تحقيق

شبكات عابرة للقارات تهرب الكوكايين عبر المغرب

حقائق مثيرة عن مسالك شبكات لاتينية وإفريقية تهرب المخدرات من كولومبيا والبيرو إلى أوربا عبر التراب الوطني

فككت المصالح الأمنية المغربية، أخيرا، شبكة دولية مختصة في التهريب الدولي للكوكايين والحشيش والعملة الصعبة من دول أمريكا اللاتينية نحو أوربا عبر موريتانيا والمغرب. وتبين من خلال التحريات التي قامت بها الأجهزة الأمنية أن الشبكة عابرة للقارات وتسير من طرف أجانب بينهم فنزويليون وإسبان وفرنسيون وماليون وسنغاليون… وأنها حولت مناطق في شمال مالي إلى مستودعات لتخزين المخدرات المعدة للتهريب إلى أوربا عبر موريتانيا والمغرب. في هذا التحقيق نسلط الضوء على الشبكات الدولية لتهريب الكوكايين والشيرا عبر منطقة الساحل والصحراء، ودور الشبكات المغربية في هذه العمليات، ومسالك التهريب من كولومبيا وفنزويلا إلى  أوربا مرورا بالأراضي المالية والموريتانية والمغربية.

في سنة 2005 حجزت المصالح الأمنية والعسكرية الموريتانية بمطار نواديبو طائرة محملة بأزيد من 500 كيلوغرام من الكوكايين، كان سيتم إفراغها في الشمال الموريتاني وتهريبها برا إلى أوربا عبر المغرب.
وبمجرد تفكيك هذه الشبكة تجندت الأجهزة الأمنية المغربية ونسقت مع نظيرتها في موريتانيا وإسبانيا تحت إشراف الأنتربول.
وقادت الأبحاث إلى معلومات تفيد أن الأمر يتعلق بشبكة عابرة للقارات تسير من طرف مهربين دوليين يقيمون في دول أمريكا اللاتينية وببلدان في منطقة غرب إفريقيا، بينها مالي وغينيا بيساو وغامبيا.

أبحاث تسفر عن تفكيك شبكات دولية

أسفرت أبحاث شعبة مكافحة المخدرات بمديرية الشرطة القضائية عن تفكيك مجموعة من الشبكات الوطنية والدولية للمخدرات، والتي كشفت الأبحاث والتحريات أن بعضها مرتبط بتنظيمات إرهابية بينها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وحسب الإحصائيات المسجلة على مستوى شعبة مكافحة المخدرات بمديرية الشرطة القضائية خلال السنوات السبع الأولى من الألفية الثالثة، فإن مخدر القنب الهندي والأقراص المهلوسة تشكل أكثر المواد المخدرة رواجا بالمغرب، بينما يأتي ترويج مخدر الكوكايين في المرتبة الثالثة متقدما على مخدر الهيروين الذي لا زال في بداياته، بينما يلاحظ أن الكوكايين عرف ارتفاعا مهولا خلال السنوات الأخيرة سواء بالنسبة إلى الاستهلاك أو على مستوى الكميات المحجوزة، مما يؤشر على بروز اتجاه جديد في السوق العالمي لهذا الصنف من المخدرات يقضي بتحويل مسارات العبور البحرية التي كانت تربط أمريكا اللاتينية بأوربا إلى مسالك جديدة تمتد من دول الزراعة والإنتاج في كولومبيا والبيرو وغيرها إلى دول غرب إفريقيا مرورا بالمغرب ثم أوربا باعتبارها دول الوجهة النهائية.
وحسب مصدر مسؤول، فإن هذه الملاحظة انطلقت أولا من المسح الجغرافي للظاهرة، فالكوكايين رصد لأول مرة بالمغرب بالمناطق الشمالية للمملكة بحكم قربها من سبتة ومليلية، وبفضل ارتفاع حركة عبور السلع والمسافرين عبر المنافذ الحدودية الشمالية خاصة بمدن الناظور وطنجة وتطوان، لينتقل بعد ذلك إلى المدن السياحية الداخلية مثل مراكش وأكادير والجديدة نتيجة تزايد أفواج السياح الوافدين عليها مما خلق سوقا محلية مصغرة يكثر فيها الإقبال وبالتالي يزداد فيها العرض.
ويؤكد المصدر ذاته أن الظاهرة سوف تعرف منعطفا خطيرا خلال السنتين الأخيرتين بحيث ارتفع مؤشر المحجوزات من كميات تقدر بالغرام الواحد إلى ضبطيات تناهز مئات الكيلوغرامات، ففي الأشهر العشرة الأولى من سنة 2007 تمكنت مصالح الأمن المغربية من حجز ما يزيد عن 195.478 كيلوغراما من الكوكايين بينما لم تتعد هذه المحجوزات سنة 2001 سوى 4.310 غرامات. كذلك اتسمت الظاهرة بانتشار ملحوظ عبر مجموع التراب الوطني، إذ لم تعد تقتصر على المدن الشمالية أو السياحية، كما كان الأمر في البداية، وإنما تعدت ذلك إلى المدن الساحلية والمنافذ الحدودية الجوية فضلا عن الأقاليم الجنوبية للمملكة، مما كون قناعة لدى المهتمين بالمجال مؤداها بروز اتجاهات جديدة للظاهرة تتمثل في دخول شبكات دولية إلى السوق المحلية ليس من أجل تزويدها فقط، وإنما من أجل استغلال المغرب محطة عبور صوب الضفة الشمالية للبوغاز في اتجاه دول أوربا الشمالية.

ارتفاع مستوى الكميات المحجوزة

يفيد مصدر أمني أن أهم معطى تم تسجيله هو ارتفاع مستوى الكميات المحجوزة ليس في المغرب فقط وإنما حتى في بعض الدول القريبة مثل موريتانيا وغينيا بيساو واسبانيا والمياه الدولية القريبة منها، وهو ما استرعى انتباه أجهزة إنفاذ القانون في هذه الدول التي حاولت بتنسيق مع المؤسسات المختصة في المنظمة الدولية للشرطة الجنائية أنتربول خلق مؤشرات تقارب بين الشحنات المحجوزة في كل بلد ومطابقة الأساليب الإجرامية المعتمدة في التغليف والتهريب لتخلص في الأخير إلى تأكيد بروز توجه جديد في الترويج الدولي لمخدر الكوكايين يراهن على الوضعية الجيو إستراتيجية للمغرب بحكم وجوده بين دول الإنتاج ودول التسويق وبالتالي اعتماده محطة عبور رئيسية سواء بالنسبة إلى المسالك الجوية أو البحرية أو البرية.
ووفق دراسة أعدتها شعبة مكافحة المخدرات بالمديرية العامة للأمن، فإن الوضعية الجيو إستراتيجية للمغرب كان لها دور كبير في اختياره محطة عبور رئيسية ضمن مسالك ومسارات الاتجار غير المشروع في مخدر الكوكايين، لكن دون أن نغفل عوامل داخلية أخرى كان لها بالغ التأثير في هذا التوجه الجديد للسوق العالمي، إذ استفادت الشبكات الدولية المروجة للكوكايين من توفر المغرب على أرضية مهيأة ووسائل لوجيستية كانت تستغلها الشبكات الوطنية المتخصصة في ترويج القنب الهندي التي تضاءل نشاطها بحكم سياسات المكافحة وتشجيع الزراعات البديلة التي أعلنتها الحكومة المغربية، مما أفضى إلى تقليص المساحات المزروعة وتفكيك العديد من الشبكات الإجرامية، كما استفادت أيضا من المسالك البرية والبحرية التي كانت تسلكها عصابات الهجرة المحظورة واستغلتها في تهريب الكوكايين انطلاقا من دول التخزين في غرب إفريقيا جنوب الصحراء في اتجاه دول التسويق بأوربا مرورا بالمغرب.

دور الأجهزة والأنتربول

ووفق مصادر جيدة الاطلاع، فإن المديرية العامة للأمن الوطني قدمت في اجتماع للأنتربول عرضا مفصلا يبرز تهديدات الشبكات الدولية العابرة للحدود بمنطقة الساحل والصحراء، وذلك مع بروز الإرهاصات الأولية لهذا التوجه الجديد في تجارة الكوكايين العالمية، إذ بادرت الأجهزة الأمنية الوطنية المكلفة بإنفاذ القانون إلى إطلاق إنذار على المستوى الإقليمي والدولي لتحسيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية أنتربول بحجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على هذه المستجدات، بالإضافة إلى إثارة انتباه الدول المجاورة إلى خطورة التداعيات التي يمكن تتسبب فيها الظاهرة بحكم ارتباطاتها الإقليمية وبعدها العابر للحدود الوطنية.

المغرب يطلق إنذارا

علمت «الصباح» أن الإنذار جاء على خلفية الدراسة التحليلية التي قامت بها مديرية الشرطة القضائية للظاهرة، إذ خلصت إلى تحديد حجم التهديدات الأمنية والانعكاسات السوسيو اقتصادية التي يمكن أن تنجم عنها ليس بالنسبة إلى المغرب بمفرده، وإنما بالنسبة إلى جميع الدول المجاورة، والتي تقع على طول المسالك التي تمر منها هذه التجارة غير المشروعة.
وحددت المديرية العامة للأمن الوطني التهديدات في الزيادة المرتقبة في ترويج مخدر الكوكايين داخل السوق المحلي والإقليمي مع ارتفاع الشحنات العابرة للتراب الوطني، وهو الأمر الذي أكدته فعلا عمليات الحجز التي باشرتها مصالح الأمن بكل من مدن الداخلة وأكادير والعيون والرباط والجديدة والعرائش بالإضافة إلى العملية المشتركة التي جرت مع الشرطة الإسبانية بتاريخ 30. 12. 2006 والتي أسفرت عن حجز 1800 كيلوغرام من الكوكايين، كما تم تسجيل تهديدات أخرى تتمثل في إمكانية تحويل نشاط الشبكات الوطنية للاتجار في المخدرات من ترويج القنب الهندي إلى تجارة الكوكايين، وهو الأمر الذي سيؤدي بالتبعية إلى انتعاش تجارة السلائف الكيماوية وبالتالي إغراق السوق الوطنية بأنواع مختلفة من المخدرات الصلبة والمؤثرات العقلية. كما أن من شأن هذا التوجه الجديد أيضا أن يؤدي، حسب مسؤول أمني، إلى فتح قنوات اتصال بين الشبكات الإجرامية المحلية والشبكات الأوربية والأمريكية اللاتينية، وبالتالي ظهور أنماط جديدة من الإجرام المنظم مثل السطو المسلح وحجز الرهائن… بالإضافة إلى إمكانية استخدام العائدات المالية لهذه الشبكات في تمويل العمليات الإرهابية للتأثير على السياسات الداخلية للدول، وبالتالي تهديد الأمن والاستقرار فيها، وهذا الخطر دفع دول المنطقة بتنسيق مع بلدان أوربية والولايات المتحدة الأمريكية إلى إحداث مجموعة العمل لمكافحة الإرهاب والتي عقد اجتماعا لها بتاريخ 11 أكتوبر الجاري بالعاصمة بماكو لبحث سبل تعزيز التعاون لمكافحة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وشبكات التهريب الدولي للكوكايين بمنطقة الساحل والصحراء والمرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، وشارك فيها المغرب إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا واليابان وكندا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا وإسبانيا وأستراليا والسنغال ونيجيريا وبوركينافاسو وموريتانيا والنيجر، وتغيب عنه الجزائر.
ومن خلال استقراء مختلف عمليات الحجز التي قامت بها مصالح الأمن المغربية في السنتين الأخيرتين، يتبين أن هناك ثلاثة مسالك رئيسية تعتمدها شبكات ترويج الكوكايين عند مرورها بالتراب الوطني، وهي إما مسالك جوية أو بحرية أو برية.

بين دول التخزين والتسويق

يستخلص من عدة تقارير وأبحاث أمنية أن المغرب بحكم موقعه الجغرافي تحول إلى نقطة التقاء بين دول التخزين ودول التسويق. وبحكم قربه الجغرافي من أوربا وامتداداته الساحلية وضعف المراقبة الأمنية عند شركائه الإقليميين في دول جنوب الصحراء، برز التهديد الذي تشكله الشبكات العابرة للقارات، الأمر الذي يفرض عليه بذل المزيد من الجهود سواء على المستوى الوطني لتحصين مجاله الداخلي أو على المستوى الدولي للحد من الارتباطات الدولية للظاهرة باعتباره أحد الشركاء الرئيسيين في إستراتيجية مكافحة الجريمة المنظمة بكل تجلياتها وأصنافها.

المسلك البحري

إن انفتاح المغرب على واجهتين بحريتين هما المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط وامتداده على طول شريط ساحلي يناهز 3500 كيلومتر جعله قبلة مفضلة لشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، فأمام تزايد المراقبة الأمنية على المسار البحري الذي كان يربط دول المصدر والإنتاج في أمريكا اللاتينية بدول الوجهة والتسويق بأوربا الغربية، وجراء تعاظم تكلفة الرحلة واتساع مسافاتها، فضلت الشبكات المتخصصة في هذا المجال الاستعاضة عن تلك المسالك بأخرى أقصر مسافة وأيسر من حيث المراقبة الأمنية، وهو الأمر الذي جعلها تفضل المرور بدول غرب إفريقيا جنوب الصحراء ثم المرور برا عبر المغرب في اتجاه أوربا أو الانطلاق مباشرة صوب الموانئ الجنوبية للمملكة مثل ما حدث في عملية Poulpe بميناء الداخلة سنة 2007.
وتتميز الضبطيات المحجوزة في هذا المسلك بحجمها الكبير الذي يقدر بمئات الكيلوغرامات بحكم طبيعة وسعة وسائل النقل المستعملة، التي تكون في العادة إما حاويات أو سفن كبيرة يتم تفريغها بالموانئ المغربية على أساس إعادة شحنها في اتجاه أوربا، أو أنها تفرغ في عرض البحر وتشحن على متن زوارق سريعة بهدف نقلها مباشرة إلى دول التسويق.

المسلك البري

هذا المسلك تم رصده أخيرا من قبل مصالح الأمن المغربية جراء حجز كميات كبيرة من الكوكايين بكل من أكادير والرباط والعيون بتزامن مع عمليات أخرى قامت بها مصالح الأمن بموريتانيا، والتي أوضحت التحريات المنجزة بشأنها وجود مؤشرات تقارب واضحة فيما بينها سواء من حيث طرق التغليف والإخفاء أو نوعية المخدر المحجوز، وهو ما يؤشر على بروز مسلك بري ضمن مسارات الترويج ينطلق من سواحل غرب إفريقيا مرورا بموريتانيا وشمال مالي في اتجاه شرق الجزائر والمغرب.

المسلك الجوي

تعزى أهمية هذا المسلك إلى الحركية المضطردة للمسافرين والبضائع عبر مطار محمد الخامس الدولي الذي يعتبر محطة عبور رئيسية بين بعض الدول الإفريقية والقارة الأوربية، إذ يؤمن أسبوعيا 1000 رحلة جوية بين القارتين بنسبة تتراوح ما بين 3000 إلى 4000 مسافر يوميا، وهو ما يجعل من مسألة الرصد والمكافحة أمرا في غاية الصعوبة رغم تجهيز قاعة المراقبة في المطار بأجهزة متطورة للكشف بالأشعة السينية عن الأمعاء الداخلية للمسافرين المشتبه فيهم وبأجهزة سكانير لمراقبة الأمتعة والحقائب الشخصية.
وتتضح أهمية هذا المسلك من خلال نسبة الإحصائيات المسجلة خلال السنتين الأخيرتين فمن أصل 57.762 كيلو غراما المحجوزة من مخدر الكوكايين سنة 2006 تم حجز 18.172 كيلوغراما بمطار محمد الخامس الدولي أي بمعدل 22 في المائة، بينما بلغ هذا المعدل في سنة 2007 لوحدها 64 في المائة، أي بزيادة الضعفين تقريبا، وهو ما يؤكد الأهمية المتصاعدة لهذا المسلك ضمن مسارات ترويج المخدرات الصلبة.
أما بالنسبة إلى الأسلوب الإجرامي المعتمد في هذا المسلك فيتحدد في انتقاء الشبكات الإجرامية لمواطنين من إفريقيا السوداء )نيجيريا على وجه الخصوص( من الذين يعانون عاهة مستديمة مثل العمى أو غيره في محاولة لاستحضار الجانب الاجتماعي والعاطفي عند المراقبة وبالتالي تضليل مصالح الأمن، أو لمرسلين من دول أوربا الشرقية ممن لا يثيرون الانتباه مثل أساتذة التعليم وبعد ذلك يتم منحهم كبسولات من المخدر قصد ابتلاعها بعد إجراء عملية جراحية لتوسيع فم المعدة، أو يتم تزويدهم بحقائب معدة سلفا لهذا الغرض لينطلقوا بها في رحلتهم المتجهة عادة إلى بعض الدول الأوربية خاصة إسبانيا وهولندا وألمانيا.
ويلاحظ أن هذا المسلك يتخذ من المغرب محطة عبور فقط وليس سوقا للاستهلاك، بدليل صغر حجم الكميات المضبوطة فضلا عن نوعية الرحلات المستهدفة والتي تكون عادة عابرة للمغرب في اتجاه أوربا.

إنجاز: رضوان حفياني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض