 4 % من إجمالي عدد حاملي المشاريع المسجلين لدى شبابيك البرنامج المذكور، وكذا 10 % من حاملي المشاريع الذين تم انتقاؤهم من قبل لجنة الفرز، و14 % من حاملي المشاريع الذين تمت مصاحبتهم من قبل هذه الشبابيك.
ومن جهته، لم يكن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أقل حدة، في انتقاد “مقاولتي”، إذ شدد على إقصاء 26 ألف شاب من الاستفادة من مشاريع البرنامج، موضحا أن الاختلالات على مستوى المواكبة والتمويلات عصفت بأغلب المشاريع وقادتها نحو الإفلاس، في الوقت الذي تحركت الحكومة في 2009، تحديدا عبر الوزارة المكلفة بالشؤون العامة والحكامة، لمعالجة الوضع المختل، إلا أنها افتقرت في تدخلها للنجاعة اللازمة، ما زاد من متاعب المقاولين، حسب محسن الجمال، أحد ضحايا البرنامج، الذي اعتبر تدخل الدولة محاولة تقويم فاشلة، إذ فتحت باب الاستفادة في وجه جميع حاملي المشاريع، بغض النظر عن توفرهم على شهادات رسمية، إلى جانب زيادة عدد شبابيك “مقاولتي”، وكذا المستشارين، ذلك أنه تم تكوين 112 مستشارا في هذا الشأن.

الصديقي: إرث من الماضي

اعتبر عبد السلام الصديقي، وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية، أن اختلالات برنامج “مقاولتي” إرث من الماضي، موضحا أن البرنامج انتهى بالنسبة إليه في فبراير 2015، وبالتالي فحملة المشاريع الذين يواجهون مشاكل مع البنوك، هم ضحايا غياب التتبع والمواكبة بعد إحداث المقاولات، موضحا أن أغلب حملة المشاريع لم يكونوا مدركين لمخاطر المقاولات، مؤكدا أن النماذج التي نجحت في هذا الشأن، تقتصر على الأجراء السابقين، الذين يمتلكون الخبرة الكافية لمواجهة المشاكل التي تعترض سبيل المقاولة.
وأكد الصديقي في اتصال مع “الصباح”، أنه منذ 2007، تاريخ الانطلاق الفعلي لبرنامج “مقاولتي”، تم إحداث ستة آلاف و303 مقاولات، منها ألف و914 مقاولة، استفادت من تمويلات بنكية، فيما اعتمدت المقاولات الباقية (أربعة آلاف و389 مقاولة) على تمويلات شخصية، موضحا أن عدد المقاولين الذين يعرفون صعوبات في الأداء غير معروف لدى الوزارة، معترفا بلقائه عدة مرات ببعض حملة مشاريع البرنامج، إلا أن “بلوغ حل لمشاكلهم، يفترض تدخل مجموعة من المصالح، وليس بيد وزارة التشغيل وحدها”، حسب تعبيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى