fbpx
ربورتاج

العطش يحاصر جهة فاس

احتجاجات بكل الأقاليم والسكان في رحلات مكوكية يومية بحثا عن قطرة ماء جفت منابعه وعيونه

رحلة أطفال ونساء وشيوخ قرى بالأقاليم التسعة لجهة فاس، إلى حيث توجد قطرة ماء صالح للشرب وإرواء ظمأ الإنسان والحيوان، طقس يومي متعب للجسد ومؤرق لقلوب منهكة من طول انتظار الانعتاق من قبضة عطش جاثم منبعه الجفاف ويتمطط بلامبالاة من يعنيهم أمر معاناة إنسان قروي يتألم ومتشبث بالأمل. الماء بميزان الذهب في عدة مناطق يقطع سكانها كيلومترات لأجله في رحلات مكوكية تبدأ فجرا ولا تنتهي ليلا،
حتى في تجمعات سكانية أقرب لسدود تستثمر مياهها خارج الديار. سكان كتبوا التاريخ ولم تنصفهم الطبيعة والتضاريس والجغرافية،
ومسؤولون عن معاناتهم اليومية غافلون وعن حقهم في قطرة ماء ساهون أو لا مبالون.

إعداد: حميد الأبيض (فاس)/ تصوير: أحمد العلوي لمراني

جل أقاليم الجهة عاشت صيفا استثنائيا بحثا عن الماء واحتجاجا على ندرته وبسببه. حناجر سكانها صدحت بمطالب لا تتجاوز حدود طلب قطرات منه لإرواء الظمأ الممتد على مشارف الشتاء، في أشكال احتجاجية قدمت لهم فيها وعود بدل الحلول الدائمة لأزمة عطش تتكرر وتزداد حدة سنة بعد أخرى بعدة مناطق.

مخاض عسير
«الماء بإنجيل: أزمة تسيير لا أزمة جفاف» شعار أطر غضب سكان بجماعة إنجيل ببولمان طلبا لقطرة ماء تروي الظمأ بعد انقطاعه عنهم أسابيع جهروا فيها برفضهم حلولا ترقيعية لمشكل مؤرق أخرجهم من ديارهم للسير في مسيرات راجلة مؤثثة ببهائم من بين أكبر ضحايا العطش، والمبيت في العراء في اعتصامهم المفتوح.
في اتجاه ميدلت ساروا راجلين وأمام مقري الجماعة والقيادة اعتصموا متحملين كل تقلبات الطقس ومزاج مسؤولين، بعدما أغضبتهم انقطاعات متكررة وتعثرات في بئر مستحدثة لتوفير المادة لسكان مختلف الدواوير وعدم وصولها لبعضها بمدد متفاوتة بسبب اختلال التوزيع، ما ضاعف معاناتهم للتزود بالماء في عز الحر.
حجم الضرر من الانقطاع الكلي أو الجزئي للماء، تفاوت وسكان مركز إنجيل اختارن ودرب العش ودواري آيت يعقوب والشمع أكثر تضررا منه وارتفاع فواتير الاستهلاك والربط، في غياب إجراءات عملية استباقية ناجعة لتدبير الأزمة والتواصل مع السكان وإخبارهم قبلا بإيقاف التزويد لاتخاذ الاحتياطات اللازمة.
رجوع الماء تدريجيا بعد إصلاح مضخة احترقت لانقطاع الكهرباء، لم يذب غضب سكان رفعوا سقف مطالبهم قبل انتزاع مكتسبات بعد مخاض عسير دام أشهر الصيف الثلاثة، في انتظار توسيع الشبكة لربط منازل دواوير الشمع وآيت يعقوب والفايشة ودرب أمرار وحفر بئر جديدة وإيجاد ثقب مائي بديل قابل للاستغلال.
وتوجت لقاءات بين ممثلي السكان والمسؤولين، بالتزام الوكالة المزودة للماء بتنظيم توزيعه بين الأحياء لتعم الاستفادة إلى حين انتهاء أزمة انقطاعات دامت منذ يونيو، في انتظار حفر وتجهيز بئر بشكل يتجاوز النقص الحاد في صبيب البئر الموجه للخزان الذي تقلص صبيبه إلى 1 لتر في الثانية، كمية غير كافية لكل السكان.

قنينات ودواب
أزمة العطش أرخت بظلالها أيضا على سكان بإقليم تازة شحنوا دوابهم بقنينات ماء فارغة وخرجوا في أشكال احتجاجية تكررت بمناطق متفرقة، سيما بالصميعة وآيت سغروشن، تعبيرا عن تعاستهم وعذابهم بحثا عن الماء الصالح للشرب والاستعمال المنزلي وإرواء ظمأ دوابهم، بعدما جفت العيون والآبار وقل منسوب مياه الأنهار.
«عشرات الأسر تعاني للحصول على الماء بسبب ندرته الحادة، فالتزود به ليس يسيرا والمعاناة تضاعفت صيفا وقد تطول» يقول الفلاح محمد هرهار من دوار عين الفوقي بجماعة الصميعة، احتج سكانه على تركهم يواجهون مصيرهم رغم الاستنجاد بالمسؤولين لتشييد خزان لن يكلف إلا 20 مليونا لتدارك أزمة عطشهم الحادة.
غضب مماثل من أزمة مشابهة، عبر عنه سكان دواوير اللوايحة والجبل والمعينين بجماعة الربع الفوقي، طلبا لحل دائم يخفف عنهم وطأة عطش يهدد استقرارهم، ببناء سقايات وحفر آبار وتوسيع شبكة الماء الصالح للشرب كي لا تتكرر مآسي هجرة قروية في تسعينات القرن الماضي، أخلت مداشر من سكانها جزئيا أو كليا.
التخوف نفسه ينتاب سكانا بدوار عين كنون بجماعة آيت سغروشن استثنوا من ربط منازلهم بالماء على غرار دواوير أخرى، وقضوا ليالي في العراء وظروفا صعبة في اعتصام للمطالبة بحقهم في المادة دون تمييز، رغم وعود قدمت لهم في حوارات رسمية، واعتبرتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان «شفوية وغير مضمونة».
دائرة العطش بتازة لامحدودة وتوسعت لتغطي دواوير بجماعات احتج سكانها، على غرار دواري بني سراج ولبحاير، في وضع “يفرض على المسؤولين التفكير جديا وبمسؤولية في إيجاد حلول مطمئنة لندرة الماء بدواوير مهددة بهجرة موطنها الأصلي بحثا عن فردوس مفقود” يقول الطالب ياسين بوعملات ابن منطقة تاهلة.

سدود وعطش
رغم توفره على 5 سدود نصف سدود جهة فاس، فإن إقليم تاونات أكثر الأقاليم التسعة معاناة مع أزمة عطش يعانيها سكان تجمعات تفصل بعضها مسافات قصيرة عن الحقينة، دون أن يمنع ذلك وإطلاق مشاريع معطلة رحلة الشتاء والصيف لأطفال ونساء وشيوخ ودواب أضناها التنقل لأماكن بعيدة للتزويد بالماء الشروب.
قرب سدود توجد دواوير غارقة في عطشها في انتظار ربطها بالماء جماعيا أو فرديا على غرار دواوير وجماعات قروية بمنطقة الحياينة مجاورة لسد إدريس الأول، وأخرى بجماعات غفساي قريبة من سدي الوحدة والساهلة ما زال سكانها يقطعون مسافات طويلة لجلب كمية من الماء قد لا يكفي لإرواء ظمأ الإنسان والحيوان.
تأمين الحصول على مياه الشرب، معركة يومية يخوضها سكان بعدة مناطق بإقليم السدود المحتوي على نحو 4 ملايير متر مكعب من المياه السطحية العذبة التي تهدر أحيانا في المجاري دون استغلال، فيما تعتمد أسر على إمكانياتها الذاتية لحفر آبار لم يعد ميسرا بجماعات بينها بني وليد المضيق على سكانها بمخالفات وغرامات.
“المنطقة تعيش أزمة مياه بسبب الجفاف ومشروع الماء الشروب لم يخرج للوجود، والمواطن يعتمد على نفسه لحفر الآبار وإصلاح العيون، فبأي منطق يتعامل معه في وقت مفروض البحث عن حلول لمشاكل عالم قروي يتعرض لنزيف هجرة حاد؟” تقول فدرالية اليسار ببني وليد ردا على عقاب من يحفر بئرا بحثا عن الماء.
الأمر يغضب فعاليات كما أزمة عطش تعانيها عدة مناطق وأخرجت مئات الناس للاحتجاج بعين عائشة ودواري الزراولة وسيدي عبد النور بجماعة الغوازي، ساروا في “مسيرات حمير” في اتجاه عمالة الإقليم الذي ولدت من رحمه حركة “عطشانين” في انتظار تدارك أزمة العطش في مناطق تحتاج حلولا دائمة لا مؤقتة.

أزمة شاملة
لم يحد إقليم صفرو وجماعاته عن سكة أقاليم العطش بجهة فاس. الأزمة شاملة والآلام قائمة وحناجر المتضررين بحت غضبا ورفضا لمعاناة لا تختلف إلا في جزئيات بسيطة عن الأقاليم الثمانية الأخرى. وقفات ومسيرات وشعارات جهر فيها بعدم الرضى، سكان في مناطق متفرقة بتازوطة والعنوصر وبئر طمطم ويوسف بن أحمد.
العطش وندرة الماء يؤرقان سكان دوار آيت علي ويوسف بلواثة قرب سد علال الفاسي وأخرجهم للاحتجاج أمام العمالة للمطالبة بقطرة ماء مستعص الحصول عليها شتاء وصيفا، كما زملاؤهم برباط الخير/هارمومو والمنزل المستنزفة فرشاتهما المائية بسبب حفر آبار عميقة في ضيعات كبار الفلاحين وذوي النفوذ.
مسيرات الغضب انطلقت في مراحل متفرقة ومتباعدة من جماعات مختلفة في اتجاه عمالة إقليم غني بثرواته المائية، تنديدا بحيف وظلم لحقا سكانا يعانون وسئموا من عدم تنفيذ وعود بتدارك الأزمة، على غرار دوار امغيلة بجماعة أولاد أمكودو وجماعات الدار الحمراء والعنوصر والمنزل، المحتجين على استنزاف المياه الجوفية.
واستنزفت الفرشاة المائية بقوة من قبل مالكي ضيعات فلاحية تكاثرت وعمقت أزمة العطش، بعد لجوئهم لإحداث أحواض مائية كبيرة لتخزين المياه الجوفية المستخرجة وليس تجميع مياه الأمطار والسيول، ما ساهم في جفاف آبار وعيون بعدة مناطق كليا أو جزئيا بالمنزل وإغزران وامطرناغة ورباط الخير وأولاد مكودو.
ويراهن على تهيئة عين تمدرين بجماعة أولاد مكودو في غضون بداية السنة المقبلة، لحل مشكل التزود بالماء الصالح للشرب بصفة نهائية بتلك الجماعات القروية الخمس التي تعاني من أزمة عطش خانقة تزداد حدة سنة بعد أخرى، في انتظار بناء سد رباط الخير واستكمال بناء سد أمداز وقناة هيدروفلاحية منه لسهل سايس.

براميل فارغة
صيف هذه السنة كان ساخنا على غير العادة بجماعة وادي إفران، بعد خروج سكانها في مسيرات العطش طلبا للماء وتدابير إستراتيجية وعاجلة لوقف نزيف معاناتهم وتبعاتها على أوضاعهم وضدا على الاستهتار بأمنهم المائي، بسبب من يسمونهم “أباطرة الزراعة” الذين “امتصوا المياه بإحداثهم آبارا عشوائية لسقي ضيعاتهم”.
مسلحين بقارورات الماء الفارغة مرروا رسائل واضحة مختصرة لواقعهم، لمن يهمهم أمر معاناتهم وتلقفوا الإشارة سريعا بعد لقاء رسمي أثمر وعودا بتخصيص 6 خزانات مياه متنقلة وتقوية خزان الماء وتدارك مشكل عدم وصول الماء لأحياء وما أسموه ب”التوزيع غير المعقلن للماء من قبل المكتب الوطني للماء الصالح للشرب”.
سكان دوار آيت لحسن أوبراهيم بجماعة تيزكيت بالإقليم ذاته، أضناهم العطش بدورهم واحتجوا على تأخر تجهيز بئر فوت استغلالها لجمعية، ومطالبتهم بمد القنوات بأنفسهم بعد تأدية 1500 درهم لكل أسرة. ونظموا وقفة احتجاجية أثثتها قارورات وعربات مجرورة بالبهائم وشكلت النساء نسبة كبيرة من المشاركين فيها.
البراميل الفارغة والدواب، صورة مشتركة في احتجاجات سكان أرقهم العطش بتاونات وتازة وصفرو وإفران وبولمان، وحتى مولاي يعقوب في احتجاجات عرفتها بعض المناطق بجماعات سبت الوداية وعين الشقف وسبع رواضي، كما في مناطق بإقليم الحاجب، سيما في آيت احماد الزعبول بمركز بودربالة بجماعة آيت بوبيدمان.
إقليم مكناس بدوره عرف هذا الصيف احتجاجات بسبب ندرة الماء، سيما بقرية موساوة بجماعة المغاصيين في دائرة زرهون، بسبب انقطاع الماء مشكلا مؤرقا للسكان منذ نحو 4 سنوات في انتظار حلول عملية لتدارك الأمر، ومشكل العطش بمناطق أخرى، كما بوشابل والغوازي بقرية با محمد، ومناطق أقرب إلى فاس.

مشاريع متعثرة
تبدو فاس ومكناس ومراكز مجاورة لهما، محظوظة بعد إعلان المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بداية الاستغلال التدريجي لأحد أكبر مشاريع تقوية وتأمين تزويدهما بالماء انطلاقا من سد إدريس الأول، الذي انطلقت الأشغال فيه قبل 7 سنوات في إطار برنامج وطني للتزود بالماء في أفق 2027.
1.7 مليار درهم منحتها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، لإنجاز المشروع الذي سيرفع من القدرة الإنتاجية للماء للمنشآت الحالية بصبيب إضافي يقدر بأكثر من 43 ألف متر مكعب في اليوم، في مرحلة على أن يتضاعف لاحقا إلى نحو 173 ألف متر مكعب يوميا، ما سيمكن من تأمين تزويد المدينتين بالماء في أفق 2030.
هذا المشروع يعتبر إنجازا مهما، في وقت عرفت مشاريع أخرى للتزود بالماء انطلاقا من حقينات سدود، تعثرات سيما انطلاقا من سد الوحدة، الذي دشنه جلالة الملك قبل 12 سنة، والمشروع المندمج لتزويد غفساي والورتزاغ وجماعات مجاورة و231 دوارا بالماء في غضون 2012، بكلفة 815 مليون درهم.
305 آلاف نسمة كان مرتقبا استفادتها من المشروع في شطره الأول، على أن يرتفع العدد ب136 ألف نسمة في الشطر الثاني، ما كان سيقضي على أزمة العطش في تلك المناطق، لكن إكراهات عطلت ترجمته واقعا، كما مشروع تزويد دائرة قرية با محمد بالماء بكلفة 280 مليون درهم، سيما بجماعتي قرية با محمد والمكانسة.
وقس على ذلك التعثر الذي عرفه مشروع تزويد جماعة بني وليد بالماء، المخصصة له 57 مليون درهم، إذ مدة كيلومترات من القنوات على طول عدة دواوير، لكنها بقيت عرضة للتلف الطبيعي والإتلاف البشري بعد 5 سنوات مرت على انتهاء الأشغال، فيما كشف إطلاق قنوات الربط بسد بوهودة، أعطابا كثيرة.
لو أنجزت مثل هذه المشاريع المعطلة أو غير المستكملة الإنجاز، بطريقة سليمة وفي الوقت المحدد لها، لما استفحلت أزمة العطش بالدواوير والجماعات المعنية بها في انتظار نفض الغبار عنها وتجاوز ثغراتها وأسباب فرملة إنجازها وفتح أبحاث حول ذلك وترتيب الجزاءات القانونية حماية للمال العام وطرق تدبيره بعقلانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى