الصباح السياسي

قانون المالية يكرس هيمنة الحكومة على البرلمان

الفصل 51 من الدستور أعطى صلاحيات واسعة للجهاز التنفيذي والطعن الدستوري في القانون المالي يخضع لحسابات سياسية

يراهن الكثير من المراقبين للشأن الاقتصادي، على ضرورة أن ينكب الاقتصاد المالي والمالية العمومية في المغرب، على إعادة النظر في إصلاح القانون التنظيمي للمالية الذي تم اعتماده في 1998، باعتبار أن الأخير، بوصفه قانونا تنظيميا، لم يتناول المحاور الأساسية التي يتعين إصلاحها من أجل تحديث طرق تدبير المالية العمومية، واكتفى فقط ببعض الإجراءات من أجل ملاءمة القانون التنظيمي مع المعطيات الجديدة التي نتجت عن التعديل الدستوري خلال 1996، خاصة في ما يتعلق بنظام الغرفتين، إذ يحدد البرنامج الزمني لإحالة مشروع قانون المالية على غرفتي البرلمان والمدة الزمنية المتاحة لكل غرفة لمناقشته والتصويت عليه. “فيتو” الحكومة ضد تعديلات المعارضة

وبمقارنة النص الحالي للقانون التنظيمي للمالية مع نص 1972 والمرسوم التطبيقي الصادر في 1967 في هذا الشأن، يتضح أن النص الجديد تضمن مجموعة من نصوص هذين الأخيرين، ما جعل النص الجديد بمواصفات قديمة، لا يواكب المستجدات والتحولات التي يعرفها قطاع المالية العمومية.
يطرح القانون التنظيمي المالي إشكالية على المستوى السياسي، فالصيغة التي تم اعتمادها خلال 1998 لم تأت بجديد في ما يتعلق بتدعيم دور المؤسسة الحكومية في مجال التشريع المالي ومراقبة تدبير المالية العمومية، إذ أعاد التنصيص على الفصل 51 من الدستور وأعطى صلاحيات واسعة للجهاز التنفيذي من أجل استعمال هذا الفصل لإلغاء أي تعديل من طرف البرلمانيين يهدف إلى رفع التكاليف أو تقليص المداخيل، مما يحول المؤسسة إلى مجرد مكتب ضبط لتسجيل مشاريع القوانين التي تحال عليه ويزيد من تقليص سلطات المؤسسة التشريعية في مجال المالية العمومية، وهكذا ينص الفصل الواحد والخمسون من القانون الأسمى للبلاد على «المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود»، وهو الأمر الذي يثير حفيظة المعارضة في البرلمان بالنظر إلى أن إعمال هذا الفصل، يتم في الغالب لتبرير رفض مقترحات أحزاب المعارضة، تطلب إدخالها على مشروع قانون المالية خلال المناقشة، سوءا داخل الغرفة الأولى أو الثانية، فهو بمثابة «فيتو» تشهره الحكومة في وجه أي تعديل، ولو كان فيه زيادة في الموارد العمومية.

إجراءات شكلية تحد من الاجتهاد المالي

القانون التنظيمي للمالية، حسب الكثير من المراقبين، سجل تراجعا بالمقارنة مع نص 1972 في ما يتعلق باللجوء إلى المراسيم من طرف الحكومة لفتح اعتمادات دون اللجوء إلى المؤسسة التشريعية، إذ كان الفصل 20 من هذا الأخير يلزم الحكومة بتقديم مشروع قانون مالية تعديلي يتضمن الاعتمادات التي تم فتحها وذلك خلال أقرب دورة للبرلمان، في حين ألغى القانون التنظيمي الجديد هذا الإجراء ووضع، بهذا القرار، حدا لإمكانية اللجوء إلى القوانين المالية التعديلية، وأصبح بإمكان الحكومة اللجوء إلى فتح اعتمادات بمراسيم من دون أن تكون ملزمة باللجوء إلى المؤسسة التشريعية.
بالمقابل، تجد المؤسسة التشريعية صعوبات كثيرة في تمرير تعديلاتها، أمام هيمنة الحكومة على مشاريع المالية، ما يجعل الأحزاب أمام بوابة واحدة، هي الطعن الدستوري في قانون المالي أثناء عرضه على المجلس الدستوري، المخول له البت في الخلافات القانونية التي قد تنشأ بين الحكومة والمعارضة البرلمانية. يقول الفصل 58 من الدستور إنه «لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقتها للدستور»، غير أن هذا الحق قد يحد من ممارسته حسابات سياسية، بالنظر إلى أن تأييد الطعن يتطلب توقيع حوالي 80 نائبا برلمانيا.إشكالية أخرى، تهم المستوى المحاسباتي، ذلك أن القانون التنظيمي الجديد للمالية لم يأت بشيء جديد في هذا الجانب، إذ أن المحاسبة المعتمدة في مجال المالية العمومية تقتصر فقط على المداخيل والنفقات، ولا تتعدى ذلك لتشمل الحسابات الموطدة للدولة، وذلك من خلال إدخال الممتلكات العمومية، وكذا القروض المضمونة مما يجعل من الصعب القيام بتقييم دقيق لوضعية المالية العمومية.
إحسان الحافظي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق