بقلم: الفاضل الرقيبي بينما كانت زاوية أهل بصيري ببني بوعياط، نواحي بني ملال، قبلة لعلماء ومؤرخين أتوا من مختلف بقاع العالم، للاحتفاء بالذكرى الخامسة والخمسين لانتفاضة العالم المغربي محمد سيد إبراهيم بصيري، المؤسس لحركة "الطليعة" لمقاومة الاستعمار الإسباني في الصحراء والنضال من أجل عودتها للوطن الأم، جمع إبراهيم غالي بقاعدة هداد العسكرية غرب الرابوني، حفنة من المتاجرين بمآسي الصحراويين، في مسرحية بئيسة حاول من خلالها، دون جدوى، أن ينسب محمد سيد إبراهيم بصيري لـ "بوليساريو". ولأن الغباء لا يقتل، كما يقول الفرنسيون، فإبراهيم غالي نسي، أو تناسى، أن انتفاضة العيون مرجع رمزي تفوق في عمرها "بوليساريو" التي لم يحدثها القذافي إلا في 1973، وهذا الفارق الزمني يعكس بجلاء أن الارتباط الروحي والسياسي والاجتماعي للصحراء بالمغرب ليس أمرا طارئا، أو نتاج قرارات فوقية، بل هو متجذر في ذاكرة الجماعات والأسر والزاويا، منذ قرون. ويجمع سكان المخيمات على أن فضيحة إبراهيم غالي هذه ما هي إلا دلالة أخرى عن عمق الأزمة التي تعيشها الجبهة منذ سنوات، فكلما استدعيت الحقيقة التاريخية، واجهت "بوليساريو" أزمة مصداقية حادة تجعلها تلوذ بالصمت أو تلجأ إلى تأويلات مغلوطة تنتج انفصالا جديدا، ليس عن المغرب فحسب، بل عن الوقائع أيضا، وقد بدت هذه المسرحية التي احتضنتها الرابوني أشبه بمحاولة سطحية للظهور الإعلامي أكثر من أنها فعل ذو بعد رمزي أو سياسي. فمنذ عقود، فشلت الجبهة في تقديم رواية متماسكة حول بصيري، لأنها تدرك جيدا أنه لا ينسجم مع سرديتها بل يفندها من الأساس، لأن انطلاقه من الرباط، التي يوجد مسكنه بها، إلى حد الآن، وعمله الصحافي بالبيضاء، قبل أن ينتقل، بتنسيق تام مع القوى الوطنية المغربية، إلى العيون للنضال من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية، تظل، رغم المرويات الكاذبة، حقيقة تاريخية، كالسراج في العتمة، تهدي الباحثين عن النور، وتفضح المزيفين، مؤكدة أن بصيري لم يكن سوى رجل مغربي وطني نذر نفسه لتحرير أرضه من الاستعمار، وإعادتها إلى حضن الوطن، ولم تكن له أجندات انفصالية، ولم يطرح يوما مشروع "الدولة الصحراوية". إن من يتأمل في رمزية الاحتفال في زاوية بصيري ببني ملال يدرك أنه أمام رسالة مزدوجة، من جهة، تأكيد لمغربية الرجل والأرض، ومن جهة ثانية، دحض صارخ لسردية "بوليساريو"، التي تحاول، منذ عقود، اختطاف رموز الصحراء، وضمها قسرا إلى مشروعها الانفصالي. فما معنى أن يكون محرك المقاومة الأول ضد الاستعمار الإسباني مغربي المنشأ والمنبت؟ وما معنى أن يكون استشهاده تم على يد سلطة استعمارية، دون أن تدافع عنه "بوليساريو" في أي مرحلة لاحقة؟ ببساطة، المعنى الوحيد هو أن مشروع بصيري كان مغربيا خالصا، وأن ادعاء تبنيه من قبل جبهة لا تشاركه الخلفية، ولا المرجعية، ليس إلا تزوير للذاكرة الجماعية. ففي 1974، حين اختطفت "بوليساريو" جنودا إسبانيين، وبدأت تفاوض سلطات مدريد عليهم، لم تطرح الجبهة على الإطلاق موضوع اختفاء بصيري، ولم تتطرق إليه في أي مرحلة تفاوضية، وهو أمر مثير للتساؤل، إذ كيف لجبهة تدعي تمثيل "الشعب الصحراوي" أن تتجاهل أبرز شخصية مقاومة في تاريخ الصحراء؟ لكن السبب واضح، وهو معرفتها التامة أن بصيري لم يكن انفصاليا، وأن أي حديث عنه سيفضح زيفها ويكشف حجم الخلل في سرديتها، بل إن حتى السلطات الإسبانية، وفق وثائق تاريخية نشرها مؤرخون إسبان في سنوات لاحقة، لم تعتبر يوما بصيري زعيما انفصاليا، بل وصفته، في تقاريرها الأمنية، بـ"الوطني المغربي"، وهو ما جعل "بوليساريو" تحاول طمس هذه الحقيقة المزعجة من خلال تسويق سردية مضللة في المخيمات، تظهر بصيري رائدا للتحرر الصحراوي، دون الإشارة إلى مغربيته الصريحة ولا إلى المشروع الوحدوي الذي نادى به. إن غياب السند التاريخي لدى "بوليساريو" دفعها إلى نسج حكايات لا سند لها، تحاول من خلالها بناء "تاريخ بديل" للصحراء، وهو ما يشبه سلوك التنظيمات الشعبوية والدعائية، التي تختلق بطولات وأحداثا من العدم، لتأطير مشروع سياسي هش، فـ "بوليساريو"، التي ولدت من رحم الحرب الباردة، والصراعات الإيديولوجية، لا تملك أي استمرارية تاريخية، لا في الثقافة ولا في السياسة، الأمر الذي جعلها تحاول، بشكل مضن، اختطاف رموز حقيقية كمحمد سيد إبراهيم بصيري، لكن دون نجاح، فالتاريخ لا يصنع على الورق بل يبنى بالحقائق والدماء والمواقف.