fbpx
ربورتاج

التبلاح … “مرا سمينة كلمتها متينة”

صحراويات يفضلن اكتساب كيلوغرامات زائدة تساعدهن على طرد العنوسة

يعتبر فقدان الكيلوغرامات الزائدة، الهاجس الأكبر لفتيات اليوم. إذ يسعى أغلبهن جاهدات لاتباع حميات قاسية وممارسة الرياضة بشكل يومي، خوفا من السمنة. لكن الأمر يختلف تماما بالمناطق الجنوبية، حيث تعتبر السمنة والبدانة قيمة جمالية مضافة للمرأة الصحراوية، أما المرأة النحيفة. فلا مكانة لها بينهن. “الصباح” رصدت الظاهرة، فكان “الربورتاج” التالي:

إنجاز: سكينة لبطيحة (صحافية متدربة)

تعتبر السمنة من معيقات الجمال في كثير من البلدان العربية والأجنبية، لأنها تؤثر على المظهر الخارجي للفتاة وتحول دون تمتعها بقوام رشيق لافت وجذاب. لذلك تسعى الفتيات باحثات عن شتى الطرق التي تضمن لهن جسما متوازنا خاليا من المواد الدهنية، التي تخلف بدورها كيلوغرامات زائدة. باستثناء الفتاة الصحراوية التي تتجنب كل هذه الأمور، لأن التحدي بالنسبة إليها يتمحور بالأساس حول كيفية اكتسابها “لحما” إضافيا، لا فقدانه، على اعتبار أن الفتاة السمينة بالجنوب، رمز للجمال و الكرم.

“لمرا الرقيقة لا يجي لعجاج ويطيرها”
إنه المثل الذي يلاحق الفتاة النحيفة في المجتمع الصحراوي، والتي تعتبر “عارا” على العائلة ودلالة على بخلها وفقرها، كما تحظى بفرص أقل للزواج إن لم تكن فرصها منعدمة أصلا. أما إن كانت متزوجة، فهي لا تعتبر ذات أهمية بالنسبة إلى المجتمع، وتبقى بمثابة امرأة عادية متجردة من أي قيمة أو مكانة، عكس المرأة السمينة، المحببة للعائلة، إذ تعتبر سمنتها دليلا على كرم الأهل وثرائهم. وقد أضحت السمنة قناعة داخلية لدى العديد من الصحراويات اللواتي أصبحن يفضلن الجسد الممتلئ الذي يجلب لهن الحظ أكثر في الحصول على زوج غني. إذ يكون إقبال العرسان الباحثين عن زوجات، غالبا على البيوت التي تتوفر على فتيات ذوات كتل ضخمة من “الشحم واللحم”، ويعتبرن مفخرة لأهلهن، فكلما اكتسبن كيلوغرامات زائدة كلما اكتسبن احتراما وتقديرا أكثر.
أحمد سالك، البالغ من العمر 26 سنة، يقول، في دردشة مع “الصباح، عن سبب ميول الرجل الصحراوي للمرأة السمينة “لمرا بالنسبة إلي خاصها تكون مالية لباسها”. أما غلانة منات، البالغة من العمر 21 سنة، فتقول “التركة الصحراويين ما يختيروا المرأة الرقيقة بها منين تلبس الملحفة تعود كيف عود معدلة عليه خويمة”، (المرأة النحيفة غير مرغوب فيها وحين ترتدي اللباس الصحراوي تصبح مثل عود يرتدي خيمة) وهذه التصريحات إن دلت على شيء، فهي تدل على مدى التقليل من المرأة النحيفة مهما امتلكت من ملامح جذابة وجميلة.
نسبة ضئيلة جدا تفضل المرأة النحيفة، من بينها سعد بوه، البالغ من العمر 24 سنة، والذي صرح ل”الصباح” قائلا “أنا نختير المرأة الرقيقة. الملانات عادو يمرضو بالسكر والطونسيون”، بينما أضافت تفاح، البالغة من العمر 27 سنة، “راني سمينة ما شاء الله. يا غير مزال ما اتعرست داك لا مكاتيب مولانا”. (رغم أنها سمينة لم يكتب لها الزواج بعد).
ويبقى الميول للفتاة الصحرواية السمينة موروثا صحراويا متجذرا في أعماق الثقافة الصحراوية، غير أن السؤال المطروح هو كيف تكتسب النساء الصحراويات كيلوغرامات زائدة بغية تخليصهن من كابوس العنوسة؟

البحث عن جسد سمين
يعتبر “التبلاح” من الطرق الشائعة بالجنوب الصحراوي. والمقصود بها عملية التسمين، والتي تتم عبر مجموعة من المراحل. تنبني أولاها بالأساس على الجانب النفسي، إذ تقوم النساء بإقناع بناتهن بالخضوع لعملية “التبلاح”، خوفا من العنوسة، ويتم هذا الإقناع بمختلف الطرق سواء بالكلام “الرطب” أو أحيانا باللجوء إلى طرق قاسية مثل الضرب والإكراه. أما المرحلة الثانية فتتمثل في عملية “الحقين”، إذ تتوجه النساء رفقة بناتهن نحو شاطئ البحر في الصباح الباكر، ويقمن بنصب خيم والجلوس فيها أزيد من شهرين من أجل تحصيل نتائج مرضية، ثم يأخذن  قنينات ضخمة موصولة بأنبوب رقيق، يملأن هذه القنينات بماء البحر بعد تدفئته ثم يدخلن الأنبوب في مؤخرة الفتاة من أجل تنقية أمعائها استعدادا لعملية “التبلاح”.
بعد هذه المرحلة، تأتي المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الأعشاب. تقول أبركهم، البالغة من العمر 50 سنة، مفسرة في حديث ل”الصباح”: “منين نحكنوا (نحقن) الطفلة وتعود واجدة كانها تبلح، نعدلو لها ياسر من العشوب كيف الدجيريا (خلطة أعشاب) نعدلوا فيها العلك، الورد، العنب الجاف أو الزبيب، الخزامة، التمر، حب الرشاد، الحبة السوداء، ونعطوه لطفلة توكلوا، إضافة إلى الليك التي تحتوي على شدك الجمل ووذينة الحلوف والريحان والحلحال وذنبالة هندية وتريلة وكوزة صحراوية والسيكران تارة وزريعة الكتان والتمر والخزامة والثومة الحمراء والسالمية وزيت الزيتون. تطحن هذه الأعشاب ويتم مزجها مع زيت الزيتون وتصنع منه كويرات صغيرة كما يقومون بصنع العجنة، وهي عبارة عن الكرتة واللوز والصوجا والشوكلاطة والتمر وعسل النحل والدغموس وسمن الماعز والحبة السوداء وحب الرشاد وإيلان والكوزة وزنجلان وحبة حلاوة والنافع وزريعة الكتان والكركاع والحلبة”.
بعدها يتم إرغام الفتاة على تناول أكبر قدر ممكن من لحم الإبل والشواء، ويمنع عليها منعا كليا تناول الخبز والمعجنات، كما يمنع عليها القيام بأي حركة من شأنها أن تتعبها. يتوجب عليها الأكل والنوم فقط، والاهتمام ببشرتها وشعرها، إلى أن تكلل عملية التسمين أو “التبلاح” بنجاح.

ألم ومعاناة
تصاحب عملية “التبلاح” آلاما حادة، خصوصا في مرحلة “الحقين”. فبعد ضخ مياه البحر داخل أمعاء الفتاة، تحس هذه الأخيرة بآلام شديدة تنخر بطنها، كما جاء في تصريح كجمولة، البالغة من العمر 60 سنة، والتي قالت في حديث إلى “الصباح”: “يا لالك يانا منين كنت صغيرة واتبلحت والله لا خرست الويل وشين السعد دشي يوجع كبالا شكال كاع” (تعني أنها ذاقت الويل من عملية “التبلاح”)، وأضافت مينة “أنا دريك عندي ثلاث طفلات، ياغير مانا لله ماني مبلحتهم داك لا الوجع وتوف”، (تقول إنها لن تخضع بناتها ل”التبلاح” بسبب الآلام التي يتسبب بها).
وإضافة إلى الألم، تعاني الفتيات الصحروايات الخاضعات للعملية، قسوة النساء اللواتي يكلفن ب”تبليحهن”، إذ يقمن بربط أصابعهن أحيانا بعيدان صغيرة مثقبة وحادة يتم الضغط عليها في حال عدم إتمام الفتاة أكلها، وإن اكتفت، فالصحن المملوء مرفوض.

بداية النهاية

رغم انفتاح الشباب الصحراوي على مجموعة من الثقافات الأجنبية، إلا أن معظمه مازال متشبثا بالعادات والتقاليد الصحراوية القديمة، منها حرص الشاب الصحراوي على الزواج بفتاة سمينة وإيمانه بالمثل الحساني الذي يقول: “مرا سمينة وكلمتها متينة”. إلا أن هذه النظرة بدأت منذ مدة في التقلص، حسب ما أكده الباحث ابراهيم الحسين، الذي تحدث إلى “الصباح” قائلا: “لم تعد عادة التسمين جارية في الصحراء، بحكم ظروف التمدن التي شهدها المجتمع الصحراوي، فقد تخلى عن مجموعة من العادات القديمة منها عملية التبلاح، وأصبحت الفتاة الصحراوية تمارس الرياضة خوفا من السمنة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق