fbpx
تحقيق

60 مخالفة غير مقننة تسلط على السائقين

تنسب إلى رموز ليست لها وارتجال في الزجر بسبب إغفال مدونة السير ودليل المراقبة الطرقية تقنينها

قف الشرطة. كلمة لا يحلو وقعها على مسامع السائق، فهي تحيل الأذهان مباشرة على مخالفة وغرامة مالية، تتطور في أحيان عديدة إلى توقيف المركبة أو إيداعها بالمحجز. لا مجال للسجال أو الجدل فالمخالفة ثابتة، بمجرد المعاينة المباشرة، أو في أحسن الأحوال بواسطة آلات متطورة لقياس السرعة وقوة الإنارة ومستوى انبعاث الغازات من مختلف المركبات. يحتد الجدل غالبا بين مستعمل الطريق وعنصر المراقبة الطرقية، حول ظروف حدوث المخالفة وتوقيتها وارتباطها بأسباب “لا إرادية”. نقاش يبلغ ذروته في المكان عينه، ويصل في بعض الحالات إلى ردهات المحاكم، التي تغص بشكاوى تطعن في قانونية المخالفات وتصرفات بعض محرري المحاضر.

إنجاز: بدر الدين عتيقي – تصوير: أحمد جرفي

بداية السنة الجديدة أظهرت تحولا في العلاقة بين السائق وعنصر ضبط المرور. مقاطع فيديو أرخت لحالات شاذة من الارتشاء والإرشاء، أشعلت شرارة حرب بين الطرفين، واتشحت بغطاء الصرامة في تنفيذ وتفعيل القانون، بل وأخرجت الآلة التشريعية من سباتها في هذا الشأن، من خلال مشروع قانون أعدته وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك، يعالج إشكاليات الزجر والأداء، وكذا سحب رخص السياقة.

لا غرامة إلا برمز

لا تهاون في زجر المخالفين، شعار المرحلة الحالية، لتتناسل دوريات المديرية العامة للأمن الوطني، الداعية إلى تخليق الممارسة المهنية وإعمال النصوص القانونية الواردة في دليل المراقبة الطرقية، الذي يعتبر كتيبا تنفيذيا لمضامين القانون رقم 05- 52، المتعلق بمدونة السير. هذا الكتاب الخاص حصريا بالأعوان محرري المحاضر، حصلت “الصباح” عليه، يحمل بين طياته شروط وإجراءات المراقبة الطرقية التي يتعين على الأعوان محرري المحاضر الامتثال لها، وكذا سلسلة من المخالفات المرورية مقرونة بعقوبات ورموز معقدة، تحيل على نوعية المخالفة وقيمة الغرامة خلال عمليات الأداء في شبابيك الخزينة العامة للمملكة المختلفة. كل مخالفة مرتبطة برمز يتركب من رقم المادة من قانون مدونة السير، ورقم الفقرة “مكون من رقمين”، وكذا رقم الترتيب ودرجة المخالفة.

وبهذا الخصوص، فالرموز التي تبدأ بـ”C 1″، تحيل مباشرة على مخالفة مرورية من الدرجة الأولى، قيمة غرامتها 700 درهم، فيما تشير “C 2” في الرمز إلى مخالفة مرورية من الدرجة الثانية تبلغ قيمتها 500 درهم، بينما يؤكد “C 3” مخالفة من الدرجة الثالثة، تستوجب غرامة في حدود 300 درهم، علما أن “C 4” يؤشر على مخالفة من الدرجة الرابعة، تهم الراجلين خصوصا، ولا تتجاوز قيمة غرامتها 25 درهما. وتعتبر هذه الرموز ضرورية لتعليل المخالفة وقيمة الغرامة المستحقة لدى مصالح التحصيل، إذ ترتبط كل مخالفة برمز معين، بمعنى لا وجود لمخالفة دون رمز يعرف بها وعقوبتها، وبالتالي فكل مخالفة دون رمز يستدل عليها به، لا تستوجب بالضرورة أداء غرامة أو تنفيذ عقوبة عنها، وفق كتيب دليل المراقبة الطرقية الذي يعتمد عليه الأعوان محررو محاضر المخالفات كل يوم في عملهم.

تتنوع قصص السائقين ومستعملي الطريق مع عناصر ضبط حركة المرور والسير والجولان، ويتمازج فيها الذاتي بالموضوعي، إلا أن الثابت يظل أداء الغرامة، لكن ليس دائما نظير مخالفة “مقننة”، واردة في مدونة السير ودليل المراقبة الطرقية، إذ يتم تغريم السائقين في أحيان عديدة على مخالفات “غير مقننة”، أي لم ترد في الإطار التشريعي والتنظيمي المذكور. عكفت “الصباح” على سبر أغوار هذا الخلل القانوني والتنظيمي في ضبط حركة المرور وزجر المخالفين، وبحثت في جوانب النقص فيه، لتخلص إلى وجود حوالي 60 مخالفة “غير مقننة” يؤدي السائقون غرامات عن بعضها، برموز خاصة بمخالفات أخرى يوميا.

استحالة استبيان الرصيد

إثبات هذه الممارسات غير ممكن بالاعتماد على روايات مستعملي الطريق، التي تكون في أغلب الأحيان مطبوعة بالذاتية، ليظل الحل الوحيد اعتماد التجربة الشخصية وسيلة للتعرف عن قرب على مسطرة زجر المخالفات المرورية، وهنا عمدنا إلى عدم التوقف، عن قصد، في إشارة الضوء الأحمر، التي تفترض الوقوف الإجباري، عند تقاطع شارعي عبد المومن ومولاي إدريس الأول ليتم تعقبنا من قبل دراج شرطة المرور. تجاهلنا أضواء الدراجة النارية الكبيرة وهدير محركها، لنسلك زنقة أبو العلاء زهر بسرعة كبيرة تجاوزت 60 كيلومترا في الساعة، قبل أن ننعطف يمينا إلى أحد الأزقة الفرعية المؤدية لكلية طب الأسنان، حين باغتنا الشرطي وهو يشير إلينا بالتوقف إلى يمين الطريق. ترجل الشرطي عن دراجته وتقدم نحونا، ألقى علينا التحية الرسمية، دون التعريف بنفسه، حسب الصيغة المضمنة في دليل المراقبة الطرقية، “هيأة الانتماء، المراقبة الطرقية”.

وجه إلينا الشرطي أمرا بالإدلاء بوثائق المركبة والسائق، دون أي إشارة من لدنه إلى السرعة المفرطة التي كنا نسير بها، أو تجاهلنا لدراجة الشرطة التي كانت تتعقبنا. بهدوء تام تسلم الوثائق وشرع يتفحصها بدقة. ترجلنا عن السيارة وتوجهنا إليه دون إذن منه، في خرق واضح لتقنيات اعتراض مركبة المنصوص عليها في دليل المراقبة الطرقية، إذ يتعين على العون محرر المحضر عدم السماح للسائق بالنزول من المركبة إلا بإذن منه. بادر الشرطي بعرض قيمة الغرامة، وسؤالنا عن كيفية الأداء. “هل ستؤدون فورا أم في الخزينة العامة للمملكة ؟”. لم نتردد في قبول الأداء الفوري، إلا أنه أبدى امتعاضه لما علم بعدم توفرنا على مبلغ الغرامة 700 درهم في المكان عينه، إذ طلبناه بإمهالنا فرصة استخلاصه من أحد الشبابيك البنكية. تردد في البداية قبل أن يستجيب لطلبنا. سارعنا إلى إحضار المبلغ الذي تسلمه بسرعة وشرع في تحرير محضر المخالفة، إلا أن العملية التي كان يفترض أن لا تستغرق عشر دقائق في أسوأ الأحوال امتدت إلى عشرين دقيقة، إذ أخذ الشرطي راديو التراسل الصوتي “طالكي والكي”، وانزوى جانبا يحادث المقر الأمني الرئيسي.

طلاسم محاضر المخالفات

معظم السائقين يجهلون كيف يتم تحرير محضر مخالفة مثلا، وما الذي يضمنه من حقوق لفائدة السائق، إذ يتعين على عنصر ضبط المرور تدوين تصريحات مرتكب المخالفة في المحضر، ومطالبته بالتوقيع عليها، وفي حال تم التشطيب على بعض الكلمات أو الإحالات، يطلب منه أيضا المصادقة عليها، علما أن العون محرر المحضر يفترض فيه أثناء عملية التحرير، الكتابة بخط واضح وتجنب المفردات المختصرة، وكذا تجنب إبداء رأيه أو وجهة نظره أو أي حكم تقييمي في محضر المخالفة. هذه الشروط التقنية في تحرير المحضر لا يتم الالتزام بها دائما من قبل المكلفين بضبط السير والجولان، الذين لا يطلبون وجهة نظر السائق مرتكب المخالفة، علما أن مطبوع المحضر ذاته، لا يتوفر على خانة مخصصة لهذا الغرض.

وفي ما يتعلق بتحرير محاضر المخالفات المرورية، نجد أن مطبوع المحضر مذيل بـ”اسم وصفة وإمضاء محرر أو محرري المحضر”، وهو ما يحيل على إشكالية تهم ضبط المخالفة، ذلك أن من يقوم بضبط خرق لقواعد السير، ليس بالضرورة من يحرر محضر المخالفة ويوقعه، إذ يلجأ العنصر الأمني إلى الاستعانة بعنصر آخر، مكلف بالمراقبة ومعتمد من طرف إدارته طبقا للقوانين الجاري بها العمل، من أجل الإمضاء المشترك على المحضر، في الوقت الذي يفترض أن يتم تحرير وتوقيع المخالفة من قبل العنصر نفسه الذي عاينها.

ارتجال في تنفيذ القانون
بسرعة كبيرة، شرع الشرطي في استظهار أرقام رخص السياقة والبطاقة الرمادية للمركبة عبر الجهاز. استبد بنا الفضول لسؤاله عن سبب التأخير، إلا أنه رد بانتظاره جوابا من المقر الأمني الرئيسي حول إمكانية ارتكابنا مخالفات مرورية أخرى، لم يتم سداد غرامات عنها. مرت الدقائق ببطء قبل أن ينضم إلينا عنصر أمني آخر، من دراجي ضبط المرور.  استغربنا الأمر حين وقع هذا العنصر على محضر المخالفة رفقة زميله، الذي عاين الخرق الذي غرمنا من أجله، لأنه صادق على مخالفة لم يعاينها. خيم الصمت على الموقف لفترة قصيرة، قبل أن ينفجر صوت من الجهاز التراسل الصوتي، مؤكدا أن صاحب رخصة السياقة لا غبار عليه أو “كلير”، حسب الصيغة المستخدمة، ليتم تسليمنا الوثائق بسرعة دون أدنى تأخير. استوقفنا أحد الشرطيين بسؤال حول التدابير المتخذة في حقنا إذا كان رصيدنا من النقط استنفد قبل ارتكاب هذه المخالفة المرورية، وكيفية تأكده من ذلك، رد ببساطة كنتم ستقيدون بالأصفاد وتقتادون إلى المخفر، علما أن المخالفة المشار إليها تفترض إلى جانب الغرامة المالية خصم أربع نقط.

في اتصال هاتفي بمصدر مطلع على ملف الاختلالات في منظومة زجر المخالفات المرورية، تمكنا من معرفة مجموعة من السلوكات التي تخللت عملية تحرير محضر المخالفة، إذ فسر عدم استفسارنا من قبل الشرطي حول تجاهلنا للدراجة التي تعقبتنا والسرعة المفرطة التي كنا نسير بها، بشكوك جنائية مثل أن تكون المركبة أو سائقها موضوع مذكرة بحث من قبل المصالح الأمنية، مستبعدا إمكانية التحري حول المخالفات المرورية، واستحالة التأكد من رصيد النقط لدى سائق المركبة، وهو الأمر الذي يجعل مرتكب المخالفات والحوادث، حتى تلك التي يترتب عنها خسائر بشرية، في مأمن من عقوبات تتعلق بقانونية رخصة سياقته، إذ يفترض نفاد رصيد النقط نهاية صلاحية الرخصة، وإعادة التكوين في السياقة من جديد، بمقتضى نصوص مدونة السير.

هذا الموقف يظهر جانبا من الارتجال في تنفيذ القانون وزجر المخالفات المرورية، لكن الأهم يظل العدد الكبير للمخالفات التي لم تتطرق إليها مدونة السير أو دليل المراقبة الطرقية، رغم تأطير بعضها بقرارات أو إشارات تنظيمية، تصدر بين الفينة والأخرى عن  المديرية العامة للأمن الوطني وعن جهات أخرى، بل حتى مسودة مشروع القانون الجديد، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 05-52، المتعلق بمدونة السير، لم تتطرق بالتقنين لهذه المخالفات، التي ما فتئت تساهم  بالنصيب الأكبر في إجمالي حوادث السير، التي مازالت مرتفعة في المغرب مقارنة بدول أخرى.

الرسوم على صفائح التسجيل ليست مخالفة

تتعزز لائحة المخالفات بعدم احترام التقيد بالضوابط القانونية الخاصة بصفائح التسجيل، مع تحديد نوعية المخالفة، من خلال عدم إنارة الصفيحة الخلفية، والصفائح غير المقروءة، ناهيك عن لون الأرضية والحروف غير نظامي، وكذا مكان تثبيت الصفيحة غير نظامي، ومقاسات الصفيحة غير نظامية، إضافة إلى إدراج رمز أو رسم في الصفيحة، وهي المخالفة التي يتم توقيف مجموعة من المركبات بسببها دون أن تكون “مقننة” في مدونة السير أو دليل المراقبة الطرقية.

بقاء السائق داخل السيارة المتوقفة
تتعزز لائحة المخالفات الخاصة بالمركبة، بعدم التوفر على المرآة العاكسة الداخلية، إلى جانب مخالفات تهم عرقلة السير، مثل الوقوف في الوضعية الثانية أو الثالثة مع حضور السائق، والسير ببطء في طريق تعرف كثافة السير، وكذا التوقف المفاجئ والمتكرر، وإركاب الركاب داخل المدارة، في الوقت الذي لم يشر دليل المراقبة الطرقية إلى مخالفة الرجوع إلى الخلف المطول داخل المجال الحضري، وإن تطرق إلى المخالفة نفسها في الطريق السيار، ناهيك عن مخالفة عدم الالتزام بالتقييدات المشار إليها برخصة السياقة، وإلصاق لوحة الإشهار بالمركبة دون ترخيص.

الزجاج الحاجب للرؤية غير مخالف للقانون

من المخالفات “غير المقننة” أيضا، نجد المخالفات المرتبطة بعدم التوفر على العجلة الاحتياطية، والوقوف في مكان ممنوع، إلى جانب مخالفة تهم المركبة التي تحمل زجاجا حاجبا للرؤية، وأخرى تهم المركبات الحاملة لرقم التسجيل “WW” أو الخاصة بالكراء، فاستعمال مركبة تحمل هذا الرقم بطريقة غير قانونية أو بوصل انتهت مدة صلاحيته يعتبر مخالفة، إلى جانب سياقة مركبة مؤجرة دون التوفر على رخصة المرور أو عقد الكراء، أو حيازة عقد كراء انتهت صلاحيته، إضافة إلى كراء المركبات التي تحمل الترقيم المشار إليه.

التوقف فوق الرصيف غير مقنن

هناك مخالفات لم يتم التطرق إليها في مدونة السير ودليل المراقبة الطرقية، مثل مخالفتي التوقف فوق الرصيف، وعدم علامة تحديد السرعة (90)، بالنسبة إلى السائق المتوفر على رخصة السياقة المؤقتة، إضافة إلى عدم استعمال المدارة، واستعمال المنبه الصوتي في الليل أو قرب الأماكن التي تستوجب الاحترام، مثل المدارس والمستشفيات، ناهيك عن تغيير الاتجاه دون استعمال الإشارة الضوئية، وهي المخالفة التي غالبا ما تتسبب في مجموعة من الحوادث، وتظل نقطة خلاف في المحاضر التصالحية الودية، فيما يعتبر استعمال أضواء الطريق عند التقابل ليلا مخالفة، لم يتم التنصيص عليها في القانون.

مرافق سائق الدراجة غير ملزم بالخوذة

لم تقنن مدونة السير أو دليل المراقبة الطرقية مخالفة دراجة نارية يفوق محركها ما هو مدون ببطاقة التسجيل، وكذا استعمال الخوذة بالنسبة إلى مرافق سائق الدراجة، وانعدام الإنارة في الدراجات بصنفيها، ناهيك عن تجاوز عدد الركاب المسموح به، إذ لم يحدد القانون هذا العدد، إضافة إلى السير في كوكبة، والسير فوق الرصيف الخاص بالراجلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى