fbpx
خاص

خادمات قاصرات… ضحايا العنف والاعتداء الجنسي

منظمة “هيومن رايتس ووتش” ترسم واقعا أسود عن معيش خادمات المنازل بالمغرب

الضرب بالأيدي وبالأحزمة والعصي والأحذية والأنابيب البلاستيكية “التيو”، والتحرش والاعتداء الجنسي، علاوة على السب والتجويع والحرمان من الراحة”، مأساة وقفت عليها منظمة “هيومن رايتس ووتش” تتجرعها آلاف القاصرات ممن يعملن خادمات في البيوت بمختلف المدن المغربية الكبرى. التقرير الثاني لـ”هيومن رايتس ووتش” حول عمل الأطفال في المنازل بالمغرب والثالث والأربعين عن عمل الأطفال عموما، الذي حمل عنوان “الخدمة في العزلة… عاملات المنازل القاصرات في المغرب، أكد أنه رغم أن عمل الأطفال عموما وعملهم بالمنازل تحديدا في تراجع، تصر المنظمة من خلال تقريرها على أنه ما زال مشكلة جسيمة في المغرب، تتطلب مجهودات خاصة للقضاء عليها.
تقر منظمة العمل الدولية أنه يوجد في بلدان العالم ما بين 50 إلى 100 مليون شخص، 83 في المائة منهم على الأقل نساء وفتيات، يعملن في قطاع العمل المنزلي، فيما يشكل هذا القطاع في إفريقيا والشرق الأوسط نحو 4,9 في المائة في إفريقيا، و8 في المائة بالشرق الأوسط من مجموع الأعمال المتوفرة، على أن عدد العاملات القاصرات دون سن 18 سنة يشكل نحو 30 في المائة من جميع عاملات المنازل في شتى أنحاء العالم.
ورغم أن المنظمة أقرت بأنها لا تتوفر على إحصائيات دقيقة حول عدد الأطفال العاملين في المنازل في المغرب، إذ “لا توجد دراسات مسحية محددة بشأن عمل الأطفال بالمنازل منذ عام 2001، ذلك أن الحكومة أبلغت منظمة العمل الدولية أنها تخطط لدراسة مسحية جديدة عن عمل الأطفال بالمنازل بالدار البيضاء عام 2010 ويتم من خلالها استقراء النتائج على المستوى الوطني، قبل أن تؤكد الحكومة متم يونيو الماضي أنها بصدد تحضير الدراسة ونتائجها لم تتم بعد”، ذكرت بأن دراسة مسحية أجرتها الحكومة سنة 2001، خلصت إلى أن 23 ألف فتاة تحت سن 18 عاما، بينهن 13 ألفا و580 فتاة تحت سن 15 عاما، يعملن عاملات منازل في منطقة البيضاء وحدها، فيما قدر معهد “فافو” النرويجي  في دراسة أجراها بالمغرب في الموضوع ذاته عدد عاملات المنازل بـ66 ألف و86 فتاة يعملن دون سن 15 عاما.
وفي المقابل، خمنت المنظمة، رغم وجود معطيات رسمية تناقص عدد الأطفال العاملين بالمنازل في المغرب، ذلك أن معظم الأشخاص والفاعلين الذين التقتهم منظمة “هيومن رايتس ووتش” بمن فيهم ممثلون لمنظمات المجتمع المدني واليونيسيف ومنظمة العمل الدولية ومعلمون مغاربة ومسؤولون حكوميون، يقرون بأن هذه الممارسة تبدو أقل شيوعا مما كانت عليه سنة 2005، السنة التي أنجزت خلالها المنظمة الدولية أول تقرير لها حول “الخدمة في العزلة: عاملات المنازل القاصرات في المغرب”، الذي أظهر أنه، بناء على دراسة ميدانية أنجزت عام 2010 حول عاملات البيوت، 38 في المائة من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 8 و12 سنة، وأن من بين 20 خادمة استقبلتها المنظمة، 15 فتاة بدأن العمل في أعمار 9 و10 و11 سنة، وعملن جميعا خادمات بيوت في الفترة الممتدة من 2005 إلى 2010 “فترة إعداد التقرير”، أصغرهن بدأت العمل وهي في الثامنة.    
     
العمل ينطلق من سن الثامنة

تتحدر الأغلبية العظمى من عاملات المنازل القاصرات، وفق نتائج التقرير، من مناطق ريفية فقيرة، ينتقلن للعمل في المدن الكبرى من قبيل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وأكادير وفاس، لتأمين دخل ثابت إلى أسرهن التي أظهرت دراسة جمعية إنصاف أن 9 في المائة منها فقط تتوفر على دخل قار و94 في المائة من الأمهات و72 في المائة من الآباء أميون لا يقرؤون ولا يكتبون.
ووقف التقرير على أن الفتيات يبدأن العمل بالبيوت في سن مبكرة جدا، منذ ثماني أو تسع سنوات، إذ خلصت دراسة مسحية للحكومة خلال سنة 2001 عن عمال المنازل في الدار البيضاء  إلى أن 59,2 في المائة من الفتيات العاملات بالمنازل كن تحت سن 15 عاما، فيما انتهت دراسة جمعية إنصاف لعام 2010 الخاصة بعاملات المنازل القاصرات دون سن 15 عاما، إلى أن 62 في المائة منهن، تتراوح أعمارهن بين 13 و15 عاما، وأن 38 في المائة منهن أعمارهن بين 8 و12 سنة.
من جهتها، وقفت المنظمة الحقوقية في تقريرها الأخير على أن أصغر عاملة بدأت العمل بالبيوت من أصل 20 خادمة، موضوع الدراسة، في سن لا يتجاوز الثامنة، و15 منهن، أي ما يناهز 75 في المائة زاولن العمل في أعمار 9 و10 و11 سنة.
وأكدت المنظمة أن أغلب عاملات المنازل القاصرات في المغرب من الفتيات، ذلك أن قطاع العمل المنزلي في المغرب قطاع شبه مخصص للنساء والفتيات، وينظر إليه من منظور التقاليد على أنه “عمل المرأة”.
 الوسيط… قد يخدع العاملة مقابل أجر يصل أحيانا إلى 1500 درهم

أغلب الفتيات العاملات اللواتي قابلتهن “هيومن رايتس ووتش” أكدن أن الوسيط رتب وظيفة لواحدة على الأقل منهن. ورغم أن أغلبهن لسن على علم بالرسوم التي تقاضاها الوسيط، إلا أن إحداهن، يقول تقرير المنظمة، ذكرت أن صاحبة عملها دفعت 200 درهم، وأخرى أكدت أن مشغلتها أعطت 500 درهم، فيما أفادت منظمات المجتمع المدني المحلية أن  تصل الرسوم إلى 1500 درهم.
وأكدت المنظمة، أنه كثيرا ما يكون متوقعا من أسر خادمات البيوت القاصرات أن تدفع بدورها رسوما للوسيط، بل حتى عندما لا تكون لدى الأسر نقود لتدفعها سلفا، تعمل الفتاة لمدة شهر إلى ثلاثة أشهر لتغطي هذه الرسوم.
وأشار تقرير المنظمة إلى أن بعض الوسطاء يقومون أيضا بخداع الخادمات وأسرهن، بشأن طبيعة العمل، فبعضهن يقال لهن إنهن ستقمن فقط بالرد على الهاتف أو أنهن سيذهبن إلى المدينة للعيش مع أسرة أخرى ومتابعة دراستهن ليفاجأن في الأخير بأن الاتفاق يهم قيامهن بالأشغال المنزلية، دون أن يتمكن من الاعتراض.
وبما أن الوسطاء يحصلون على رسوم لدى استقدام كل عاملة منزل، فمن مصلحتهم أيضا أن تغير العاملة وأسرتها مكان وأصحاب العمل حتى يحصلوا على المزيد من الرسوم.

100 درهم مقابل شهر كامل من العمل

تحصل الفتيات اللاتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش في المتوسط على 545 درهما شهريا، أي نحو ربع الحد الأدنى للأجر في القطاع الصناعي، رغم أنهن عادة ما يعملن أكثر من 44 ساعة أسبوعيا.
وفيما ذكر التقرير أن بعضهن يحصلن على  نحو 750 درهما شهريا، سجل التقرير أن أدنى أجر يصل على 100 درهم  شهريا فقط، فيما فتيات أخريات أخرى لا يعرفن أصلا كم يتقاضين، مقابل عملهن المستمر خادمات لدى مشغليهن، ذلك أن الآباء أو الوسطاء، في جميع الحالات، يتفاوضون على أجورهن، وكان الراتب يرسل مباشرة إلى أسرهن.
ورغم أن مدونة الشغل تفرض 44 ساعة حدا أقصى للعمل أسبوعيا في قطاع الصناعة، ولأنه لا يوجد حد أقصى لساعات العمل بالنسبة إلى خادمات المنازل في القانون، تصبح القاصرات تحت رحمة أصحاب العمل، إذ تبدأ أغلب العاملات العمل في ساعة مبكرة من الصباح ولا ينتهي عملهن إلا في المساء دون فرصة كافية للاستراحة، إذ غالبا ما تكون الطفلة القاصر أول من يستيقظ في الصباح وآخر من يأوي للفراش ليلا.
أغلب الخادمات يعملن سبعة أيام في الأسبوع دون أيام راحة، إذ يمكن لبعضهن أن يعملن لمدة عامين دون الحصول على يوم راحة واحد.

 ضرب وتحرش جنسي

أغلب عاملات المنازل اللواتي قابلتهن هيومن رايتس ووتش أكدن تعرضهن لشتى أصناف الإساءة الشفهية والبدنية. تارة يكن موضوع ضرب بالعصي الخشبية أو الأيادي أو الأنابيب البلاستيكية “التيو” وحتى بالأحزمة الجلدية والأحذية، وتارة أخرى يسمعن قاموس الشتائم لأنهن لم يقمن بعمل ترغب فيه صاحبات المنازل.
فبعض أصحاب المنزل يضربون الخادمات إذ لم يؤدين المهام على النحو المرضي لهم أو إذا كسرن شيئا، وأحيانا أخرى على حوادث خاصة بأطفال أصحاب البيت.
وتعرض تقرير المنظمة لخطر العنف الجنسي من الذكور في البيوت التي تعمل بها القاصرات، ويكونون من أبناء أصحاب البيت أو حتى أقاربهم الذكور، إذ وقف التقرير عند حالات لخادمات تعرضن لمحاولات الاغتصاب وأخريات قبلن التحرشات الجنسية لأبناء أصحاب البيت تحت وطأة التهديد.

تجويع وانعدام الاتصال بالعائلة

وقف تقرير المنظمة على أن بعض الفتيات لم يحصلن على ما يكفي من الطعام، وأنهن كن يعانين كثيرا من الجوع، ففيما تقتات بعض الخادمات على بقايا الطعام الذي لم يعد صالحا للأكل، تحصل أخريات فقط على زيت الزيتون والخبز مرتين في اليوم: في الصباح الباكر وبعد الانتهاء من العمل وخلود الأسرة المشغلة إلى النوم ليلا، ولا يطلبن المزيد، خوفا من العقاب والضرب.
وفيما كانت لدى بعض الخادمات حجرات خاصة بهن وسرير للنوم، أخريات كن ينمن في حجرة المعيشة  أو في خزانة أو على بطانية على الأرض طيلة مدة العمل لدى أصحاب المنزل، لتزداد بذلك حجم معاناتهن جراء ابتعادهن عن أسرهن وذويهن، إذ نادرا ما يسمح لهن الاتصال بهم أو مقابلتهم، ذلك أن تقرير المنظمة كشف أن بعضهن عملن لمدة عامين دون أن يقابلن عائلاتهن أو يتحدثن معها هاتفيا، فيما لا يسمح للمحظوظات منهن بالحديث مع عائلاتهن هاتفيا إلا تحت المراقبة الفعلية لصاحبة البيت.
ورغم تعرض الكثير من الخادمات للعنف المتكرر وظروف عمل ومعيشة قاسيتين، لا تجرؤ الخادمات القاصرات على الهرب، لدوافع، عزتها المنظمة الدولية إلى عدم معرفتهن بالمدينة التي يعملن بها وعدم إتقانهن العامية العربية بما أن جلهن يتحدثن الأمازيغية.

خدم المنزل.. قانون موؤود

ما زالت العمالة المنزلية مستبعدة من مدونة الشغل المغربية، لذا لا تتمتع عاملات المنازل بالكثير من الحقوق الأساسية التي ينالها العمال الآخرون في القطاع الرسمي وفي الزراعة، إذ بموجب مدونة الشغل، يحصل العمال الآخرون على حد أدنى للأجر وحد أقصى لساعات العمل ويوم عطلة أسبوعيا.
ورغم أن الحكومة شرعت عام 2006 في التحضير لمشروع قانون لتنظيم العمل المنزلي، قررت الحكومة الحالية أن تعيد النظر فيه، إذ صرح عبد الواحد سهيل، وزير التشغيل والتكوين المهني  لهيومن رايتس ووتش أن تبني القانون من أولويات وزارته والحكومة، دون أن يتم ذلك بالفعل ،إلى حدود صدور تقرير المنظمة.
ويحظر مشروع القانون تشغيل أطفال دون سن 15 عاما في المنازل، وينص على معاقبة أي شخص يشغل طفلا تحت 15 عاما في المنزل بغرامة تتراوح بين ألف و30 ألف درهم، وغرامة تتراوح بين 25 و30 ألفا درهم على الوسطاء، أو أي شخص يشغل طفلا بين 15 و18 عاما دون تصريح من ولي أمره.
وينص مشروع القانون أيضا على ظروف عمل معينة لعاملات المنازل بشكل عام، وهي سارية بالنسبة إلى الأطفال فوق 15 عاما المصرح لهم قانونا بالعمل، من قبيل ألا يزاولوا أعمالا تشمل مخاطر زائدة أو تتعدى قدرات العاملة أو تؤثر على سلوك مقبول أخلاقيا لديها، فضلا عن ضرورة توفر عقد عمل وضمان إجازة أسبوعية لمدة 24 ساعة متواصلة وإجازة سنوية مدفوعة الأجر بمعدل يوم ونصف اليوم عن كل شهر عمل بالإضافة إلى الراحة أثناء العطل الوطنية والدينية والتوقف عن العمل في المناسبات العائلية، والتعويض في حال الفصل من العمل بعد عام على الأقل من الخدمة.

“وصايا” هيومن رايتس ووتش

خلص تقرير المنظمة الدولية إلى أن الحكومة المغربية يجب أن تتبنى مشروع قانون بشأن خادمات البيوت جرت مناقشته سنوات، على أن يتم تعديله بما يضمن الالتزام باتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بظروف العمل اللائقة لخادمات المنازل، علاوة على فرض عقوبات على أصحاب العمل والوسطاء الذين يشغلون أو يستقدمون للعمل أطفالا تحت سن 15 سنة وملاحقة المسؤولين عن العنف ضد عاملات البيوت القاصرات بموجب القانون الجنائي.
وأوصى التقرير البرلمان بتبني مشروع قانون العمل المغربي والتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بظروف العمل الملائمة لعاملات المنازل، داعيا وزارة التشغيل والتكوين المهني إلى تنفيذ آليات لتحسين مراقبة تشغيل الخادمات، ووزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية إلى توفير الملاجئ الطبية والاجتماعية الكافية لعاملات المنازل.

التعليم.. حلم بعيد المنال

رغم أن القانون المغربي يطالب بالتعليم الإلزامي حتى سن 15 عاما، أكدت هيومن رايتس ووتش في تقريرها، أن عاملات المنازل القاصرات عادة ما يحصلن على قسط قليل من التعليم، إذ أن أغلبهن لم يرتدن المدرسة إلا عاما أو عامين قبل الانتقال إلى العمل، فيما 30 في المائة من العاملات لم تطأ قدماهن المدرسة أصلا.  
ولم تسمح الأسر المشغلة لأي من الفتيات اللواتي قابلتهن المنظمة أثناء إعداد تقريرها بارتياد المدارس، إذ منعتهن رغم وعود سابقة لأسرهن بالسماح لهن بالتمدرس وتوسلات البعض منهن السماح لهن باستكمال تعليمهن، دون توضيح أسباب الرفض.

إنجاز: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق