fbpx
حوار

لمهاجـري: العثمانـي همـش السياسـة

رئيس لجنة الداخلية بمجلس النواب قال لـ “الصباح” إنه لا يمكن الوثوق بحزب أغلبي يقدم كل التنازلات لصالح التقنوقراط

حققت مداخلة هشام لمهاجري، القيادي في “البام”، رئيس لجنة الداخلية بمجلس النواب، لمناسبة مناقشة قانون المالية التعديلي، نسبة مشاهدة واسعة، بسبب ما حملته من انتقادات لاذعة للحكومة.
في هذا الحوار، يتحدث لمهاجري عن سلبيات المشروع نفسه، ومستقبل حزبه وقرار وزارة الداخلية إجراء الانتخابات في موعدها، وقضايا أخرى تهم الدولة والمجتمع والحياة السياسية.
في ما يلي نص الحوار.

أجرى الحوار: عبد الله الكوزي

< وجهتم انتقادات لاذعة لما جاءت به الحكومة في قانون المالية التعديلي، إلى درجة أن مداخلتكم وزعت على نطاق واسع عبر وسائط التواصل الاجتماعي والتراسل الفوري. كيف وجدتم ما جاءت به الحكومة؟
< ما أتت به الحكومة أقل بكثير مما تستوجبه اللحظة التاريخية، وأقل من الروح التي سادت بلادنا، منذ أول لحظة، أمر فيها جلالة الملك بإحداث صندوق خاص بتدبير الجائحة.
كنا ننتظر مشروع قانون مالية معدلا ومبنيا على وضوح الرؤية وحاملا لإجراءات متوازنة، تستحضر كل مكونات المجتمع، وتنهض بالقطاعات الاقتصادية المتضررة، وتحمي الفئات الهشة، وتعزز الثقة بأننا سنخرج من هذه الأزمة أقوى في القطاعات الأساسية، نظير الصحة والتعليم، لكن ذلك لم نلمسه في المشروع الذي عرض علينا، لتبقى الأسئلة معلقة حول الأسباب التي تجعل تفاعل الحكومة مع الموقف الحالي، مرتبكا وفيه كثير من التردد غير المبرر.

< أين يكمن هذا التردد؟
< في تدخلي، طرحت ملاحظات واضحة، وقدمت تساؤلات كثيرة لم أتلق عنها أي جواب. ويكفي أن أعيد هنا بعضها، متمنيا أن تعينوني إذا كنتم على علم بأجوبة منطقية: لماذا لم تتم مكافأة نساء ورجال الصحة العمومية على مجهوداتهم وتضحياتهم؟ الشيء نفسه بالنسبة إلى أجهزة الأمن والإدارة الترابية، التي كانت في الصفوف الأمامية. ماذا تقرر لقطاع السياحة؟ ماذا عن الأنشطة التجارية الصغرى وأصحاب المهن الذين توقفوا عن العمل في الصناعة التقليدية، وفي المقاهي والمطاعم، والحمامات؟ ماذا عن أبناء الطبقات الوسطى الذين تركتهم الحكومة يواجهون لوبي المدارس الخصوصية، ويسددون تكلفة خدمات لم يستفيدوا منها؟ ماذا عن القدرة الشرائية التي ستنهار لدى فئة كبيرة ممن فقدوا مناصب الشغل؟

< ألا تعتقدون أن الظروف أقوى من قدرة الحكومة، وأن الأزمة فعلا غير مسبوقة وهامش الحركة ضيق للغاية؟
< لا ينكر أحد أن ما نحن في سياقه الآن أقوى حتى من أزمة 1929، وأن طابع المفاجأة قلص القدرة على التحرك في كل دول العالم. ولكن، في الوقت نفسه، نحن نعرف أن واقعنا فيه مساحات وهوامش لتعبئة موارد إضافية لو توفرت الإرادة السياسية لذلك.
هناك قطاعات استفادت، في ظروف سابقة، من عدة إجراءات تفضيلية ومن دعم الدولة، وهي الآن قطاعات بوضعية مالية جيدة، وتحقق أرباحا هامة. نحن نعتقد أنه بإمكانها المساهمة في مجهود تعبئة موارد عمومية إضافية، من خلال مساهمات ضريبية يمكن أن تشمل فقط هذه السنة والسنة المقبلة، كي تتوفر للدولة وسائل مجابهة الطلب الاجتماعي القوي. وبعد أن تستتب الأمور، وتعود عجلة الاقتصاد للدوران بشكل عاد، يمكننا أن نراجع الزيادات الاستثنائية التي قد نتفق عليها الآن.
هناك أمر آخر. كيف يمكن ألا نقرر الآن، وفورا، تأهيلا شاملا لواقع الصحة العمومية بكل الجهات من خلال برنامج وطني شامل تحدث بموجبه مراكز استشفائية جامعية بكل جهة لا تتوفر على مثل هذه المؤسسات، ويتم اعتماد تأهيل منظومة أجور محفزة للأطباء والممرضين وتقنيي المختبرات؟
المنطق نفسه نجده في قرار الحكومة تقليص هامش تحرك مجالس الجهات والجماعات الترابية، الذي سيكون كارثيا على المجالس التي تحتضن مناطق مهمشة وفقيرة، وليست بها تجهيزات كافية وتحتاج، في هذا الظرف، أكثر من أي وقت سابق، لموارد إضافية كي تخفف عن المواطنين الضيق الذي هم فيه. كيف يعقل أن يتم تقليص نفقات المجالس الجماعية بشكل شامل سيؤثر على أفقر المناطق؟

< كيف سيدعم مشروع القانون المالي المقاولات الوطنية؟
< هنا أيضا، رأينا الأرقام التي نشرتها الحكومة، ولكن قطاعات كثيرة تنتظر حلولا عملية. وأظنها ستنتظر كثيرا، ولن تجد أمامها سوى ما تسميه الحكومة تسهيلات للحصول على قروض بنكية قد لا يستطيع الجميع الاستفادة منها أو تحمل تكلفتها.
كنا نود أن نلمس توجها حقيقيا لإحداث تعبئة حول مفهوم الأفضلية الوطنية، وما زلنا، إلى حدود الساعة، ننتظر تحديد طبيعة المقاولة الوطنية التي تتحدث عنها الحكومة، وكيف ستعطى لها الأولوية في الصفقات العمومية، خصوصا حالة المقاولات المتوسطة. كما ما زلنا ننتظر نوع الإجراءات التي ستشجع المستهلك على اختيار المنتوج الوطني دون غيره، وننتظر إبرازا حقيقيا للمنتوج الوطني.

< ماذا عن التدابير الموجهة للفئات الفقيرة في هذا المشروع؟
< سأجيبك بسؤال: هل وجدت فعلا ما يستحـق أن نسميـه تدابير خاصة بالفئات الفقيرة؟ أنا دائما أقول إن هذه الحكومة لا تتوفر على رؤية مندمجة لمحاربة الفقر، وربما مازالت، إلى حدود الساعة، أي بعد ثماني سنوات من التدبير، لا تعرف بالضبط طبيعة الفقر في بلادنا، وتوزيعه الجغرافي، وأشكاله ودرجاته، والفئات المعنية به. لذلك، كل شيء معلق إلى أن يخرج السجل الاجتماعي إلى حيز الوجود، ثم بعد ذلك سيكون كلام آخر سنساهم به في حينه.
للأسف، هذه الحكومة تحدثت كثيرا عن محاربة الفقر، ولم تحارب أسبابه، وكل الظواهر المشينة التي تؤدي إليه. كما تحدثت عن الإصلاح، ولم ير المواطنون إصلاحا، حتى أصبح كثيرون يكرهون هذا المصطلح، لأنه أفرغ من محتواه من قبل أحزاب باعت الوهم للمغاربة، واستغلت طيبوبة الناس، والتزامهم الهوياتي لتمارس النصب باسم أشياء كثيرة.

انتخابات 2021 في موعدها

إن إعلان وزير الداخلية أن الانتخابات المقررة في 2021، ستجري جميعها في موعدها المحدد قرار جيد، لأن الأزمة لا يجب أن تمس الاختيار الديمقراطي، وهو من ثوابتنا الوطنية، ولا يجب أن تلغي أن أصل الممارسة السياسية هي أحزاب قوية وذات تمثيلية شعبية تتحقق من خلال الانتخابات، وعبر التأطير السياسي المستمر للمواطنين، وتلعب دور الوساطة السياسية بين المجتمع والدولة. غير ذلك، سنفتح المجال أمام ممارسة سياسية عبثية ترتكز على الاحتجاج غير المنظم، والتواصل عبر الشبكات الاجتماعية.
لذلك، يجب أن نسير للانتخابات، ويلزم أن تنجح بمشاركة جماهيرية واسعة، وبتدافع بين برامج واضحة، ويجب أن تكون النتيجة ما سيحكم به المواطنون على أداء الحكومة، وكل الأحزاب المشكلة لها، وكذا أداء أحزاب المعارضة.

خطيئـة الحكومـة

يجب الانتباه إلى خطر حقيقي، رأيناه كيف عاد ليتمدد خلال أزمة الجائحة، من خلال ارتكاب الحكومة لخطيئة كبرى بتغييب الفاعل السياسي، مقابل إطلاق العنان للفاعل التقنوقراطي على مستوى الحكومة ليقرر، بمنطقه المقاولاتي البعيد عن أساسيات تدبير الشأن العام ومبادئ نموذج الدولة الراعية والاجتماعية، التي اتفقنا عليها دستوريا. ويتضح ذلك جليا، سواء قبل الجائحة أو أثناءها، من خلال تشجيع توجه جديد داخل الدولة يرمي إلى خوصصة أشكال التدبير العمومي، والإكثار من تحويل الإطار القانوني المنظم لعدد من آليات التدخل العمومي لتصبح مقاولات تشتغل بمنطق بعيد عن منطق الخدمة العمومية.
لقد سبق لي أن انتقدت مباشرة وزير الاقتصاد والمالية بشأن مثل هذه القرارات، وقلت له إن عليه ألا ينسى أنه الآن يدبر موقعا في الدولة وليس في مؤسسة بنكية. وإذا استمر بهذا المنطق، سننتهي بخوصصة الإطار القانوني لآليات التدخل العمومي، وإبعادها عن السلطة التشريعية.
وأمام صراعات مكونات الأغلبية، وحروبها الإعلامية والاتهامات التي لا تشرف العمل السياسي ببلادنا، كنت أتمنى لو أجرينا، قبل سنة أو سنتين، انتخابات سابقة لأوانها، حتى نمنح الفرصة للمغاربة بتصحيح الاختيار، وفتح الباب أمام عمل سياسي عقلاني يرتكز على الكفاءة.

البديل السياسي

< لنتحدث عن البديل السياسي الذي يمكن المراهنة عليه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. أنتم نائب برلماني وعضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة. هل ترون في حزبكم ذلك البديل المنتظر، خصوصا أننا نرى وضعية الحزب، وأين وصل بعد صراعات أجنحة أنهكته، وأكلت من رصيد الصورة التي كانت لديه؟
< أعتقد أن ما تسميه تآكل رصيد الصورة التي لدى "البام"، لا يمكن إثباته إلا من خلال إبداء الناخبين لرأيهم، عبر انتخابات ديمقراطية، أما غير ذلك، فمجرد تكهنات تستند إلى قراءة إعلامية لوضع تنظيمي أكثر منه معطيات مضبوطة عن مزاج الرأي العام.
صحيح أن حزب الأصالة والمعاصرة يعرف، منذ مدة، مشاكل تنظيمية سبقت المؤتمر الوطني الرابع، ولكن لا يمكن تقييم التغيير الذي جلبه المؤتمر الوطني الرابع إلا بعد استكمال هيكلة الحزب وتشكيل مكتبه السياسي، وانعقاد دورة المجلس الوطني، لتقييم المرحلة التي دبرها الأمين العام بشكل فردي، خلال فترة الطوارئ الصحية، والتداول بشأنها والحسم في تبني القرارات التنظيمية والسياسية التي تمت، أو العدول عنها وتصحيحها. وكذا وضع التصور السياسي الشامل لمستقبل الحزب، وتحديد تحالفاته وتموقعه السياسي في المرحلة المقبلة، بعيدا عن أي ارتجالية أو تسرع، مع احترام الورقة السياسية للحزب خلال مؤتمره الأخير، واحترام نبل القيم التي تأسست عليها التجربة.
حزب الأصالة والمعاصرة مؤهل لأن يقوم بدوره السياسي، وأن يحتضن الكفاءات الحقيقية، والوجوه التي يمكن أن تحظى باحترام لدى المغاربة، ولديه منتخبون يمتلكون شرعية انتخابية وشعبية حقيقية في دوائرهم، ومن يستهين بكل ذلك سيخيب ظنه.

هـل "البـام" قـادم؟

إن الطموح الذي يستحق أن ننخرط فيه أكبر، ولا أرى المستقبل فقط من خلال مساهمة "البام"، أو ما سيقوم به لوحده. أنا أتمنى صحوة سياسية مشتركة تتيح تنسيقا إستراتيجيا لكل أحزاب المعارضة، وحتى لبعض الأحزاب التي أخطأت بالوجود في صف الأغلبية الحكومية الحالية، كي نسير إلى المواطنين برؤية موحدة وفريق من الأطر والسياسيين والكفاءات التي تحظى بالثقة لنخلق ذلك الزخم السياسي والشعبي، الذي يمكنه إلحاق الهزيمة بالحكومة وأحزابها في 2021.
لا يمكن تغيير الواقع إلى الأفضل بحزب بنى كامل تصوره لتدبير الشأن العام على خطاب تبخيس عمل المؤسسات والإدارة، والطعن في النوايا، وتهميش الكفاءات الوطنية، مقابل تعيينات للمريدين والأتباع على حساب مصلحة الدولة، وما يحتاجه الواقع من ربط للكفاءة بالاستحقاق، وربط للمسؤولية بالمحاسبة، واتخاذ كل القرارات التي تمنع حدوث الإصلاح الحقيقي، كما رأينا في موضوع صندوق المقاصة وفي ملف صناديق التقاعد.
لا يمكن الوثوق بحزب أغلبي يقدم كل التنازلات لصالح الفاعل التقنوقراطي ومن يدعمه، فقط مقابل الاستمرار في ترؤس الحكومة والاستفادة من الامتيازات والتعويضات، وترتيب المستقبل المهني للأتباع بمنطق اختراق الإدارة، وإحداث دينامية تدبير مواز للشأن العام، بمنطق حزبي فئوي، عوض منطق واحد يتيح الإقلاع الشامل الذي ينشده المغاربة لتأهيل بلادهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى