fbpx
حوار

الرشوة أفقدت المواطنين الثقة في الدولة

أبودرار رئيس الهيأة الوطنية لمحاربة الرشوة قال إن العقليات طبَّعت مع الفساد وحولته إلى أعراف اجتماعية

عبد السلام أبو درار
عبد السلام أبو درار

أوضح عبد السلام أبو درار، رئيس الهيأة الوطنية لمحاربة الرشوة، أن الرشوة أفقدت المواطنين الثقة في الدولة، مقرا بوجود مظاهر الفساد واستمرارها في كل القطاعات، على اعتبار أن «الواقع لا  يرتفع»، وأن كل الإجراءات المتخذة مهما كانت قوتها الردعية تحتاج إلى تغيير العقليات التي طبَّعت مع الفساد على مدى عشرات السنين وحولت بعض مظاهره إلى نوع من الأعراف
الاجتماعية،  وهذا التغيير يلزمه بالفعل بعض الوقت،  لذلك فالهيأة نراهن على النقاش المجتمعي الذي تغذيه مكونات المجتمع المختلفة
من الإعلام والمجتمع المدني.  في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار:  ياسين قُطيب

 كيف يمكن تفسير الممانعة التي تظهرها آفة الرشوة بالمغرب، وذلك على رغم الجهود المبذولة؟
< ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الشأن هو أن مكافحة الفساد عمل يلزمه وقتٌ معقول ليعطي نتائجه، هذا أولا. ثانيا هذه النتائج لن يكون بالإمكان تقييمها دون وجود إطار مرجعي يتمثل في إستراتيجية واضحة.
ودون استحضار هذين المعطيين، لا يمكن الحديث عن ممانعة أو عن إحراز تقدم في هذا المجال، ليبقى الباب مفتوحا أمام كل الاستنتاجات والتعليقات، كلٌّ من زاوية نظره إلى الأمور.
والأكيد أن هناك الكثير من العمل تم القيام به على المستويين التشريعي والمؤسسي، وهناك تسارع في عمل أجهزة التفتيش والمراقبة وانتظام في صدور تقاريرها، وهناك ملفات تحال على القضاء وأخرى يحال أصحابها على الأجهزة المكلفة بالتأديب في الإدارات المختلفة، وأهم من ذلك هناك نقاش مجتمعي مفتوح حول ظاهرة الفساد وبات الجميع مقتنعا بضرورة تعزيز هذه الدينامية التي بدأت منذ بداية الألفية وأعطاها دستور يوليوز 2011 دفعة قوية جدا. في مقابل هذا، لا يمكن إنكار وجود بعض مظاهر الفساد واستمرارها في كل القطاعات، لأن الواقع لا يرتفع، ذلك أن كل الإجراءات المتخذة مهما كانت قوتها الردعية تحتاج إلى تغيير العقليات التي طبَّعت مع الفساد على مدى عشرات السنين وحولت بعض مظاهره إلى نوع من الأعراف الاجتماعية، وهذا التغيير يلزمه بالفعل بعض الوقت، وهنا نراهن على النقاش المجتمعي الذي أشرت إليه والذي تغذيه مكونات المجتمع المختلفة من الإعلام والمجتمع المدني والهيأة المركزية للوقاية من الرشوة والمواطنين وباقي الأطراف المعنية.
 ألم يحن الوقت للمرور إلى السرعة القصوى في الحرب على الفساد بالنظر إلى اتساع دائرته؟
 إذا تأملنا حصيلة ما قام به المغرب من إجراءات خلال خمسة عشر  عاما الأخيرة سننتهي إلى أن التقييم الإيجابي للمغرب من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية بمكافحة الفساد والحكامة الجيدة وتطوير الممارسة الديموقراطية ومناخ الأعمال ليس فقط نوعا من المجاملة، لأن ذلك يتم في إطار المقارنة مع دول أخرى سواء في المنطقة أو غيرها.
إن ما قام به المغرب خلال هذه الفترة الزمنية تطلب من دول أخرى سنوات أطول، وللإشارة فعندما يتم استحضار تجارب كتجربة هونغ كونغ مثلا باعتبارها ناجحة نستحضر أيضا أنها بدأت في سنوات السبعينات من القرن الماضي، وهي مستمرة، لأن الحرب على الفساد لا ينبغي لها أن تتوقف. وبالتالي، أعتقد أن الأشواط التي قطعتها بلادنا حتى الآن في غاية الأهمية، فهي تشكل الأساس للعمل المستقبلي،في مجال مكافحة الفساد، بما في ذلك الاستراتيجية الوطنية الموجودة في المراحل الأخيرة من إعدادها. دون هذا الأساس الذي تم بناؤه خلال هذه السنوات وساهمت فيه الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة بشكل مؤثر لن تكون هناك إمكانية لتحقيق نتائج جيدة.

تأخر القانون المنظم للهيأة
ما زالت الهيأة الوطنية لمحاربة الرشوة تعيش بين دستورين، إلى أي حد يمكن أن يقلل ذلك من فعاليتها؟
 هناك تأخر في إصدار القانون المنظم للهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها كما وردت في دستور فاتح يوليوز 2011. وهو الآن في مرحلة متقدمة من النقاش داخل البرلمان ونتوقع المصادقة عليه خلال الفصل الأول من السنة الجارية.
في هذا الشأن، ودون التذكير بالمراحل التي قطعتها الهيأة المركزية لإعداد مسودة مشروع قانون، كان لنا عدد من الملاحظات الجوهرية على المشروع الذي عرضته الحكومة على البرلمان نأمل أن يتم أخذها في الاعتبار. ويمكن إجمال هذه الملاحظات في ضرورة توسيع تعريف الفساد ليشمل الأفعال المنصوص عليها في المادة 36 من الدستور، والتأكيد على الصلاحيات الجديدة في التحري والتصدي التلقائي، ثم عدم تقييد التبيلغ عن الفساد بشكل يتعارض حتى مع مقتضيات القانون المتعلق بحماية الشهود الموجود حيز التطبيق في هذا المجال، وأيضا ضرورة الإبقاء على البعد المجتمعي في تركيبة الجمع العام، بالإضافة إلى ملاحظات أخرى.
ومن شأن صدور هذا القانون تمكين الهيأة من نقلة نوعية تضمن فعاليتها ونجاعتها بشكل أفضل، علما أن الهيأة المركزية في صيغتها الحالية عملت على بناء الأسس اللازمة للعمل في مجال مكافحة الفساد من خلال توصياتها من جهة ومن خلال المقترحات والأرضيات القانونية التي قدمتها وأيضا من خلال مساهمتها الوازنة والمؤثرة في عدد من اللجان والأوراش التي انفتحت من أجل التنزيل التشاركي لدستور 2011.

خارطة المخاطر

 ألا تعتقدون بأن المسألة أكبر من كل الآليات المتاحة، على اعتبار أن الفساد تكرسه العلاقة المتأزمة بين المغاربة والإدارة ؟
 هناك حقيقة مؤكدة هي أن الفساد يُفقد المواطن الثقةَ في مؤسسات الدولة بشكل عام وفي الإدارة بشكل خاص لأنها هي المخاطب اليومي عندما يتعلق الأمر بالخدمات العمومية. في مقابل هذه الحقيقة هناك حاجة ملحة إلى استعادة الإدارة لهذه الثقة وإعادة بنائها، وهو الهدف الذي نسعى إليه جميعا، من خلال الكثير من المقترحات التي قدمناها في هذا الشأن منذ التقرير الأول للهيأة برسم سنة 2009، سواء تعلق الأمر بتنظيم الاستقبال أو تبسيط المساطر أو بإتاحة المعلومة، وأيضا من خلال استجابة الحكومة لبعض تلك المقترحات، وكذلك من خلال قيام بعض القطاعات بفتح أبوابها للهيأة لإنجاز دراسات أو الانخراط معها في اتفاقيات للشراكة الهدف منها تحديد خارطة للمخاطر وتحديد الأولويات.
الخلاصة هي أن تأزم علاقة المواطن بالإدارة هو نتيجة لتراكم بعض الممارسات والسلوكات، ولطابع العمل البيروقراطي الذي ساد الإدارة المغربية خلال عقود عدة، وأعتقد أن الجميع بات على قناعة بأن هذا ينبغي أن يتغير، وأن هناك بوادر بالفعل لهذا التغيير قد انطلقت خلال السنوات الأخيرة. هناك عمل كبير ينتظرنا في هذا المجال لكن أشواطا هامة قد قُطعتْ.

التبليغ لمحاربة الفساد

 ما هي النقط السوداء في علاقة المواطن بالإدارة في تقييمكم ؟
 أعتقد أنه إذا كان المواطن على علم بالمساطر الإدارية للحصول على الخدمات العمومية، سواء تعلق الأمر بالوثائق أو بالمصاريف أو بالآجال المطلوبة للحصول على هذه الخدمات، فإن جزءا كبيرا من المشاكل الموجودة سيجد طريقه إلى الحل.
يضاف إلى ذلك، أن توفير موظفين مؤهلين، في مختلف مفاصل الإدارة، وفق معايير الاستحقاق والكفاءة، مع الحوافز اللازمة للرفع من المردودية سيحل الجزء الآخر من هذه المشاكل، مع التأكيد على أن هذه الحوافز قد تكون مادية كما قد تكون تكوينا مستمرا يفتح الآفاق للترقي والتدرج في المسؤولية.
هذا الاهتمام بالمساطر والعنصر البشري لابد أن يرافقه تجويد البنيات التحتية والفضاءات الإدارية وتحديث آليات الاشتغال بما في ذلك التوجه أكثر فأكثر نحو الإدارة الإلكترونية لتقليص احتكاك المرتفقين بالعاملين في مختلف الإدارات.
 هناك من يقول بأن المواطنين يساهمون في تكريس جفاء الإدارة في التعامل معهم هل تتفقون مع هذا الرأي ؟
< في الهيأة المركزية للوقاية من الرشوة قناعة مشتركة تشكلت منذ الدورات الأولى للجمع العام، وهي أن التراشق بالمسؤوليات وإلقاء الاتهامات في هذا الاتجاه أو ذاك لن يقلل من الفساد. وقلنا بدلا من ذلك إن على جميع المعنيين تحمل مسؤولياتهم في العثور على الحلول، وذلك في إطار مقاربة تشاركية وشمولية يعرف فيها كل طرف مهامه.
وقد كان توجهنا في الهيأة واضحا بالنسبة إلى المواطن، فقد شرعنا منذ 2009 في التفكير في الإطار القانوني لإرساء قواعد حمايته عندما يرغب في التبليغ عن حالة فساد أو تقديم شهادة حول واقعة عاينها، وذلك لتشجيعه على المساهمة في الحل انطلاقا من أن التبيلغ هو الدور الأكبر الذي يمكن للمواطن النهوض به إضافة إلى حرصه ورفضه المشاركة في هذا النوع من الممارسات.
إذن، فقد كان هذا قناعتنا ومنطلق عملنا، وأعتقد أن هذا التوجه من الأمور التي أكسبت الهيأة مصداقيتها.

ضرورة تبسيط المساطر الإدارية

إن الانتظارات كبيرة بلا شك، وأكثر من ذلك هناك استعجال لتحقيق النتائج لأن الفساد يؤثر على حياة الناس ويكبدهم تكاليف إضافية. هذا طبيعي ولابد من أخذه في الاعتبار، إلا أنني قبل أن أتحدث عن الأسلحة ذات الطابع الاستعجالي إذا جاز القول، أود التأكيد على أهمية الاقتناع بأن هناك حاجة إلى بعض الوقت للحصول على نتائج، وهناك حاجة إلى دعم مجتمعي للجهود المبذولة حتى نصل إلى تلك النتائج.
أما الأسلحة الآنية التي ينبغي إخراجها حالا، فقد أشرت إلى الاستراتيجية الوطنية التي توجد في مراحلها الأخيرة والتي ينبغي أن تندرج فيها إجراءات من قبيل تبسيط كل ما يتعلق بالمساطر والوثائق الإدارية، بدءا من تفعيل البطاقة الوطنية البيومترية، وتحديث عمل الإدارة بالاستعانة بتكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك المرور إلى الإدارة الإلكترونية وتعميمها وإعادة النظر في مجالات وحدود السلطات التقديرية الممنوحة لعدد من المسؤولين، وتسريع الورش التشريعي المتعلق بمكافحة الفساد وعلى رأس ذلك إخراج القانون المتعلق بالهيأة الوطنية للنزاهة مع ضرورة الحرص على استجابته للسقف الدستوري الواضح، خاصة في المواد 36 و159 و167 من الدستور، وأيضا إصدار القانون المتعلق بالولوج إلى المعلومة مع التأكيد أيضا على ضرورة استجابته لمقتضيات المادة 27 من الدستور التي لم تقيد هذا الحق.
ويمكن أن يضاف إلى هذا ما يتعلق بمراجعة المقتضيات الخاصة بإصدار وتنفيذ الأحكام القضائية بما يضمن الأثر الردعي للعقوبات، وإعادة النظر في بعض مقتضيات القانون المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات، وتعزيز حماية الشهود والمبلغين والضحايا.

في سطور
 
– من مواليد 1954 متزوج وله ثلاثة أبناء.
– خريج المدرسة الوطنية للطرق والقناطر في باريس سنة 1973
– حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال من أحد المعاهد الفرنسية.
– عمل في بداية مساره المهني في مجال التجهيز والهندسة المدنية (1974 – 1998) بوزارة التجهيز، ثم في مجال الصناعات الهندسية وتقييم وإدارة وتمويل المقاولات.
– التحق في 1998 بصندوق الإيداع والتدبير مسؤولا عن قطب تشجيع الاحتياطي الاجتماعي، وتطوير آليات الادخار، رقي كاتبا عاما للصندوق في نونبر2002، ثم مديرا عاما مساعدا سنة 2006.
– اشتغل في مجال الأخلاقيات والحكامة الجيدة والمسؤولية الاجتماعية.
-عضو مؤسس لهيأة ترانسبارنسي – المغرب.
– رئيس لجنة محاربة الرشوة بالاتحاد العام لمقاولات المغرب
– عضو بالمرصد الاجتماعي الدولي، وهي هيأة تجمع كبريات المؤسسات والمنظمات النقابية العاملة في ميدان تعزيز المسؤولية الاجتماعية للمقاولات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى