fbpx
ربورتاج

حبل المشنقة يلف أشجار “البلدية”

مشروع تهيئة حديقة محمد بن عبد الله بالبيضاء يفجر مواجهة بين السكان والسلطة

ارتبط اسمها بأحداث بارزة من تاريخ المغرب. على أرضها غنى الحسين السلاوي وكبار “الحلايقية ” خلال القرن الماضي، كما ترددت عليها أسماء من قبيل المعطي بوعبيد وبيتشو والطنطاوي والعلمي وآخرون، كانت شاهدة على أول رصاصة مقاومة أطلقت بعد نفي محمد الخامس. إنها حديقة البلدية الشهيرة بدرب السلطان التي عادت إلى الواجهة، بعد أن حاولت السلطات المحلية تنفيذ مشروع لتهيئة الساحة التي توجد الحديقة بها، وتتضمن تفاصيله فكرة الإجهاز عليها من أجل تنقيل محلات الجزارة والشواء إلى مكانها. في هذا الربورتاج تنقل إليكم “الصباح” بعضا من أجواء التشنج الذي تسبب فيه القرار ومختلف آراء المتدخلين في الموضوع.

إنجاز : عزيز المجدوب / تصوير (عبد الحق خليفة)

عادت الحياة من جديد لتدب تدريجيا بحديقة درب البلدية التاريخية بساحة سيدي محمد بن عبد الله بدرب السلطان، خاصة بعد الأيام الأولى لتخفيف الحجر، الذي أعلنت عنه الحكومة منذ أسابيع.
كانت الحديقة في ما قبل محط إهمال لدرجة أن جل العابرين من زنقة مولاي اسماعيل، التي تفصل الحديقة عن محلات الجزارة والشواء، التي تتقاسم معها الساحة، كانوا يبدون تأففهم من الوضعية التي آلت إليها، خاصة بعد تراكم الأزبال ومخلفات المطاعم على جنبات الطريق، كما تحولت مع مرور الوقت إلى مرتع للمتشردين.
ولحسن الحظ لم يبق الوضع كما هو عليه، إذ سرعان ما اكتست الحديقة حلة جديدة، بعد أن انبرى لها شباب من أبناء الحي ليعيدوا إليها نضارتها وشبابها، بعد أن خلصوها من الأزبال التي تراكمت عليها، وشرعوا في تشذيب عشبها وإعادة طلاء رصيفها وتزيين أشجارها، ضمن ورش بيئي خلال فترة الحجر، لتستعيد جزءا من بهائها المفقود، سيما أنها تعد من أقدم الحدائق بالعاصمة الاقتصادية، إذ يفوق عمرها مائة سنة، وارتبط وجودها بميلاد حي البلدية مطلع عشرينات القرن الماضي.
وفي غمرة هذا التحول الجميل، فوجئ مرتادوا الحديقة، أخيرا، بشاحنات تحل بها على حين غفلة، ويشرع عمال في وضع سياجات قصديرية حولها، استعدادا لإقامة مشروع على أرضية الحديقة التي ارتبطت بجزء كبير من ذاكرتهم، وشكلت لهم متنفسا ومرتعا للصبا على امتداد أجيال، وهو الأمر الذي أثار حفيظتهم وجعلهم يتصدون لعملية التسييج ويحولون دون إتمامها، بل أرغموا السلطات على سحب سياجاتها.
كثر اللغط ووجد الغاضبون أنفسهم مضطرين للاحتجاج في وجه السلطات، وفي الوقت نفسه الامتثال لإجراءات الحجر، التي قالوا إن المسؤولين استغلوها لتنفيذ مخطط إعدام الحديقة في غفلة من الجميع.
يتعلق الأمر بمشروع إعادة تهيئة ساحة سيدي محمد بن عبد الله، الذي أطلقته مقاطعة مرس السلطان، بتعاون مع جهة البيضاء سطات، وتحت إشراف عمالة الفداء مرس السلطان، وهو المشروع الذي ظل يراوح مكانه بين ردهات الإدارات والمصالح لمدة ناهزت عشر سنوات، قبل أن يحين تنفيذه.
ويرتكز هذا المشروع، حسب ما صرح به مصدر من مجلس مقاطعة مرس السلطان، في حديث مع “الصباح”, على إعادة تنظيم وتهيئة ساحة سيدي محمد بن عبد الله وتنقيل محلات الجزارة والشواء من المكان الموجودة فيه حاليا، إلى فضاء سيتم تشييده مكان الحديقة، عبارة عن بناية مكونة من طابق أرضي به مرأب سيارات والطابق الأول يشتمل على محلات الجزارة، فيما تحتل محلات الشواء طابقه الثاني، في الوقت الذي سيتم تحويل المكان الأصلي للمنقلين، إلى ساحة تتوسطها نافورة.
كانت هذه هي ملامح المشروع كما هي مرسومة على الورق، وكما تمت المصادقة عليها في إحدى دورات مجلس المقاطعة، خلال الولاية السابقة، إلا أنه لا أحد من المنتخبين أو المسؤولين المحليين كلف نفسه عناء التواصل مع السكان وإشراكهم في حيثيات الموضوع، كما يقول يوسف زكي أحد أبناء الحي.
ويضيف، فوجئنا جميعا بالمقاول وهو يقتحم المكان رفقة آلياته، دون أن يضع حتى يافطة تعرّف بالمشروع وبالمقاولة التي تشرف عليه، وهو ما يكاد ينجم عنه اصطدام مباشر مع السكان، الذين يرفضون جملة وتفصيلا الإجهاز على المتنفس الوحيد الذي يحيون به، في ظل الإعدام المتواصل للمساحات الخضراء بالعاصمة الاقتصادية عموما، ومنطقة درب السلطان على وجه التحديد.
انفجر الوضع بمواقع التواصل الاجتماعي، وأنشئت صفحات وعرائض تنديدية معارضة للمشروع الذي رأى فيه أغلب أبناء درب البلدية، استهدافا لمعلمة تاريخية ارتبطت بذاكرة المكان، وشكلت جزءا من روحه وهويته.
وفي المقابل وعلى أرض الواقع، التأم شباب الحي، وشكلوا في ما بينهم ما يشبه لجنة يقظة، ظلت تسهر على مراقبة الحديقة والعناية بها، والحيلولة دون أي تطاول عليها، وهو الأمر الذي عاينته “الصباح” ميدانيا، من خلال مشاهد الشباب المرابضين بالحديقة تحسبا لأي تطورات.

السلاوي وساسبو من رواد الساحة

يقول حسن واعرب، أحد أبناء الحي، إن حديقة ساحة سيدي محمد بن عبد الله، شاهدة على العديد من المحطات المهمة بتاريخ المغرب، كما كان فضاؤها يحتضن أشهر الحلايقية والفنانين، على رأسهم الراحل الحسين السلاوي الذي كان يحط بها الرحال منذ أواسط الثلاثينات، وبوجمعة الفروج وانعينيعة إضافة إلى الروايس الذين كان يتقدمهم الرايس ساسبو الذي كان يقيم قريبا من الساحة، فضلا عن تردد فنانين آخرين عليها في بداياتهم مثل عمر الطنطاوي وإبراهيم العلمي وأحمد جبران وغيرهم. أما الإعلامي عمر عزيز السملالي فتحدث عن شخصيات أخرى نشأت وترعرعت قريبا من الساحة وعلى ضفافها منهم الراحل المعطي بوعبيد والقاضي نيازي، أحد قادة حزب الشورى والاستقلال خلال فترة الخمسينات، فضلا عن نجوم كروية كانت تتردد عليها، مثل الراحل مصطفى شكري الشهير ب”بيتشو” وحميد بهيج ومصطفى باموس وغيرهم.
وتحدث السملالي عن جانب آخر من تاريخ الساحة، مؤكدا أن أول رصاصة مقاومة أطلقت بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس، كانت بهذا الفضاء من مسدس للمقاوم رستم وجهها إلى أحد المتعاونين مع السلطات الاستعمارية، كانت مقدمة لاندلاع مسلسل المقاومة المسلحة، الذي كان حي درب السلطان بمثابة المعقل التاريخي لها.

تضارب في الآراء

وبعيدا عن هذا الجانب التاريخي والشخصيات، التي ارتبطت بالفضاء، حاولت “الصباح” الوقوف على حيثيات الموضوع راهنا، وفي هذا الصدد كشف محمد سلامي، عضو مجلس مقاطعة مرس السلطان، أن مجلس المقاطعة صادق، في ولايته السابقة، فعلا على مقرر إعادة هيكلة الساحة، وأن الفكرة التي كانت مطروحة في البداية، هي إخلاء محلات الجزارة وإعادة بنائها وفق تصميم جديد يراعي جمالية المكان وينسجم مع الهوية المعمارية للمباني المشكلة لهذا الفضاء التاريخي.
ويضيف سلامي أنه كانت هناك جلسات واجتماعات ماراثونية مع المهنيين، خاصة مستغلي محلات الجزارة، الذين تم إحصاؤهم، وتحديد من له الحق في الاستفادة من المشروع الجديد، إلا أنه تم الاصطدام بواقع آخر يتعلق بطبيعة ملكية المحلات التي تتراوح ما بين الملك الجماعي والملك الخاص، وهنا كان انقسام في المواقف بين الرافضين والمتحمسين للمشروع.
وكشف العضو الجماعي أن فكرة نقل المحلات إلى الحديقة لم تكن مطروحة، بل كان مطروحا أن يتم تشييد المشروع في المكان الحالي ل”السماط”، أي مكان الجزارة والشواء، فكان هناك اقتراح على المهنيين بإخلاء المكان لمدة معينة إلى حين الانتهاء من المشروع، إلا أنهم أبدوا مخاوفهم من أن يطول أمد الأشغال ويظل مصيرهم معلقا.
من جانبه تحدث مصطفى مفضال، عضو مستشار بمجلس المقاطعة نفسها، من خلال “لايف” مطول عبر صفحة فيسبوكية، عن وجهة نظر أخرى بخصوص الموضوع، وهو أنه فعلا سيتم نقل محلات الجزارة والشواء إلى مكان الحديقة، وأن المشكل بالأساس كان مشكل تواصل المسؤولين مع السكان، وأنه كان بالإمكان تفادي هذا التشنج وسوء الفهم، وإيجاد صيغة توافقية تساهم في إيجاد حل لهذا الوضع لو كان هناك وضوح وتواصل، لأن المشروع، في اعتقاده يتضمن جوانب إيجابية، من شأنها أن تمنح للساحة روحا أخرى.
كما تحدث مفضال عن مراحل تطور المشروع، منذ اقتراحه والمصادقة عليه، وتمويله من قبل مجلس جهة البيضاء سطات، ورفضه من قبل الوكالة الحضرية، بحكم أنه تضمن تحويل مساحة خضراء إلى سوق ومحلات تجارية، قبل أن تصادق على المشروع في دجنبر الماضي.
في المقابل تساءل العديد من السكان، في شهادات متطابقة، عن سر إصرار أصحاب المشروع على إقامته على أرض الحديقة، في الوقت الذي كان بالإمكان إنجازه في المكان نفسه الذي يضم محلات الجزارة والشواء، دون المساس بالحديقة، وهو الأمر الذي اعتبروه مقترحا بديلا يحفظ للمكان هويته ويحافظ على المتنفس الوحيد المفتوح أمامهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى