fbpx
حوار

القادري: الأحزاب غيبت دورها في تأطير الشباب

الاستقلالي أحمد القادري لـ “الصباح” : لم أمت سياسيا وما زلت أنهل من فكر ومبادئ علال الفاسي

أحمد القادري رئيس جماعة المعاريف بالبيضاء، الاستقلالي الذي دخل غمار السياسة بعد الاستقلال، وشارك في أول انتخابات جماعية بعد صدور ظهير 1976، يحمل في ذاكرته أشياء كثيرة، ويتذكر
في حوار مع “الصباح” بعض جوانبها وشخصياتها، كما يروي جزءا من سيرة رجل قضى 36 سنة في التدبير الجماعي، كما كان له حظ المشاركة في البرلمان بعد المسيرة الخضراء وقضى بعد ذلك 20 سنة به….  

كنتم من جيل الاستقلال الذي دخل غمار السياسة، ترى ما هي المحطات الأساسية التي مررتم منها سيما أنكم انتخبتم في أول انتخابات نظمت عند صدور الميثاق الجماعي سنة 1976.
لا بد أن أشر أولا إلى أن ذكرى  18 نونبر التي تؤرخ لعيد الاستقلال، تصادف أيضا مناسبة أخرى تؤرخ لذكرى المسيرة الخضراء المنظمة في سادس نونبر 1975، التي تزامنت مع الخطاب الملكي التاريخي الذي دعا فيه الحسن الثاني رحمه الله، إلى مغرب جديد، والذي انطلقت توجهاته بالفعل الملموس لتعميق الديمقراطية، إذ بعد المسيرة الخضراء بظرف وجيز، خرج ظهير شتنبر 1976، المتعلق بالمجالس المنتخبة الذي منحت فيه الجماعات المحلية اختصاصات تتعلق بالشرطة الإدارية، فقبل ذلك كان للمجالس المنتخبة دور استشاري. هذا التحول شكل طفرة أساسية لتعميق التوجه الديمقراطي، فكانت أول انتخابات في 8 نونبر 1976، وقسمت حينها الدار البيضاء إلى خمس جماعات (آنفا وعين الشق وعين السبع ومرس السلطان وجماعة ابن مسيك سيدي عثمان)، شاركت فيها أحزاب المعارضة، كما أنها في البيضاء دفعت بجيل الشباب للانخراط في السياسة، وهذا الدفع تأسس على رغبة قوية لرجال الحركة الوطنية حتى يسهم الشباب في انتخابات المجالس البلدية وفي التحولات التي يعرفها المغرب.

نعم كانت تلك أجواء عامة لكن ماذا بالنسبة إلى أحمد القادري؟
من هنا، جاءت أول مشاركة سياسية لي، إذ انتخبت ضمن مرشحي دائرة عين الشق التي تضم أيضا في خريطتها الترابية  المعاريف والحي الحسني وجزءا من الفداء. وكانت تضم 39 دائرة انتخابية، بمعني أن المجلس البلدي يضم 39 عضوا. وباسم حزب الاستقلال دخلت أول مرة في أول تجربة غمار الانتخابات البلدية بدائرة المعاريف امتداد، ومنذ ذلك الحين وأنا عضو بجماعة المعاريف، إذ في 8 نونبر الجاري، أكملت 36 سنة بدون انقطاع في عضوية جماعة المعاريف، كنت خلالها رئيسا لولايتين 2003 و2006، ونائبا للرئيس، بعد أن كنت في انتخابات 1976 عضوا فقط. كما تمكنت من دخول مجلس النواب في الانتخابات التي نظمت بعد ذلك، أي الانتخابات التشريعية لأكتوبر 1977، التي تشكل منها أول مجلس برلماني بعد المسيرة الخضراء المظفرة والدعوة إلى تأسيس مغرب جديد التي اشار إليها الحسن الثاني في محاولة لخلق جو من الانفتاح بعد حالة الاستثناء والتعديل الدستوري.
واستمررت في ممارسة مهامي البرلمانية طيلة 20 سنة، من سنة 1977 إلى 1997، بينما اشتغلت بعد ذلك منتخبا في مجلس المستشارين، أي من سنة 1997 إلى 2009، وتقلدت مهام منها نائب الرئيس وعضو لجنة العدل والتشريع، كما شاركت في الاتحاد البرلماني الدولي منذ غشت 1978 واستمررت في هذا العمل إلى سنة 2009، وأيضا نائبا لرئيس لجنة الديمقراطية وحقوق الإنسان وبعد ذلك انتخبت نائبا لرئيس الاتحاد البرلماني الدولي وكانت كلها مسيرة عطاء ودفاع عن وحدة الوطن والأهداف العامة.

 ترى ما هي المحطات التي مازالت ملتصقة بذاكرتكم خلال هذا المشوار الطويل؟
من خلال هذه التجربة والممارسة كانت هناك محطات أساسية، أبانت مواقف مختلفة تكرس الروح الوطنية التي تربيت فيها كتلميذ لعلال الفاسي، وهي التربية نفسها التي كانت تلعب فيها الحركة الوطنية دورا كبيرا، من خلال التأطير والتوجيه، الشيء الذي لا نلمس له اليوم أثرا على أرض الواقع.
فالقادري منذ نعومة أظافره تربى في بيت استقلالي كانت تجتمع فيه خلايا الحزب في بدايات المواجهة مع المستعمر الفرنسي، سيما إثر امتداد عدوانه إلى رمز البلاد الراحل محمد الخامس، فمن منزل الوالدين الشبيه بالمدرسة إلى التنظيمات الحزبية الشبيبة الاستقلالية ثم الكشفية الحسنية وفي سنة 1963 خضت غمار المسؤولية في الشبيبة الاستقلالية بمكناس مسقط رأسي، وجاءت الانتخابات البرلمانية الأولى لسنة 1962، التي ترشح فيها بمكناس الراحل عبد الرحمان بادو، والد الاستقلالية الوزيرة السابقة ياسمينة بادو، ونافس فيها الراحل الدكتور محمد بنهمية. وكان لأطر الشبيبة الاستقلالية الذين كنت من بينهم، دور كبير في الحملة الانتخابية لصالح مرشح الحزب، ما انتهى بفوز ساحق لوالد ياسمينة بادو. ومن خلال تجربتي في الحملة الانتخابية، فإن المغاربة كانوا يرفضون مخاطبتهم في الماديات سيما أن مرشحين آنذاك استعملوا معلبات الحليب المجفف التي كان يطلق عليها “حليب ميريكان” وسيلة للإغراء على بساطتها، وكانت تشكل استياء كبيرا لدى المواطنين الذين يعتبرونها مسا بالذمم وإهانة.

وبعد ذلك ماذا حدث؟
بعد 1963 تدرجت في التنظيمات الموازية للحزب، إذ بعد الحصول على الباكلوريا في 1966 انضممت إلى الاتحاد العام للطلبة الاستقلاليين بكلية الحقوق بالرباط، وكان من ضمن الأساتذة الزعيم علال الفاسي، الذي يعود له الفضل في صقل المواهب السياسية وتكوينها، إذ عمل على تأطير مجموعة من الأطر التي جاءت بعد الاستقلال والتي ظلت ركائز الحزب إلى الوقت الحالي.
وشكل الانتماء إلى الاتحاد العام لطلبة المغرب، التي كان ينشط في الجامعة إلى جانب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المشكل من فصائل اليسار، فرصة لصراعات فكرية ومشاحنات لم تكن تصل إلى الاعتداء أو القتل بالحرم الجامعي، وتدرجت في التنظيم الطلابي إلى أن انتخبت رئيسا للاتحاد العام لطلبة المغرب في الموسم الجامعي 1967 \1968.

كيف كان الراحل علال الفاسي يعامل شبيبة الحزب؟
أتذكر أنه عندما كنت رئيسا للاتحاد العام لطلبة المغرب أن الزعيم علال استدعاني بصفتي تلك، وطلب مني مرافقته إلى تطوان التي كانت له فيها لقاءات مع مناضلي الحزب وأخرى مع المواطنين. وكانت الزيارة في شهر رمضان، إذ التحقت به صباحا ورافقته على متن سيارته، لأجلس بجانبه طيلة المسافة، وكانت المسافة الطويلة مناسبة للتعرف على فكر متنور وتنموي، إذ عند الوصول إلى منطقة الغرب أشار إلى قرى نموذجية وقال لي إنها كانت مطلبا للحزب عندما كانت وزارة الفلاحة مسندة إليه، وذلك من خلال إستراتيجية تهدف إلى تجميع سكان القرى في قرى نموذجية لتسهيل ربطهم بالتجهيزات الضرورية وتمكينهم من خدمات التمدرس والتطبيب وغير ذلك، وهو ما يسهم في تكوين بنيات قادرة على النهوض بالزراعة والقضاء على مشكل الهجرة.
وأتذكر أيضا أن علال الفاسي كان يتحسر على عدم تنفيذ المخطط، سيما أن الحزب كان يرفض أن يتحول قطاع الفلاحة إلى إقطاعيات على حساب الكادحين البسطاء.
أشياء كثيرة أتذكرها عن علال الفاسي مست جوانب مختلفة من حياتي، سواء من خلال اللقاءات التي كان ينظمها ويشرف عليها أو عند التصاقي به في زيارة تطوان التي عاينت فيها إسهام الرجل وقدرته على العمل والعطاء، في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة البورجوازية التي كانت تعمل على تكديس المال والجري نحو مصادره.
بعد ذلك جاء مؤتمر الحزب الذي كان بعد حالة الاستثناء وبعد الخطاب التوجيهي لعلال الفاسي، وهو الخطاب المطبوع في كتاب تحت عنوان “المغرب معركة اليوم والغد”. حلل فيه علال الفاسي الواقع السياسي ومعاناة المواطنين أمام تجاوزات السلطة والتضييق على هامش الحريات.
ثم هناك أيضا دعوته لابنه عبد الواحد الفاسي للانضمام إلى  العمل السياسي، وأشهد أن عبد الواحد كان ومازال مناضلا جماهيريا، إذ أديت وإياه القسم أمام الزعيم علال الفاسي، وهو القسم الذي ظل ملتصقا بي ولم أفكر في أي لحظة مغادرة الحزب لأنني شربت من مبادئه وتربيت في منهجه السياسي الملتزم.

ماذا عن القادري اليوم؟
 حتى لا أطنب في الحديث حول نفسي وهذا سلوك لا أحبده، أكتفي بذكر برنامجي في الأسبوع الماضي، لأنه اليوم نفسه الذي صدر فيه مقال في إحدى الجرائد يتحدث عن موتي سياسيا، وما خلقته طريقة كتابة المادة الإعلامية من هلع في صفووف معارفي وعلاقاتي، إذ أنها كانت تترحم علي كأنني مت فعلا، وإن كنت أومن بالقدر ولا أخشى الموت. قلت كان لي في  اليوم نفسه ثلاث لقاءات، الأول في الصباح مع عمدة المدينة حول مشروع قدمه مستشار يطلب فيه الرأي يتعلق بإعادة هيكلة سوق كوتيي بالمعاريف وإحداث مسجد به وتقرر إعداد دراسة في الموضوع للانطلاق في الإنجاز.
أما اللقاء الثاني فكان حول مرسوم تحرير نقل اللحوم وإحداث مجازر جديدة لمحاربة الاحتكار، وكانت هناك نقابة ناقلي اللحوم التي تطلب التنظيم في إطار الدفاع عن مصالحها، وكان النقاش حول دفتر التحملات وضمان التنافسية والشفافية وغير ذلك، وتقرر التنسيق مع مختلف الفاعلين في إطار الحوار البناء.
 ثم اجتماع ثالث لصياغة الاتفاقية مع بنك ينجز مقره في إطار رخصة اشتثنائية، ومقابل ذلك، التزم بتشييد مواقف سيارات تحت أرضية تحت حديقة ساحة ملعب مصارعة الثيران (ليزارين)، وأن تقوم بصيانة مستمرة للحديقة، هذا الاستثمار ستنجزه الشركة المصرفية على حسابها لفائدة مجلس المدينة والموارد ستعود لفائدة المدينة وسيكلف غلافا ماليا ب5 مليار و500 مليون، واللقاء كان لتدقيق الصياغة والتأكيد على مصالح المدينة وهذا مكسب في حد ذاته.
كان هناك اجتماع آخر قبل “تمويتي” حول باشكو، أو ما تبقى من باشكو، وبهذا التجمع أخطر من كريان طوما لموقعه، ولكن تأطير الأحزاب السياسية وعبد ربه ساعدنا في حل المشكل. كنا ندخل البراريك ونحاور ونجالس الناس هناك لخلق حلول بديلة من شأنها استيعاب السكان، ولم يبق سوى 15 في المائة من المشاكل الناجمة عن تعدد الأسر. اجتماعات كثيرة على مدار الأسبوع كلها تصب في الأهداف النبيلة التي من أجلها انتخبت وتنسجم أيضا مع المبادئ التي تربينا عليها والتي لا يمكن أن تموت، فالقادري مازال حيا سياسيا…

أجرى الحوار: المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق