fbpx
مقالات الرأي

شحيمط: الطفولة واغتيال البراءة

بين الفينة والاخرى نسمع عن حوادث تؤلم الروح وتبكي القلب وتدمع العين، حوادث ضحيتها أطفال أبرياء، والجريمة التي وقعت بطنجة هذه الأيام هي جزء من الجليد الظاهر فوق السطح وما المخفي منه أبشع وأسوء بكثير، أطفال وضعوا ثقتهم في أناس وذهبوا معهم الى وجهة لا علم لهم بها ، وكانت النتيجة اغتصاب وقتل وإزهاق روح، وما ذنب الطفولة من جشع هـؤلاء الذئاب المخيفة التي أصبحت تترصد للأطفال دائما وآخرها الطفل عدنان الذي زهقت روحه وقُتلت براءته من شخص لا يملك قلبا ولا ذرة رحمة وغيرها الكثير من الحوادث التي تؤلم القلب، فكيف نحمي الأطفال منهم ؟ كيف نجعلهم يخافون من هؤلاء سواء كانو أقرباء أم غرباء ؟ وهل حقا أصبح الاطفال لا يقتنعون بما يملكونه ويذهبون وراء من يغريهم بأشياء مادية ؟ وهل نلوم الاباء على هذه الجرائم المتتابعة بحق الاطفال؟ أم نكتفي فقط بمعاقبة الوحش البشري المتلبس بلباس الطيبة ويخفي وراءه كل أنواع الشرور؟

رغم كثرة وتنامي دور المؤسسات والجمعيات المهتمة بحماية الطفل والتي تلعب دور هام للتصدي للعديد من القضايا الخطيرة المرتبطة به، إلا أننا مازلنا نعاني من نقص التوعية والثقافة خاصة بما يتعلق بالأمور الجنسية، لأن مجتمعنا من بين المجتمعات العربية التي تفتقد وتفتقر أشد الافتقارالى الثقافة والتربية الجنسية العلمية الشاملة مما يجعل غلق الستار على الامور الجنسية والتثقيف فيها لأننا للأسف نصنف الحديث في هكذا الأمورفي خانة العيب والحشومة ، وخط أحمر لا يحق الخوض فيه بين الآباء وأبنائهم، اذ أن كل هذا يرجع علينا باللاسواء ويصبح الطفل ضحية لهذه الانغلاقية وغير واع بهذه الأساسيات التربوية، فالأطفال دائما ماينظر إليهم بأنهم أشخاص عديمي الحيلة، وبالتالي يعتبرون هدف سهل من وجهة نظر المعتدي، فهؤلاء الاطفال أيضا كثيرا مايحكمون على الاخرين أنهم ليسو أشرار ولا يعرفون مفهوم الدوافع الداخلية لأي شخص، حيث يربى الاطفال على أن الراشدين دائما على صواب، ومن اللائق طاعة أوامرهم، إضافة إلى ذلك هناك بعض الأطفال لديهم فضول لاكتشاف جسدهم خاصة الصغار منهم وقد لا يتفهم الوالدين ذالك، ناهيك عن نظرتهم إلى الوالدين ومن يثقون فيهم فيتعاملون مع ذالك الشخص بنفس الاسلوب والذي يتمثل في الثقة المفرطة اذ يرجع ضدهم وتغتال برائتهم في لحظة لم يكونوا على وعي تام بها من أشخاص قد يكونوا من الاقارب الذين يثقون فيهم، هذا مع قلة حيلتهم، وقلة توعيتهم من الوالدين كما لا ننفي أن الأمر في بدايته يلام عنه الأبوين، لأن أغلب الأطفال لا يعرفون شيء ولا يفقهون نوايا أحد ولا يعرفون ما ينتظرهم من أحد، كما أن لا علم لهم إلا ما علمهم أبائهم ولا وعي لهم إلا ما تم توعيتهم من طرف أوليائهم إن ما يميز الاعتداء الجنسي عن أنواع الاعتداءات المختلفة هو وجود عامل السر، فغالبا ما يقوم المعتدي في نهاية التصرف الجنسي بطلب أو بتهديد الطفل بأن لا يخبر أحدا بما حدث بينهما، وفي كثير من الاحيان يحميه مسؤولية الحدث ويهدده بأن كشف السر للآخرين قد يتسبب بمشاكل أصعب من الاعتداء ذاته، فإذا ماتمت المقاومة من طرف الطفل أو تأكيده بإفشاء هذا الفعل الممارس عليه فسيكون ماله القتل كما جرى مع الطفل عدنان ولكن في غالب الحالات هذا التهديد كثيرا ما يولد عند الطفل مخاوف وبلبلة تعيق بوحه للسر، وتمنعه من البوح للأبد ويبقى يعاني الاستغلال لفترة مستمرة خوفا من النتائج التي سيؤدي لها البوح، فالبوح عن هذا الفعل الإجرامي الممارس على براءة طفل لا حول له ولا قوة يمكن القيام به من خلال عدة طرق منها قيام الطفل أو الطفلة بمبادرة ذاتية لإخبار والديه بذلك ،إلا أن الاطفال في جيل الطفولة المبكرة قلما يبادرون للبوح فمن ينجح بالمبادرة الذاتية– عادة -هم الأطفال في جيل المراهقة، حيث لديهم القدرة اللغوية والتعبيرية ليصل الامر بشكل واضح لمن يعتبرونهم مصدر أمان وحماية، وفي غالب الاحيان يتم ذلك بشكل تدريجي، وعلى مراحل حتى يشعر المراهق بأمان كامل وثقة أكيدة، ومع ذلك الكثير من المراهقين لم ينجحوا بالبوح عن معاناتهم حتى جيل البلوغ أو أنهم لا يكشفون السر نهائيا، ذلك ما ألاحظه من خلال الوقائع والاعتداءات التي تطال هؤلاء الأطفال، وما اشارت اليه كذلك بعض الدراسات السوسيولوجية ،وفي حالات أخرى يلاحظ المقربون أن الطفل حدث له اعتداء دون أن يتحدث معهم في الموضوع بشكل مباشر، من خلال مشاهدتهم لبعض التغييرات النفسية والسلوكية المفاجئة عندهم ،وفي بعض الاحيان تلاحظ علامات جسدية كالجروح أو احمرار في منطقة الاعضاء الجنسية قد تسبب أوجاع للطفل.

يؤدي الاعتداء الجنسي على الطفل إلى بروز مشاعر صعبة تهدد كيانه السيكولوجي كالخوف من المعتدي، أو الشعور بالمسؤولية اتجاه الحدث، رغم أن مسؤولية الاعتداء تقع على المعتدين فقط ، وقد يشعر الطفل بالبلبلة وعدم فهم ما يحدث، لأن المعتدي أحيانا يستعمل أساليب لطيفة وجمل تعبر عن المحبة، قد يشعر أيضا الطفل بالخجل الشديد من كشف أعضائه أو من الحديث عن ذلك لاحقا، وفي حالات كثيرة يشعر الطفل برفض نفسه ويشعر بالذنب، وقد يشعر بالخوف الشديد من نتائج البوح كرد فعل لأهله أو التذنيب أو العقاب أو من دمار الأسرة خاصة إذا كان المعتدي أحد أفراد العائلة فهناك مجموعة من الاعراض الجسدية والعلامات النفسية والسلوكية المفاجئة التي تظهر على الأطفال الذين تعرضوا للتحرش الجنسي، ولا يصعب على الوالدين القريبين لابنائهما اكتشافها مع التنبيه إلى أن هذه الاعراض قد لا تكون بالضرورة ناتجة عن التحرش الجنسي ولكن وجود عامل أو أكثر ينم على حصول اعتداء جنسي أو أي مشكل أخر يحتاج إلى انتباه أو معالجة خاصة إلا أن القليل من الاطفال يعبرون لآلبائهم عن التحرش الممارس عليهم بالكلمات أو العبارات بل تجدهم دائما في قلق أو حيرة وتوتر وتفكير فيما يفعلون، وكيف يتخلصون من هذا الوحش البشري القذر، ولهذا ينبغي من الوالدين الحرص على الحوار مع الأبناء والجلوس معهم للاستماع بإيجابية، حتى نتمكن من تحصين أبنائنا من كل شر خارجي.

محمد شحيمط: باحث في مجال سوسيولوجيا الطفولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى